صورة السلطان قابوس في حضرة رئيس وزراء «المستوطنة»

 

هيفاء زنكنة
القدس العربي
06112018

كيف نقرأ صورة السلطان قابوس، الواقف منكمشا، في قصره، في العاصمة مسقط، مع نتنياهو، رئيس « مستوطنة إسرائيل»، إزاء خارطة غير واضحة المعالم رغم كونها مضيئة؟ ما هي دلالاتها بالنسبة إلينا، كمتلقين لخبر « سري» فاحت رائحته، وكشعوب تؤمن بالعدالة وحقها القانوني والأخلاقي، بمقاومة الظلم؟ ما الذي تعنيه صورة كهذه ودلالاتها لأبنائنا، لجيل شباب باحث عن قدوة تحتذى، في خضم سرعة تصنيع الهويات، التي تضاهي سرعة إعداد وجبة مكدونالد؟
تتناول الأسئلة، أيضا، كيفية استخدام الصورة من قبل وسائل الإعلام الإخبارية التابعة للسلطة في تشكيل الأخبار والسياسة والرأي العام. كما تنظر، في حال الاحتلال الاستيطاني وحملة التطبيع الرسمية العربية المكثفة، أخيرا، بمسميات مختلفة، عما إذا ستكون دلالات الصور المنشورة جزءا من سيرورة الحملة الصليبية المسماة « خطة القرن أو السلام»، دفعا للخطيئة الأزلية التي يحملها الغرب الأوروبي ويحاول من خلالها تنظيف نفسه من عار « الهولوكوست» الذي ارتكبه ثم جعل من أرض فلسطين وشعبها قربانا لنيل الغفران. ليصبح «الهولوكوست» الغربي أداة تسويغ لتطهير عنصري، ممنهج، ضد السكان الأصليين فيما يريدون تحويله إلى «مستوطنة إسرائيل». المستوطنة العنصرية حيث « الكل متساوون إلا أن البعض أكثر مساواة من غيرهم» كما يذكر الكاتب الإنجليزي جورج اورويل في روايته الشهيرة «مزرعة الحيوانات».
بالنسبة إلى صورة السلطان. كلنا يعرف أهمية الصورة وكيف أنها، تتجاوز، أحيانا، الخطب والتحليلات، وتختزل في لقطة واحدة، قد لا تستغرق عشر الثانية، آلاف الكلمات وحقبا زمنية كاملة. فجيفارا، بصوره، لايزال حيا بيننا، والطفلة الفيتنامية الراكضة عارية بجسدها المحروق بنابالم طائرات القصف الأمريكي، لاتزال تركض باكية ألمها في أفغانستان والعراق. وصور التعذيب في « أبو غريب» أعادت إلى الأذهان ممارسات المحتل الفرنسي في الجزائر. وأسقطت صور أطفال وشباب الانتفاضات الفلسطينية، وهم يواجهون الدبابات بحجارتهم، وبطائرات الورق، أسطورة التفوق الصهيوني. ولكن، ليست كل الصور المحفورة بالأذهان تنطق بمعاناة الناس أو تخلد فعلا شجاعا ونبيلا. فبعض الصور تسبب عكس ذلك، لذلك تحتاج صورة زيارة رئيس وزراء « مستوطنة إسرائيل»، إلى مسقط، يوم 25 تشرين الثاني/ أكتوبر، وبرفقته رئيس الموساد، قراءة خاصة تتجاوز كونها حدثا عابرا أو مجرد لقطة بروتوكول رسمي. أشير، بشكل خاص، إلى صورة السلطان واقفا مع نتنياهو إزاء خارطة مضيئة إلا أنها، وهنا المفارقة، التقطت من زاوية غيبت معالمها.

تبقى دلالة الصورة الأولى والأخيرة بالنسبة إلى عموم الناس في البلدان العربية والإسلامية هي السقوط الأخلاقي الجامع بين الرجلين مهما كانت التبريرات المصاحبة لعقد اللقاءات

يظهر في الصورة، الملتقطة يوم 25 تشرين الأول/اكتوبر، إذن، رجلان: أحدهما، أي السلطان، وهو الأقرب إلى عدسة الكاميرا، عجوز، ضئيل، بحاجة إلى من يسنده، يرتدي زيا وطنيا بلون غامق. استدارة وجهه نحو يمينه تزيد من ظلمة وجهه. يتكأ بيده اليسرى على طاولة أمامه، بينما يحمل باليد الأخرى عصا رفيعة، طويلة، نهايتها حمراء. اللافت للنظر أن يده تشبه جزءا من هيكل عظمي. يؤشر بالعصا على موقع في خريطة، تحتل مركز الصورة، إلا أننا لا نتمكن من رؤية تفاصيلها. يقف بجانبه رجل أصغر سنا، ممتلئ الجسد، يرتدي بدلة غربية حديثة فاتحة اللون. يضع يده اليسرى على الطاولة بقوة، ليس استنادا بل استحواذا، بينما يؤشر بيده اليمنى على مكان ما في الخريطة. يبدو نتنياهو بكامل الصحة والسيطرة على حركة جسده بالمقارنة مع الرجل الضئيل بجانبه. ملامح وجه نتنياهو واضحة وهو يبدي اهتماما فائقا بالموقع الذي يشير إليه السلطان بعصاه على الخريطة. الرجلان وحيدان تماما في عزلة مطلقة إلا من الخريطة ووجود رف من الكتب، في زاوية بعيدة من الصورة. نفهم من نظرات الرجلين أن الخريطة مهمة جدا ويبدو وكأنهما يتبادلان الحديث عنها. هل هي لحظة اقتسام الخليج العربي؟ ترى هل منح السلطان « ضيفه» ما لا يملكه ليزيد من التوسع الاستيطاني الصهيوني اليومي على حساب الأراضي الفلسطينية، في لحظة تماهى فيها الخنوع، وهو سمة يتمتع بها الحكام العرب بامتياز، مع هلعهم من أن يصبحوا أيتاما أمام شعوبهم؟ وإلا لم الخلوة؟ أين زوجة نتنياهو ورئيس الموساد، ورئيس هيئة الأمن القومي ومدير عام الخارجية يوفال روتيم، ورئيس ديوان رئيس الوزراء يؤاف هوروفيتس، والسكرتير العسكري لرئيس الوزراء العميد أفي بلوت؟
من الذي التقط هذه الصورة المهينة عمدا حيث تم تقديم السلطان بشكل قلما يراه الآخرون؟ إنها، إذا استعرنا مقولة سوزان سونتاج عن التصوير «جريمة قتل ناعمة ومناسبة لوقت محزن وخائف». أشك أن يكون المصور عمانيا أو لعله عمانيا يعرف جيدا ما يفعله. يعرف أن « الصورة مشهد تمت إعادة انتاجه أو إنشائه»، كما يقول المفكر البريطاني جون بيرغر، مما يعني أن صورة السلطان ونتنياهو لا تزيد عن كونها إعادة تشكيل للقاءات طالما تكررت سابقا، سواء من قبل السلطان أو بقية الحكام العرب، وكل ما في الأمر الآن أن اللقاءات لم تعد سرية. لم تعد تمارس كالموبقات في الخفاء. إنه فعل تطبيع علني (وهو نعت في غاية التهذيب).
الصورة، كما هو معروف، رأي. فمن هو كاتب الرأي في الصورة؟ ولمن تم توجيهها؟ إنها موجهة، إلى الجمهور الغربي والعربي ـ الإسلامي معا. فوجود السلطان العجوز ببشرته الداكنة، وزيه الوطني الغامق، وضعفه الجسدي مقابل نتنياهو ببشرته البيضاء وبدلته الغربية وفضوله المركز على الخريطة (ونحن نعرف المغزى العميق للخريطة) هو تشكيل هوليوودي جاهز، يجمع بين رجل القرون الوسطى الموشك على التهاوي إزاء رجل أبيض (هكذا يقدم المستوطن نفسه) يرتدي بدلة الغرب «الحداثية».
بالمقابل، تبقى دلالة الصورة الأولى والأخيرة، بالنسبة إلى عموم الناس في البلدان العربية والإسلامية، هي السقوط الأخلاقي الجامع بين الرجلين، مهما كانت التبريرات المصاحبة لعقد اللقاءات. إنه سقوط أخلاقي يقف بمواجهته، تحديا، شباب المقاومة الفلسطينية ومساندوهم في حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (البي دي أس) في أرجاء العالم.

كاتبة من العراق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*