صوت العقل والتعددية


مكرم رباح – محاضر في كلية التاريخ في الجامعة الأميركية في بيروت

     27 أيلول 2018 | 00:00

من أرشيف الجامعة الأميركية في بيروت – 1944.

يمتاز لبنان عن غيره من الدول العربية كون تـأسيس الجامعة الأميركية في بيروت سبق سائر الجامعات في المنطقة بمئة عام على الأقل. هذا ما يؤكده رئيس الوزراء الأردني الراحل سليمان النابلسي، قائلاً إنّ موقع بيروت على حوض المتوسط سهّل التواصل والتبادل الثقافي والحضاري مع سائر المعمورة.

ملاحظة النابلسي، المتخرج من الجامعة الأميركية سنة 1933، قد تبدو للبعض ضرباً من ضروب المبالغة، كون تلك الجامعة البالغة من العمر 151 عاماً هي للطبقة الميسورة حصراً، وتأثيرها في العالم العربي لم يتحوّل حركة مستدامة قادرة على الانتقال بالمجتمعات العربية من طور المجتمع البدائي إلى الدولة المدنية. في الواقع، إنّ جيل النابلسي من أمثال أحمد الخطيب (الكويت) وفارس الخوري، وغيرهم من آلاف متخرجي الجامعة الأميركية، أصبحوا دعاة للتعددية والمقاومة الثقافية في وجه حركات سياسية قومية يسارية ويمينية تسعى إلى تكبيل العقول تحت ذريعة تحرير الأرض.

عادة ما تُصنَّف المؤسسات التعليمية وفق قدرتها على نشر العلم والمعرفة داخل قاعات المحاضرات والمختبرات التطبيقية، ولكن في حرم الجامعة الأميركية في بيروت يختلف الأمر. فإلى ذلك كله، تضاف القدرة على فتح المجال أمام الطلاب للتمرّس السياسي والنقابي وتأسيس حركات وأحزاب شاركت بشكل فعال في بناء مجتمعاتهم وهدمها. ففي حين تسعى الدول المجاورة إلى استنساخ الجامعة الأميركية عبر استقدام المناهج والمعدات وحتى الخبرات البشرية من الغرب، فشلت في خلق بيئة مشابهة وجسم طالبي متعدد طبقياً وفكرياً ودينياً. والسبب يعود إما لعدم توافر تلك المقومات أو بسبب خوف الدولة المستضيفة من تبعات هذه الخطوة التي قد تولد حراكاً قد يطيح النظام الحاكم.

التعددية كلمة يتفوّه بها الكثيرون ويتغنّى بها الساسة و”عاشقو الكراسي”، في حين أن ممارسة هذا المبدأ ليس بالأمر السهل كونه يتضمّن احترام الآخر، ليس فقط بالقول بل أيضا “بالفعل”، عبر خلق أنظمة ومؤسسات قادرة على حماية حقوق الأفراد وليس الجماعات كما جرت العادة. حينها فقط يصبح الفرد قادراً على الإبداع وتقديم سردية خاصة به تنضمّ إلى سرديات متعدّدة ناسفة للنزعة والهوس الطامح إلى الوحدة القمعية على حساب الفرد والحريات العامة.

دور الجامعة الأميركية في المرحلة المقبلة ليس بجديد، لكنّ التحدّي الذي يواجهها أعظم وأدقّ في خضمّ شرق أوسط وعالم يشهد التعصب “الداعشي” بشكليه الشرقي والغربي، المُسيطر على عقول البعض الذين يعون بدورهم أنّ واحات فكرية كالجامعة الأميركية قادرة على هزيمتهم ومنعهم من التحكّم بمجتمعاتهم أو تقويضها.

لذا فإن السبيل الوحيد لمنع “دعشنة” مجتمعاتنا العربية هو السماح لثقافة التسامح والتعدّد، التي رفعت رايتها الجامعة الأميركية في بيروت وخريجوها، أن تصبح نهجاً للنهوض بدولنا من المستنقع، ليتحوّل الشعار الخشبي “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” إلى “لا صوت يعلو فوق صوت العقل والتعدّدية”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*