ضحايا دراكولا السعيدة

جهاد الزين
ا
لنهار
17112018

تنجح الطبقة السياسية اللبنانية بكل أطرافها دون استثناء مرةً جديدة في خلق حالة رعب، رعب نعم، بين اللبنانيين المقيمين ناتجة عن تهديدهم بانهيار سعر الليرة ومعه انهيار الاقتصاد لاسيما إفلاس موازنة الدولة.

من دون أي حياء ولا وجل وبالاستناد إلى إمساك كامل بمفاصل الأمن والسياسة والنفوذ المالي تقوم هذه الطبقة بتهديدنا بما هو بالضبط ناتجٌ، وبوضوح، عن سياساتها منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990. وليس عن أي سبب آخر.

هكذا، هذه الأيام بالذات، يبدو التهديد المزدوج، العودة البسيكولوجية، لا الميدانية للحرب الأهلية والانهيار الاقتصادي، في أقصى حالاته “ديناميكيةً” ليظهر أن هذه الطبقة بكل فئاتها الأساسية، تكرِّر احترافها العالي الذي يقبض على رقاب مصائر اللبنانيين.

غير أن وقاحة جسم أساسي من الكوادر اللبنانية لا تقل عن وقاحة أسيادها. فهؤلاء السياسيون الذين يمسكون بجمهور منظّم الاحتقانات الطائفية ومستند على مصالح زبائنية خصوصا داخل القطاع العام، الذي تقول بعض التقديرات المنسوبة إلى حاكم مصرف لبنان أن عدد موظفيه تخطّى الثلاثماية وخمسين ألف شخص، يعرفون كيف يديرون “جمهورا” فقد إحساسه الوطني الشامل لصالح “وطنية طائفية” وحاقدة على الآخر الداخلي.

لا أستثني أية قوة سياسية هنا من أقصى التمثيل المسيحي إلى أقصى التمثيل المسلم، من أقصى التمثيل المذهبي إلى أقصى التمثيل المذهبي.

القوى الأساسية تشير إلى سلسلة الرتب والرواتب الأخيرة باعتبارها مصدر عجز الدولة دون أي كلمة اعتذار، على الأقل، عن أنها ساهمت في إقرارها شعبويا وبرلمانيا وأنها كغيرها كافأت كوادرَها داخل الدولة برشوات جديدة عالية بمعزل عن بعض فئات الموظفين التي تستحقها. وحدّث ولا حرج عن هذه القوى: واحدة مرتاحة إلى مسؤولية “الحريرية السياسية” عن الدين العام والفساد وأخرى مرتاحة إلى مسؤولية “حزب الله” عن اختناق الاقتصاد وشراكته الأكيدة في الفساد وثالثة توزّع محاضرات العفة بشكل مضحك ووقح رغم تاريخ مكشوف من الفساد “الحيوي” والواسع ورابعة تلعب دور “الاتزان” في مغارة شاملة من التوظيف والنهب الذي تشارك فيه جماعتها وخامسة مؤسِّسة ومجدّدة في تقاليد النهب لا أجد وصفاً لوقاحتها “التاريخية” وووو..

شركاء، شركاء، شركاء علنا في المآل الإفلاسي. ليس أي شيء آخر.

دعونا لا ننسى الوجهَ المتمِّم للصورة:

جزء مهم من الجمهور اللبناني هو شريك شيزوفراني في هذا النظام القوي الذي يدير دولة تافهة.

تقليديا احترفت هذه القوى التي أدارت الحرب طويلا أو جزئياً إرهابنا اليومي بعد الحرب بخطر اندلاع الحرب في أي لحظة. راقبوا تصريحات السياسيين وكم ستجد منذ بدأ السلم الأهلي بعد 1990، إلى اليوم، تصريحات التهديد بالانفجار الطائفي لأي سبب كان. وهذا تتابعَ مع موجة ما بعد 2005.

تقليديا أيضا في زمن السلم واكب التهديدُ بالانهيار الاقتصادي التهديدَ بالانهيار الطائفي. أمس الأول شاهدتُ حلقة مارسيل غانم على قناة إم تي في ، وراعني كم البعض من هؤلاء الشباب والشابات الذين شاركوا وأعطوا آراءهم ظهروا كوحوش طائفية مستنسَخة عن زعمائهم، بل أكثر شراسة وأقل خبثاً من زعمائهم. يبدو ذلك شبيها بأفلام الرعب الذي تتحول فيه ضحايا دراكولا إلى أكثر عنفاً وسعادة منه.

ها نحن الآن في زمن الرعب الاقتصادي من كماشة التهديد التقليدي المزدوج. هذا “مركز” مقالي ولكن ليس هدفه. الهدف تفاقم تواطؤ “الجمهور” أي بعضه طبعاً. تلك الوحوش المستنسَخة التي تعمل، وبصدق، لدى طبقة رهيبة، حتى الانهيار لا يستطيع أن يخلِّصنا منها أي الطبقة، لأن لديها خبرة إدارة الانهيار والاستمتاع بتحويل اللبنانيين إلى شحّاذين.

مزرعة جورج أورويل تنتهي بثورة على السلطوية الحيوانية. ثم تنكشف الثورة. في لبنان المصير الأورويلي هي فرار الأبناء إلى دول محترمة وهذا حصل ويحصل وسيحصل ويجب أن نستمر في تشجيعه. وكل سياسي يتبجّح بالعمل على تشجيع الشباب على البقاء أنشروا على وسائل التواصل صورة ورقم جواز سفره الأجنبي. مع نظرة غاضبة ومحتقِرة.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*