صدى الملاعب


سمير عطاالله
النهار
10102018

أمضيت في البحرين أربعة أيام أقارن مع لبنان. طرق أكثر نظافة من طرق سويسرا، أعرض من طرق اميركا، وجسور أسرح من جسور الامبراطورية الرومانية. وليس على طريق، أو شارع، أو رصيف، ورقة، او فراغة، او بنطلون عتيق. ووحده تعالى يعرف كيف وأن يخبئ البحرينيون فضلات البشر وجثث الابقار النافقة.

قبل ان تهم الشمس بالغياب، تضاء البحرين بمبانيها العالية مثل مهرجان من الالوان. وتبقى مضاءة إلى أن يؤذن لفجر اليوم التالي، وقيام الناس إلى نهار جديد، ليس فيه قتل عمد على الطرق، ولا مجرمون يطاردون الشبان المسالمين طعناً ورصاصاً وهمجية، مطمئنين الى انشغال القانون!

وليس في البحرين، التي أرضها في الأساس، غبار ويباب، شجرة إلا من زرع الناس، والآن خضارها من عندها، ومياهها – مياه البحرين – العذبة تُستخرج حتى من قلب البحر. والناس لا تشتُم تأخر سائق الصهريج كلما ارادت الاستحمام في الصيف.

وتبحث الشيخة “مي الخليفة” أميرة الثقافة في هذا البلد الصغير، عن كل بيت قديم فيه شيء من أثر التاريخ، تضمه الى التراث مهما كان بسيطاً. وقد أخبرتها أن أحد وزراء الثقافة في الديار اللبنانية أدار ظهره للتاريخ ولجميع أهل الذوق، وحوَّل مدرسة القانون الرومانية، الى طابق سفلي في وَسَط البلد وقلب الجمهورية.

وقد يقال، لمَ لا، فالبحرين خليج والخليط نفط. وهذا صحيح بقدر القول لبنان قمح. البحرين مثل دبي، مثل عُمان، نقلتها الإرادة والرؤية من المحل إلى الازدهار. وسلطان عُمان بنى لشعبه المساجد موحدة – لا سنة ولا شيعة – وقال لهم من لا يعجبه ذلك فليصلِّ في بيته. والصحيفة التي رفعت الاعلام المذهبية في البحرين أغلقت: لا عبث في أمن الناس وسلامة البشر.

مساحة البحرين نحو 7,3 كيلومترات مربعة. مثلها مثل سنغافورة اكتشفت ان رأسمالها الأهم طاقات البشر، أهلها أو قادمون. ولكي تأتي الناس إليك، سياحاً أو عمالاً أو خلاّقين، لا بد ان تضمن لهم حكم القانون. وهناك فوقه الـ “بونوس”، تواضع أهل البحرين وطيبتهم وذلك الرأسمال الأكبر: الذوق واللياقة والكياسة والأدب.

خلال الأيام الأربعة كنتُ اقرأ جميع صحف البلد وأشاهد نشرة المساء. مثل الفاليوم أو كاسة مياه الورد المانشيت عن تدشين مشروع آخر. الوزارات عن تطور آخر. ونشرة المساء مصافحات وابتسامات. لا هرج. ولا تهريج ولا تلفزيونات تستضيف الذين لا يعنيهم الفرق بين حرية الرأي وحرية الردح.

في زمن آخر كنتُ أسافر من مطار بيروت، “الرابع في العالم”، الى مطار في البحرين بحجم ردهة. أو على الأكثر بحجم ملعب كرة قدم، من النوع الذي يدعو إليه وزير الخارجية كصورة من صور الديبلوماسية اللبنانية في عزّها الباهر ونجاحاتها المدهشة. هذه المرة جئت من مطار تلتحق سمعته بالصيت العام، الى مطار دولي، لا صياح ولا صراخ ولا عارف مع مين عم تحكي.

مطار، مرآة تعكس البلد الذي أنت واصل إليه. قال لي الشيخ محمد بن راشد مرة: “أنا أعرف إلى اي مدى يحب الحاكم شعبه من لحظة نزولي في مطار البلد”. ربما من أجل ذلك، بنى أحد أهم مطارات العالم. تلك هي البلدان العاملة التي لا وقت لديها للثرثرة والوقوف على خاطر المافيات، أو يُقتل شبابها كل يوم على الطرق مثل القطط الخائفة.

وماذا عن الدولة في البحرين؟ لا دولة في البحرين. لن ترى شرطياً إلا إذا ذهبت الى المخفر. لن ترى دركياً يحرر مخالفة، لأن الناس تعلمت ان المخالفة الصغيرة مثل الكبيرة. وإذا كنت زائراً، أو مقيماً، أو سائحاً، فالطبابة مجانية كلها. سألت سيدة لبنانية مضى عليها في المنامة 30 عاماً، إذا كانت تفكر في العودة، فقالت بلهجة بيروتية: حدا بيترك الطمأنينة الى الخوف، والآدمية إلى الزعرنة؟

لا يفرحني كثيراً أن أرى كم أنا خاسر إذا اردت المقارنة بين لبنان والبحرين. انتقيت البحرين الآن فقط لوقوع المناسبة. لكن بمن ترانا نقارن بلدنا اليوم؟ طبعاً ميزتنا الكبرى في التواضع. ودعك من الراحل الكبير سعيد عقل و “لبنان إن حكى”. فالآن قد ظهر النفط على وجه وزير الطاقة ولم يبق لبلوغ النيرفانا والسعادة المطلقة سوى ظهور شيء من الكهرباء، سواء محملة على بواخر تركية أو بواخر أخرى.

من حيث المبدأ، لسنا ضد الصناعة التركية، لكن عند الاختيار بينها وبين الصناعة الالمانية لا بد أن نشعر بالحكة. وعندما لا نعطي زيارة مستشارة المانيا، وخليفة بسمارك، من الاهتمام أكثر مما نعطي أي ضيف عادي، فلا بد ان نتساءل ماذا يحدث عندما تحتاج دولة في مثل وضعنا وحجمنا، إلى دعم دولة مثل المانيا، أو فرنسا، أو حتى الولايات المتحدة التي التقطت لوزير خارجيتها صورة لا تُلتقط في اي مكان: جالساً إلى جانب كرسي فارغ، إلى ان يحين موعد لقائه!

السياسيون في الملاعب يبحثون في معيار واحد هو الحصص، وصولاً إلى النصف وزير، والشباب على أبواب الفراغ، أو الهجرة. والأهالي على وسادات القلق. وكلما قرأوا تصريحاً، خافوا. وما دام الوزير الصبور ملحم رياشي يستعير من عناوين إحسان عبد القدوس، فإن العنوان الذي يختصر حال اللبنانيين جميعا هو “لا أنام”.

ينتظرون أي مبادرة تطمئنهم، فإذا الدولة أول من يشكك في حياتهم: أركانها يُحذّرون من حال الاقتصاد والمال والمؤسسات، ويُطلقون الإشاعات حول النقد، ولا يعتبرون أن ضمانة الوطن تتطلب اكثر من جولة في ملعب.

إلى متى سوف نظل لا نملك شيئاً سوى الترحم على الماضي؟ بين اربعاء وآخر يتصل بي المحامي الكبير جورج زيدان، موضحاً أو معلقاً. وقد جئت الأربعاء الماضي على ذكر النصف ليرة، فاتصل يقول إنه كان علي أن أوضح للأجيال الأصغر سناً، أن النصف ليرة كانت مصكوكة من الفضة، لأن الليرة كانت من أقوى عملات العالم. كانت الاشياء لها قيمتها، والناس لها قيمتها، وكانت، خصوصاً الكلمة، لها قيمتها.

لا يجوز هذا التفاقم في التسخيف لحياتنا. وغير مقبول هذا التفاقم في الشطط في كل شيء. لقد عودونا، شيئاً فشيئاً، أن الخطأ طبيعي، وحتى الجريمة عادية، والفساد الرهيب القاتل شطارة. ولم يبق الكثير من هذا البلد، لكم ولأولادكم. حتى المصير اصبح دعوة على حفلة كرة قدم. أو بالأحرى “فوتبول”. ويفهم المرء أن نخاطب شعبنا العظيم بهذا المنطق، لكن كيف نخاطب الأمم بالطريقة نفسها؟ كيف نقنعها ان الدولة غير القادرة على توزيع كعك السلطة وتمييز حقائب الذهب من حقائب الفراطة، هي التي ستجد الوقت لمواجهة مثل هذا النوع من العدوان الشرير الذي يتربص بنا؟

ليس فقط الديبلوماسية على ملعب “العهد”، بل كل شيء آخر: الاقتصاد، والنقد، والأمن، والبيئة. لقد وصلنا الى نهاية اللعبة  . البطالة 35% بين الشباب. وكل شيء آخر على الحافة. ولنترك الملاعب لمديرية الشباب والرياضة. أما ديبلوماسية المصير، فمكانها قصر بسترس حيث يتم تقليدياً البحث عن الصداقات والحفاظ على الأصدقاء التاريخيين الذين يصدقون مواقفنا دونما حاجة إلى معاينة. العهد ليس ملعباً. العهد مسؤوليته اللبنانيون، ورسالته لبنان. وما عدا ذلك فليس منه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*