صيام غوتيريش وحجاب غير المسلمات في رمضان

 

رأي القدس
May 31, 2018
القدس العربي

قام الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء الماضي بعمل رمزيّ محترم بصيامه يوماً مع عناصر قوات حفظ السلام الأممية في مالي الأفريقية، وفي الوقت نفسه التضامن مع المسلمين هناك في شهر رمضان.
وفي استجابة لدعوة من منظمة «يوم الحجاب العالمي»، التي تديرها ناظمة خان، تقوم الآلاف من النساء في العالم، بالتضامن مع المسلمات المحجبات اللاتي يعانين تمييزا عنصريا نتيجة ارتدائهن غطاء الرأس المعروف بـ«الحجاب»، بارتداء اللباس نفسه ثلاثين يوما، مدة الشهر الكريم، كما أن كثيرات منهن يتضامنّ ايضاً عبر ممارسة الصيام واختبار آثاره النفسية والصحية عليهن.
إحدى هاته النساء، إيلي لويد، وهي مسيحية بريطانية، لخّصت موقفها من المسألة بالقول إن الحجاب هو مجرد قطعة من القماش لكنه يحمل، بالنسبة للمسلمات اللاتي يضعنه، «أعمق المعاني الروحية».
عبر قراءتها المتفحصة لما يسمى «أسباب النزول»، رأت المفكرة المغربية الراحلة فاطمة المرنيسي (وكتاب كثيرون آخرون) أن الحجاب اختص بزوجات الرسول (ص)، وأن الآيات الأخرى التي أشارت لعموم المسلمات بارتدائه ربطته بوضع معين في المدينة المنورة اضطر نساء المسلمين لوضعه «ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين» من قبل المنافقين، وبالتالي، في تلك الوضعية التاريخية المحددة فإن وضعه كان اتقاء لأذى وضرر، ويُفترض، بزوال الأذى، مع سيادة الإسلام وتغلبه، أن تزول الضرورة، لكن ذلك لم يحصل لأن ثقافة محافظة ومناهضة للنساء بدأت تسود، ولأن الفاتحين المسلمين تأثروا بثقافات البلدان التي فتحوها، والتي كانت النساء يتحجبن فيها، كبلاد فارس والعراق.
صار الحال الآن، في كثير من البلدان الأجنبية (وحتى بعض البلدان العربية) معكوساً، فارتداء الحجاب صار سببا للأذى والاضطهاد والتمييز الديني، فما الذي يدفع نساء المسلمين للتمسك بالحجاب.
يمكن اعتبار الحجاب تعبيراً كفاحيا عن الهوية الثقافية الدينية، ولكنّه، في الوقت نفسه، أصبح عنوانا للمظلومية الإسلامية المستفحلة العواقب في أنحاء العالم، فأمريكا، التي كانت عند نشوئها، ملجأ للأقليات الدينية المضطهدة، صارت اليوم، بفضل رئيسها دونالد ترامب، وتصاعد الاتجاهات اليمينية المتطرفة فيها، ممنوعة على مواطني ستّ أمم مسلمة، وبريطانيا، التي هي أقدم ديمقراطية غربية، صار فيها يوم عنصريّ لمعاقبة المسلمين، وفي فرنسا تطالب 300 شخصية بحذف آيات لا تعجبها من القرآن، وفي بلدان أوروبية أخرى، كهنغاريا، التي يحكمها فيكتور أوربان، وهو عنصريّ صريح، فتصدر قوانين تجعل مساعدة اللاجئين جرما يقود للسجن، ولا داعي طبعا لمدّ السلسلة نحو الصين وميانمار وروسيا بل وبعض الدول العربية ـ الإسلامية نفسها!
في كتابه «جاذبية الإسلام»، شرح المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون، كيف تحول الإسلام بالنسبة لأوروبا، عبر قرون طويلة، من خصم أيديولوجي خطير وعدوّ جغرافي مهدد، إلى معضلة، ومن ثم إلى فتنة وسطوة، وفي أيامنا هذه، وبفعل آلات الدعاية والإعلام الكبرى في العالم، والأحداث الخطيرة التي تجري في بلادنا، أعيد الاعتبار لفكرة الإسلام باعتباره عدوّا خطيرا.
تتجاهل الدعاية تلك جرائم الاحتلال الاستيطاني في إسرائيل، وفظائع أنظمة الاستبداد والفساد العربية، وتلخص، ببساطة، كل ما يجري في العالم بخطر واحد أوحد، فُرضت تسميته بـ«التطرف الإسلامي»، وهي دعاية من الكثافة والاستمرارية جعلت كثيرين من المسلمين أنفسهم يصدّقون أن العلّة في دينهم وفي جيناتهم وثقافتهم وحضارتهم، وليس في اتحاد طغم الفساد والطغيان والاحتلال ضدهم.
من الطبيعي، مع تصلّب وصعود العنصريّات في العالم، واستفحال أفعال الإبادة والتهجير والإخضاع للشعوب الإسلامية، أن يتصلّب الكثير من المسلمين وأن ينجروا لأشكال من التطرّف، كما أن من الطبيعي، أن تزدهر أحوال المسلمين، مع توفّر نظم سياسية عادلة تؤكد انتماءهم للمنظومة البشرية وقوانينها الناظمة الحديثة، وللديمقراطية والتمدّن والأخذ بأسباب الحضارة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*