صناعة النفط في لبنان * (1): تنازلات على حساب الدولة

 

نسبة الإتاوة غالباً ما تكون مصاحبة لتقسيم الكتل (أ ف ب)
دانيال ملحم
الأخبار
09092017

حاز القطاع البترولي اهتماماً مّركزاً، تُرجمَ أخيراً بإصدار مراسيم طال انتظارها، ما يبعث الأمل بحصول تقدم جدي في هذا القطاع. من المعلوم أن بناء صناعة بترولية قوية ومنافسة يتطلب حشد الجهود المتخصصة والمعنية في القطاعين العام والخاص لمواجهة التحديات، ووضع الأطر المناسبة للحل، بما يضمن نجاحها واستمرارها وازدهارها والنهوض الاقتصادي على مستوى البلاد.

إن وضع رؤية استراتيجية علمية، مواكبة للخطوات التشريعية والإجرائية، خطوة في الطريق الصحيح لقيام صناعة بترولية ناجحة تضمن التوازن بين العائد المحصّل والاقتصاد العام والمحافظة على الحوافز المناسبة لجذب المستثمرين. من القضايا الهيكلية في الصناعة البترولية: شكل النظام العام، المراسيم التطبيقية، القوانين والاتفاقيات، النظام الضريبي، الشركة الوطنية، الصندوق السيادي… وغيرها من القضايا المهمة، التي تُعَدّ ركيزة مستقبل هذه الصناعة، والتي لا بد من التطرق إليها بعناية علمية خشية من الهفوات والعفوية في التعاطي مع قطاع يعوَّل عليه للسنوات المقبلة. من هنا، وانسجاماً مع سياسة «المركز اللبناني للطاقة والابتكار» (إل أو إي سي)، كان لا بد من تسليط الضوء على القضايا المحورية في ملف الصناعة البترولية في لبنان، وذلك من خلال ورش عمل علمية، تقودها فرق من الباحثين والخبراء والمتخصصين في المجالات ذات الشأن العلمي، لوضع الملاحظات والاقتراحات ورسم السيناريوهات التفضيلية، على أن تستكمل لاحقاً بدراسات علمية معمقة واقتراحات تحسينية. الهدف هو تحليل الوضع القائم واقتراح توصيات ترتكز على دراسات ونتائج علمية بحتة، تُسهم في رسم السياسات، وتسهل اتخاذ القرارات الملائمة، بما يضمن الشفافية والمنافسة في ظروف محلية وإقليمية معقدة. هذه الدراسة هي محاولة لإلقاء الضوء على بعض الثُّغَر والهفوات، وإزالة الغموض عن بعض النقاط في المراسيم والنظام الضريبي لاستدراكها وتعديلها إذا أمكن قبل فوات الأوان، وخاصة أن النظام الضريبي لا يزال في أدراج المجلس النيابي وفِي أيدي اللجان

محاذير وهواجس حول الصندوق السيادي

لحظت المادة 3 من قانون الموارد البترولية في المياه البحرية صندوقاً سيادياً لإيداع الدولة عائدات الأنشطة والحقوق البترولية فيه، وذلك بهدف استثمارها لا استهلاكها.
يُعد إنشاء الصندوق السيادي من ثوابت نظام الإدارة المالية الرشيدة والمتكاملة للثروة البترولية، لكنه يثير تساؤلات عديدة تطاول البنية التنظيمية، أهدافه الطويلة والقصيرة الأمد، مرجعيته الإدارية وشخصيته المعنوية، فضلاً عن علاقته بالموازنة والسياسات الاقتصادية والمالية للدولة عموماً.
من المعلوم أن الصندوق السيادي هو صندوق عام، خاضع لسلطة المصرف المركزي، ينظر إليه كمحفظة تتقسم إلى فئات عدّة، منها: سيادية، استثمارية، للتثبيت، للتنمية، ادخارية للأجيال القادمة، للمعاشات الاحتياطية، ولدعم الاقتصاد، كالاستثمار في منظومة اقتصادية جديدة تحفّز النمو وتؤمن فرص عمل على المدى الطويل.
عادة ما يموّل هذا الصندوق من عائدات النفط المباشرة (الإتاوات وأرباح النفط)، ومن أرباح عائدات النفط الاستثمارية، أو من طريق عائدات غير مباشرة، كالضرائب على الأفراد والشركات، إذ إن الاستثمار في البنى التحتية أو في قطاعات التكنولوجيا أو الطاقة البديلة، على سبيل المثال لا الحصر، يؤدي إلى خلق فرص عمل وتحسين مستوى الدخل عند الأفراد. بالإضافة إلى أن توجيه الغاز للاستهلاك الداخلي يؤدي إلى انخفاض تكاليف الطاقة على الأفراد وعلى الشركات فيخفض تكاليف الإنتاج ويحفز التنافسية. عندها يمكن فرض ضرائب استثنائية على الدخل (أفراداً وشركات)، وضرائب البيئة على استهلاك الطاقة (أفراداً وشركات). هذه الضرائب يمكن اقتطاعها لتمويل الصندوق واستثمارات القطاع على الأجل الطويل. علماً أن توجيه الإنتاج إلى السوق الداخلي يقلل الاعتماد على الطاقة المستوردة، ما يحدّ من خروج النقد الأجنبي وتحسين وضع الميزان التجاري (خفض العجز).
ثمّة محاذير وهواجس تطرح نفسها حول الصندوق، وخاصة أن تجربة لبنان قصيرة في هذا المجال، أهمها:
1- الهاجس المتعلق بالضوابط على نسب توظيف أموال الصندوق، أي تحديداً سقوف التوظيف في كل فئة من الأصول الماليّة. فمثلاً، إن توظيف جزء كبير من موجودات الصندوق في عمليّات شراء سندات الخزينة اللبنانية سيعني حكماً تسرّب العوائد النفطيّة إلى صناديق الخزينة العامة مجدّداً، لكن من بوّابة الاستدانة. هذا الأمر يؤدّي إلى تضخيم حجم الدين من خلال إصدار سندات الدين السيادي التي ستحملها وتتداولها محفظة الصندوق السيادي، ما قد يؤدي إلى خسارتها كلياً، في حال إعادة جدولة الديون وفي حال انخفاض أسعار الفائدة، ويؤدي بالتالي إلى انخفاض ربحية السندات لحاملها (القطاع المصرفي)، ويضع المصارف أمام فرصة استرجاع أموالها عبر بيع الدين إلى الدولة.
يبقى الخطر الأسوأ هو التخلف عن السداد، فتستخدم الدولة أموال هذا الصندوق لتغطية خدمة الدين. والأكثر سوءاً أن يكون هناك دور مؤثر للقطاع المصرفي في رسم سياسة الصندوق، فيلجأ، بالتعاون مع المصرف المركزي وضمن هندسة مالية جديدة، إلى شراء دين القطاع الخاص وتحويله إلى دين عام، وبالتالي تتبخر الآمال والأموال.
من الأخطاء الشائعة، أن يُحوَّل جزء من أموال الصندوق لشراء الدين (سمعنا أخيراً رغبة في خفض الدين إلى ٦٠٪‏ من مجمل الناتج المحلي). فخدمة الدين يمكن تمويلها من الأرباح الاستثمارية للصندوق، وليس من رأسمال صندوق نفسه، لأنه لا يكفي. هذه الخطوة تكون بمثابة خطوة لاحقة لمرحلة ما بعد جدولة الديون وإعادة هيكلة أسعار الفائدة نزولاً، استناداً إلى عوامل الثقة وتحسين التصنيف الائتماني نتيجة انخفاض المخاطر وتأمين التدفقات النقدية على الأجل الطويل بالعملة الأجنبية.
يُعَدّ صندوق النرويج السيادي الأكبر والأشهر في العالم. ناهزت موجوداته نحو 885 مليار دولار، وهو معروف بإدارة رشيدة يُضرب بها المثل في هذا المجال. ففي عام 1998، حُدِّدَت نسبة ٦٤% من إجمالي توظيف هذا الصندوق كحد أقصى للاستثمار في سوق الأسهم الدولية، بينما حُدِّدَت نسبة ٢،٥% منه في عام 2017 للتوظيف في السوق العقارية، أمّا 33% الباقية من الموجودات فمخصّصة للاستثمارات ذات العائدات الثابتة، أي المحكومة بضوابط، فتتوزّع بين 70% كسندات حكوميّة و30% للقطاع الخاص. والنتيجة محفظة سندات حكوميّة لا تتخطّى 24% من مجمل موجودات الصندوق.
عند وضع استراتيجية استثمارية متعددة لأي صندوق استثماري، يجب عدم التفاؤل بتحقيق معدلات كبيرة من الأرباح، نظراً إلى الظروف المحيطة بالاستثمار العالمي الحالي. إذ إن صناديق التحوط العالمية المستثمرة في الأسهم والسندات لا تحقق المرجو منها كأرباح لعدة اعتبارات، منها ما يتعلق بالنسب السالبة للفوائد على سندات الخزينة السيادية العالمية، ما يضعف العائد الثابت خارج المخاطر، فضلاً عن رزوح الشركات المتعددة الجنسيات تحت ديون هائلة، ما يصعب عليها القيام بعمليات استثمارية جديد لزيادة أرباحها التشغيلية، ويؤدي إلى ضعف العائد على أسهم هذه الشركات. أما ما يتعلق بالاستثمار في أسهم الشركات المتوسطة والصغيرة الحجم، فهو مجدٍ لأنه يحقق أرباحاً كبيرة نظراً إلى النمو المفرط لهذا النوع من الشركات، ولا سيما في مجال التكنولوجيا، ولكن هذا الاستثمار سيعاني من مشاكل جمة، كالضعف في السيولة النقدية، وضعف القدرة الاستيعابية لهذه الشركات على امتصاص استثمارات كبيرة الحجم. لذلك، تبقى السوق المحلية فرصة استثمارية صافية متاحة أمام الصندوق لخلق منظومة اقتصادية جديدة ودعمها وتطويرها، فيحقق أرباحاً مضاعفة.
2- الهاجس المتعلق بمستوى الشفافيّة في مداولات وقرارات الصندوق السيادي.

لا يستطيع المراقب توقّع مستوى الشفافيّة الذي سيمارسه مصرف لبنان تحديداً في إدارته الصندوق. فكثير من الخطوات التي يقوم بها المصرف تبقى طيّ الكتمان بآليّاتها ونتائجها، كذلك تظل محل تساؤل لدى المراقبين لجهة الأسباب والنتائج الفعليّة والخيارات البديلة. وهي سمة من سمات السياسة النقديّة في لبنان. لذا، يجب أن يتكامل الهيكل الإداري الداخلي مع النموذج الرقابي المفروض على الصندوق. فيدير عمليات الصندوق مجلس إدارة، تحت إشراف مجلس تنفيذي يحدد مهمات صلاحيّات مجلس الإدارة وحدودها، ويضع المبادئ المحدّدة لكيفيّة إدارة المخاطر. أمّا مجمل هذه العمليّات، فيجب ان تكون خاضعة بنحو دقيق لمراقبة مجلس رقابة ينتخبه البرلمان، ويتولّى التدقيق والتصديق على الميزانيّات والتأكّد من مطابقة الأنشطة للقوانين والأنظمة. ويملك الصندوق مجلساً استشارياً خاصاً لتطوير مستوى استثمارات الصندوق.
كثيرة هي الدراسات والتحليلات التي تناولت النقاط السابق ذكرها، ولكن لا يجري غالباً الأخذ في الحسبان حجم الصندوق وكمية التدفقات النقدية إليه وآليتها. فمثلاً، إن حجم الصناديق الاستثمارية (النرويج، أبوظبي، قطر، السعودية، روسيا…) في العالم ستتجاوز بحلول العقد المقبل ١٤ تريليون دولار (حجم صندوقي الطليعة النرويج وأبوظبي يوازيان ٢,٥ تريليون دولار). هذه المبالغ الهائلة قادرة على تحقيق الأهداف المنوط بها، مستفيدة من عوامل سابقة واتجاهات اقتصادية إيجابية عالمية (زيادة الطلب) وطفرة أسعار النفط ومن احتياطات نفطية هائلة (خلال فترة ٢٠٠٠ إلى ٢٠٠٨). ولكن هذه الظروف تغيرت بعد أزمة ٢٠٠٨، فنمو التجارة العالمية يوازي صفراً، وانغلاق اقتصاديات كبيرة كالولايات المتحدة والصين، ما أدى إلى ضعف الطلب العالمي على النفط، وظهور الغاز الصخري المنافس، والتوجه العالمي نحو المزيد من الاعتماد على الطاقة البديلة… هذه العوامل الضاغطة أثرت بأداء الأسعار في بيئة هابطة، ومن المتوقع أن تستمر لعقود. هذا بالإضافة إلى أن الحجم المتوقع اكتشافه في لبنان لا يقارن بالاحتياطيات النفطية للدول السالفة الذكر. هذه العوامل تؤدي مع الوقت إلى خسارة عائد الندرة الذي يتيح استمرار ارتفاع الطلب وكذلك الأسعار، وبالتالي يجب أخذ ذلك في الحسبان عند التفكير في تكوين الصندوق السيادي.
ولكن في عملية حسابية بسيطة، إن أرباح الغاز من الاحتياطي المتوقع في المنطقة الاقتصادية اللبنانية (25 تي سي إف) لا يتعدى ٥٠ مليار دولار في أحسن الأحوال. إن التدفق المالي المباشر المتفائل هو مليارا دولار سنوياً، أي ما يعادل ٤٪‏ من ال “بي أي بي” اللبناني. لكن هذه التقديرات خاضعة لغموض الأسعار والأحجام.
إن الأرقام المقدرة تبقى ضعيفة نسبياً مقارنة بـ 7.4 مليارات دولار كتدفقات نقدية من المغتربين، أي ما يعادل ١٥٪‏ من ال “بي أي بي” . هذه الارقام لا ترقى إلى مستوى المقارنة مع الصناديق العالمية، وهي لا تستطيع النهوض بصندوق استثماري متعدد الأهداف.
إن عائدات النفط بتقديرها الحالي لن تشكل تحولاً رئيسياً للوضع الاقتصادي ووضع المالية العامة في لبنان. ففي غياب النمو الاقتصادي، والعجز في المالية العامة (١٠٪‏ سنوياً) والحساب الجاري، وزيادة الإنفاق، والديون المتعاظمة (٨٠ مليار دولار) وخدمة الدين المرتفعة… لن تمثل العائدات ترياقاً في غياب إصلاحات هيكلية وإصلاحات للمالية العامة. لذلك من الأجدى أن ينشأ صندوق استثماري تُحوَّل عائداته للتحفيز والاستثمار في الاقتصاد الوطني، وخاصة في القطاعات البتروكيماوية، الطاقة البديلة والتكنولوجيا لخلق نظام اقتصادي معرفي ينتج فرص العمل ويحسن مستوى دخل الأفراد ويضمن تدفق النقد الأجنبي المستدام (خطة موازية لضمان التدفقات النقدية من المغتربين). هذه السياسة الاستثمارية يجب أن تكون مصحوبة بخطة اقتصادية ومالية واضحة وشفافة ومصحوبة بإصلاحات هيكلية تضمن الاستدامة المالية العامة والإنصاف بين الأجيال. كل ذلك مع مراعاة السياسة النقدية المتبعة خشية من إحداث صدمة قوية تؤثر في الاقتصاد العام نتيجة الخروج الهائل للنقد الأجنبي.

* جزء من دراسة تحليلية في الصندوق السيادي والنظام الضريبي
** مدير وحدة الأبحاث والدراسات في المركز اللبناني للطاقة والابتكار، باريس – فرنسا

استرداد التكاليف: المشرّع لا يمتلك المعلومات الكافية

حدد المشرّع اللبناني سقف التكاليف القابلة للاسترداد بنسبة ٦٥٪‏ (تُحدَّد النسبة بالمزايدة)، وهى نسبة مرتفعة جداً مقارنة بالمتوسط العالمي الذي يراوح بين ٤٤٪‏ و٥٥٪‏، ومتوسط التكلفة في عقود الامتياز بين ٥٠٪‏ و٥٢%، وفِي النظام التعاقدي يبلغ متوسط التكاليف بين ٥٠% و٥٥٪‏ . تتكون هذه التكاليف من تكاليف رأسمالية وتكاليف تشغيلية (٣٨،٣٪‏ هي كلفة لحقل تمار المشابه بطبيعته جيولوجيا الحقول المكتشفة في لبنان حسب تقرير نوبل إنرجي لعام ٢٠١٦)، والباقي هو استردادات من خسائر سنوات سابقة واستهلاكات، تدريب وغيرها… بمعدل سقفه ٢٦،٧٪.
التساؤل الأول المبرر هنا عن الفارق بين سقف التكاليف الذي حدده المشرّع ومتوسط التكليف المتعارف عليه في العقود العالمية. ما هي الأسس التي حُدِّدَت على أساسها هذه النسبة؟ أضف أن التكاليف العامة لبرميل النفط أو وحدة الغاز الطبيعي معلومة في المجمل، وتُقدَّر بنحو ٣٨٪ ‏أو ما يزيد بقليل (مع معدل خطأ ٤٪‏، على أساس السعر ٢،٤٢$ للغاز و٤٢$ للنفط‏). هنا يبرز نوع من الغموض حول الفارق الكبير بين التكاليف التشغيلية والرأسمالية وسقف التكاليف القابلة للاسترداد (٦٥٪‏)، الذي يُقدَّر بنحو ٢٦،٧٪‏. أشير إلى أننا نجد هناك دولاً قليلة تحدّد سقف التكلفة بين ٦٥٪‏ و٧٠٪‏، ولكن في المقابل تحصل على نسبة لا تقل عن ٧٥٪‏ من ربح البترول (الفيليبين)، بينما يحصل لبنان على نسبة ٣٥٪‏ (حسب محاكاة وزارة المال).

على الرغم من أن نظام المزايدة مهم لضمان بعض الشفافية والمنافسة في الإجراءات تجاه المستثمرين، إلا أن عدم تعريف المعايير والقواعد، أو تعريفها بشكل عام، يؤدي إلى إضعاف الكفاءة التخصصية والإيرادات المُحتملة. في نظام المزايدات، وقبل البدء في الإجراءات، يجب وضع قواعد ومعايير واضحة ومحددة لضمان الشفافية ولتشجيع المنافسة من خلال عملية عادلة، تكون ذات تفسيرات موحدة لا يشوبها الغموض والغبن، ولا تتضمن ثُغَراً تتيح للمستثمر الدخول من بعض نوافذ القوانين، والحماية من الفساد.
يكتسب نظام المزايدة أهمية جدية، خاصة في المناطق غير المستكشفة أو الحدودية، حيث تكون المعلومات نادرة، وقد لا تكون الحكومة واثقة بدرجة معقولة من دقة تقديرها للقيم المكتشفة. يبرز هذا النظام كقيمة إضافية خاصة بعد الحصول على المعلومات اللازمة عن المورد التجاري. ولكن في ظل غياب المعلومات التقنية عن المورد، يمكن عدم اليقين الجيولوجي مثلاً أن يشكل حاجزاً أمام العروض الكبيرة المُحتملة للاستثمار. وغياب القواعد الواضحة والشفافة في إجراءات المزايدة، وترك المعايير مفتوحة، من شأنه خلق نوع من الالتباس والغموض له عواقب على موارد الدولة. كان لا بد للدولة اللبنانية إخضاع كتلة واحدة خلال دورة التراخيص الأولى، وبناءً عليها، تضع الدولة التصور المناسب من قواعد ومعايير مغلقة مع سيناريوهات بما يخدم مصالحها العامة.
هكذا، وبناءً على ما تقدم، ومن خلال قراءتنا المعمَّقة لنموذج استرداد التكاليف عند سقف ٦٥٪‏، يظهر أن القواعد والإجراءات المقترحة يشوبها الكثير من العموميات في تقدير النسب البعيدة عن الأسس العلمية المثبتة للشفافية وقواعد المنافسة. يبدو أن المشرّع يفتقر إلى الأدوات الخاصة لتقييم حدود الكفاءة للمعايير المقترحة . أضف أن المشرّع لا يمتلك المعلومات الكافية والدقيقة عن التكاليف والأرباح المتوقعة. لذلك، إن الخبرة المحدودة للدولة في مجال النفط والغاز، وضعف الكفاءة الإدارية والرقابية، والإهمال في تقييم القواعد والإجراءات، تؤدي بالمستثمر إلى إخفاء المعلومات الخاصة به عن الجهات المختصة المسؤولة في قطاع النفط والغاز، الأمر الذي يؤدي بالنهاية إلى خسارة الكثير من خلال الشروط المالية المفروضة على الدولة .

الإتاوة: لبنان في أسفل المتوسط العالمي

يبقى الخطر الأسوأ هو أن تستخدم الدولة أموال هذا الصندوق لتغطية خدمة الدين (أ ف ب)

تستحق الإتاوة، وفق المادة ٢٢ من  “أو بي آ”، بمعدل ثابت ٤٪‏ على الغاز الطبيعي، ومعدل متغير على النفط يراوح بين ٥٪‏ و١٢٪‏ تُحسَب على شرائح الإنتاج اليومي. إن النسبة المحددة هي ثابتة زمنياً ومتوازية على الكتل العشرة. عند احتساب المتوسط المطلق، نجد أن لبنان يترنّح في أسفل المتوسط العالمي الذي يراوح بين ٨٪‏ و١٢٪‏. هذه النسبة ٨،٥٪‏ أقل بكثير من نسبة الإتاوة المحسوبة في إسرائيل ١٢،٥٪‏، مع أن هناك خصائص جيولوجية وإنتاجية متشابهة لكلتا الدولتين. علماً أن نسبة ٨،٥٪‏ هي نسبة متفائلة في المتوسط العام، لأنّ كمية الإنتاج ــ كما نعلم ــ تعتمد على نسبة الاستخراج (وهي لا تزال مجهولة إلى الآن) ، معتمدةً بدورها على خصائص الكمية، نوعية النفط، حاجته إلى ضخ الغاز أو سائل آخر لاستخراجه والتكاليف. إن نسبة الاستخراج غالباً ما تكون مرتفعة في السنوات الأولى وتنخفض مع الوقت، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض الإنتاج وإلاتاوة. لذلك، إن معدل ٨،٥٪‏ كمتوسط عام هو رقم فوق التقييم ، ومن المتوقع أن يكون في معدل بين ٧٪‏ و٧،٥٪‏ في أحسن تقدير.
حدد المشرّع اللبناني إتاوة منخفضة نسبياً، معتمداً في تقييمه على عوامل الجيولوجيا (التعقيدات الجيولوجية وتكاليف الاستخراج) وشرائح الإنتاج، ونسبة الاستخراج، بهدف جذب المستثمرين من طريق طرح فرص استثمارية جذّابة. ولكن ما لم نعلمه إلى الان: ما هو المعيار الذي اعتمد لتحديد وحدة الأساس  المحتسبة عند ٥٪‏ على النفط، وعند ٤٪‏ على الغاز الطبيعي؟

في المبدأ، إن نسبة الإتاوة غالباً ما تكون مصاحبة لتقسيم الكتل، لأنها تتحدد وفق خصائص ومعايير خاصة بكل بلوك. نرى أن المشرّع اللبناني قسّم الكتل، مراعياً الخطر الجيولوجي، من طريق عرض كتل كبيرة تعويضاً للمستثمرين، ودائماً مع إتاوة ثابتة. وكأن المشرّع اعتبر أن العاملين منفصلان وتقسيمهما يجعلهما فُرادى. فكان يجب على المشرّع استخدام الإتاوة كمحفّز للاستثمار، وخاصة على الكتل الحدودية ذات المخاطر الجيوسياسية المرتفعة. فلماذا يدفع المستثمر إتاوة ثابتة على كتلتين، ٢ و٨ مثلاً، لا تملكان الخصائص نفسها؟ إن التوزيع الحالي للكتل لا يراعي هذا المبدأ المهم، الأمر الذي أدى إلى توزيع غير عادل لمعدل الربح/المخاطر، والذي سينعكس سلباً على المنافسة والاستثمار.
في الواقع، إن المشرّع أهمل معايير مهمة عند تحديده الإتاوة، منها ما يتعلق بالمخاطر الحقيقية للاستثمار، بالإضافة إلى عوامل كان يجب أن تُؤخذ في الحسبان، مثل الكمية المتوقعة، الفرصة أو الفرص الاستثمارية في كل بلوك، المخاطر البيئية، محيط الموقع الاستثماري وصعوباته الجغرافية، النقص في الخدمات العامة والبنى التحتية، مستوى المنافسة، مدة الترخيص، والخطر الجيوسياسي… ومن ثم تحديد إتاوة متغيرة تتأقلم مع خصائص كل كتلة على حدة. هذه العوامل هي الضمان لعدالة التوزيع وتحديد أفضل علاقة ربح/خطر لكلٍّ من الطرفين: الدولة والقطاع الخاص، فضلاً عن احترام مبدأ الشفافية القائم على الوضوح في احتساب المعايير والقيم (الإتاوة) خشية من الغبن الذي قد يلحق بالمستثمر. إن الشعور بالغبن يؤدي مع الوقت إلى اتباعه أساليب غير قانونية بهدف التعويض وزيادة الربحية، فيؤثر بطبيعة الحال في عوائد الدولة، نظراً إلى غياب الرقابة والتدقيق.
بالاعتماد على المعايير المقترحة، ودائماً في ظل غياب المعلومات عن الكمية المحتملة، قُسِّمَت المنطقة الاقتصادية إلى أربعة أقسام مختلفة الخصائص والإتاوات آ و بي سي و دي . الهدف هو ضمان التوزيع العادل للإتاوة ولمعدلات الربح/ الخطر، وتحقيقاً لمبدأ الشفافية من طريق الاعتماد على البحث العلمي. إن الدراسة اعتمدت على نسبة استخراج يومي للنفط معدل 3٪‏ ومعدل ٤٠٠ إم سي إف للغاز الطبيعي. إن تصنيف الكتل ضمن أربعة أقسام يراعي مبدأ توزيع الخطر من الأقل A (إتاوة عالية) إلى الأكثر خطورة دي (إتاوة منخفضة). صُنِّفَت المخاطر على مستوى متزن يراوح من ١ إلى ٥ ، مع الأخذ بالاعتبار العوامل الآتية: الجيولوجيا، الخطر الجيوسياسي، الخدمات العامة والبنى التحتية، الكمية وفرص الاستثمار .


لماذا الإعفاء من ضريبة الأملاك المبنية؟

نص مشروع القانون الضريبي على إعفاء الإنشاءات والتركيبات والمركبات المستخدمة للقيام بالأنشطة البترولية من ضريبة الأملاك المبنية، على أن تبقى ملكاً للدولة عند انتهاء الأشغال وبعد استرداد كلفتها.
نتساءل بما أن التكاليف كافة مستردة على شكل استهلاكات، فلماذا الإعفاء من الضريبة؟ هذا بالإضافة إلى أن عادةً ما تحتوي بعض التركيبات والمنشآت على مواد ملوثة بيئياً، والتخلص من هذه المواد يكلف ثمناً باهظاً. فلماذا تستردّ الدولة هذه المنشآت، فتتكلف أثماناً للتخلص من الملوثات، مع أنها تدفع مسبقاً كلفة اهتلاك المنشآت والتجهيزات. لذلك يجب إضافة فقرة تلزم الشركات بالتخلص من هذه المواد وتسليم المنشآت خالية من هذه المواد، حتى لو اضطر الأمر إلى زيادة الاستهلاكات، لأن الخطر البيئي كبير، والدولة لا تملك الخبرة الكافية في التعاطي مع ملف كهذا، فيدفع المواطن ثمن هذه التلوثات، وترتفع تكاليف الصحة والطبابة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*