ضجيج مفتعل وقلق حقيقي


مروان إسكندر
النهار
28092018

الاسبوع المنصرم واجه اللبنانيين العاديين بتساؤلات متنوعة. أسعار اصداراأسعار اصدارات اليوروبوند تدنت، حاكم المصرف المركزي طمأن الى القدرة على الايفاء في تواريخ الاستحقاق. رئيس الجمهورية صرح لوفد من رجال الاعمال بان الاوضاع ليست على ما يرام لكن القدرة على المعالجة متوافرة، وموارد النفط ستعزز الصندوق السيادي. وفي المقابل، وزير المال حذّر من مصاعب آتية، وابراهيم كنعان في كتابه عن الابراء المستحيل الصادر عام 2013 شدد على عجز مقداره 11 مليار دولار غير موثقة بنود استعماله.

عام 2014 كتبت تعليقًا على كتاب ابراهيم كنعان أوضحت فيه ان عجز الكهرباء ما بين 2008 و2013 (وزراء “التيار الوطني الحر” كانوا يتولون الحقيبة) بلغ أكثر من 9 مليارات دولار من المبلغ الذي تحدث عنه، ولم يكن لديه جواب سوى القول إن نفقات ومقترضات الكهرباء لم يبحث فيها. اليوم تصريحاته المالية أكثر توازنًا وواقعية.

بداية نؤكد ان الخلاف بين السياسة المالية، التي هي نتيجة قرارات مجلس النواب وتخصيص الوزراء موارد الانفاق، هي غير السياسة النقدية التي تسعى الى المحافظة على استقرار سعر الصرف وعلى النظام المصرفي والتحويل الحر ومعدلات الفوائد، وتوفير بعض الدعم لاستهدافات انتاجية.

الامر الاكيد ان ارتفاع ارقام الدين العام ارتبط الى حد بعيد بعجز مصلحة كهرباء لبنان، التي اصبحت بقدرة قادر خاضعة لقرارات وزير الطاقة من غير ان يكون للمصلحة مجلس ادارة مقتدر ومن غير ان تخضع المصلحة لتوجهات وقرارات هيئة ناظمة للكهرباء افترض انشاؤها منذ عام 2005 وبمبادرة من الرئيس السنيورة مانع في تحقيقها عدد من النواب.

الخلط بين السياسة المالية والسياسة النقدية لا يزال الظاهرة الغالبة لدى المسؤولين.

الاسبوع الماضي ولدى استقباله وفداً من رجال الاعمال، صرح رئيس الجمهورية بان إعداد أرقام موازنة 2018 أظهر ان هنالك عجزاً منذ عام 1993 اضاف الى الدين العام 30 مليار دولار لا تتوافر المعلومات عن أسبابها. يجب ان تكون لدى الرئيس الحسابات الدقيقة والتي تبين ان 40 في المئة من الدين العام المترسب على لبنان يعود الى عجز الكهرباء، وان عجز الكهرباء خلال فترة السنين العشر 2008-2018 مرتبط بممارسات وزراء الطاقة وهؤلاء كانوا:

– ألان طابوريان 2008-2009

– جبران باسيل 2009-2014

– أرثور نظريان 2014-2016

– سيزار أبي خليل 2016-

فخامة الرئيس، النسبة الكبرى من العجز المتراكم خلال السنوات المشار اليها يعود الى قرارات وزرائك وممارساتهم، فهم المسؤولون عن النسبة الكبرى من العجز، ولو احتسبنا الفوائد المتراكمة على السلفات لمصلحة الكهرباء، والتي وفرتها الحكومة من الاقتراض، تكون نسبة 40-42 في المئة من كامل الدين العام نتجت من ممارسات هؤلاء الوزراء، وكثيرًا ما نسمع الوزير الحالي يشكو من ان المجلس أحبط خطتهم للكهرباء المنجزة عام 2010. والحقيقة ان من انجز خطة للكهرباء، وكان منفتحًا على اشراك القطاع الخاص في تأمين الحل المناسب والاوفر، كان الوزير فنيش الذي انهى دراسته عام 2008 وغابت عن انتباه ألان طابوريان لان كل توجهه كان نحو اعتماد الفحم الحجري في معامل يتم انجازها.

– اضافة الى الاشاحة عن مساهمة وزراء الطاقة بين 2008 و2018 في تزايد الدين العام وتوسع عجز تأمين الطاقة وتوسع هذا العجز، هنالك مضاعفات تعجيز بعض أهم الشركات العالمية عن الاشتراك في المناقصات وخبراء هذه الشركات يعتبرون شروط المناقصات غير مناسبة وانها تترك القرار للوزير دون مناقشة، وهذا ما أكدته سلطات الرقابة التي رفضت معايير المناقصة لانشاء معامل جديدة أكثر من مرة.

– المؤسسات الدولية، اي البنك الدولي، الاتحاد الاوروبي، الصناديق العربية تعتبر التقصير في تشكيل هيئة ناظمة للكهرباء، ومجلس ادارة مقتدر، ونشر موازنات مفصلة وضعتها بيوتات دولية، أمور تمنع الاقدام على مساندة لبنان في هذا التوجه. والصندوق الكويتي الذي عرض تمويل توسيع المحطات وتحسين الشبكة للتوزيع منذ عام 2003 لم يعد يطمح الى التعامل مع الفريق المكلف مسؤولية تأمين الكهرباء بأفضل التكاليف والشروط والذي فشل حتى اليوم في الاضطلاع بهذه المسؤولية.

– تكاليف تأمين مصلحة كهرباء لبنان التيار للمستهلكين، تزيد على 25 سنتًاً للكيلوات، ويتآكل من الطاقة في طريق التسليم نسبة 15 في المئة نتيجة تقادم الشبكات، و5 في المئة لاسباب تقنية تتعلق بعمليات الانتاج، وأكثر من 25 في المئة نتيجة السرقات وعدم تسديد المستحقات وخصوصاً من الهيئات الحكومية، وبعض النواب ومؤسسات انشئت لتوفير شروط تحسن كفاية الانتاج وتنوعه.

– ان السياسة النقدية أثبتت فاعليتها في تثبيت سعر صرف الليرة مدى 23 سنة على الاقل، لكن انفلاش السياسة المالية وعدم تقيدها بمعايير محاسبية منضبطة واستباحة موارد الدولة، كلها أمور اثقلت على السياسة النقدية وقد يأتي يوم لا تستطيع فيه السياسات والممارسات النقدية الضرورية ضبط أوضاع السوق بسبب طغيان انفلات السياسة المالية. يجب المصارحة بان اية تأثيرات على ضيق فرص العمل وتراجع الاستثمار تعود الى السياسات المالية المتفلتة والتي لا تزال على ثقلها.

– قياسًا بمسيرة الحكم، بيّن الدكتور كمال حمدان في محاضرة شارك فيها في “بيت المستقبل” بتاريخ 2018/8/21 وعنوانها “الفرص المتاحة وحدود القدرة الفعلية على تحقيقها”، ان الادارة الاقتصادية للفريق الحاكم للشأن اللبناني لن تتمكن من تحقيق الشروط التي طلبها وأصر عليها المشاركون في مؤتمر “سيدر”.

اننا نشاطر كمال حمدان نظرته وتقويمه، ونود ان نضيف اليهما ان عملية تنشيط الاقتصاد وتحفيزه تستوجب الغاء عجز الكهرباء، وهذا الامر ممكن خلال ستة أشهر ان كانت هنالك نيات صافية وتفهم فعلي للتقنيات الحديثة. ويمكن ان تعزز نتيجة الغاء دعم يفوق الملياري دولار، بانشاء شركتين خاصتين لانجاز مصفاتين بمواصفات حديثة في طرابلس والزهراني بطاقة 8 ملايين طن سنويًا، فنوفر 700 مليون دولار على حساب ميزان المدفوعات، ونلجأ الى تشريع زراعة الحشيشة وتنظيمها وتسويق منتجاتها بموجب اقتراح الرئيس بري الذي عبر عن اقتراحه بعد تحذيره من استمرار زيادة اعداد الموظفين والهدر. وحينئذٍ تكون النتيجة زيادة اعداد الموظفين في نشاطات مجدية ما بين 12 و15 الفًا بعد احتساب اعداد العاملين على منصات البحث عن النفط والغاز وتأمين حاجاتهم وترتفع مداخيل الموازنة مليار دولار من تصدير الحشيشة وتنخفض تكاليف الانفاق ملياري دولار.

الانقاذ ممكن اذا ساد العقل بدل الجشع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*