صدقي باشا فاوض اليهود على هجرة خمسين ألفا فقط

 

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف جزء جديد من سلسلة الأسطورة والأمبراطورية والدولة اليهودية القنوات السرية للمفاوضات العربية الأسرائيلية من كتابة محمد حسنين هيكل. يحمل هذا الجزء عنوان: “صدقي باشا فاوض اليهود على هجرة خمسين ألفا فقط”، وكانت قد نشرته “النهار” بتاريخ 25 آذار 1996.

المصدر: “النهار”

    •  18 آب 2017

    • صورة مركبة لرئيس الوزراء المصري اسماعيل صدقي ورئيس الوزراء الاسرائيلي دافيد بن غوريون

في هذه الحلقة الجديدة من ثلاثية “القنوات السرية للمفاوضات العبية – الاسرائيلية” يسلط محمد حسنين هيكل الاضواء على النشاط الذي بذله زعماء الحركة الصهيونية، ولاسيما منهم ديفيد بن غوريون، لدى الادارة الاميركية من اجل تجديد التزام الولايات المتحدة تسهيل هجرة اليهود الى فلسطين وهو الامر الذي بدأت بريطانيا تعرقله. ويكشف ان اليهود الاميركيين اشتروا موقف الرئيس هاري ترومان من اليهود بمبلغ مليوني دولار قدم اليه مساهمة في حملته الانتخابية عام 1948 مما شكل اعترافاً باسرائيل قبل قيامها. ومن اجل مواجهة خطر الهجرة اليهودية الى فلسطين عقد مؤتمر قمة عربي في بلودان السورية في وقت كان رئيس الوزراء المصري اسماعيل صدقي يجري اتصالات مع ممثلين عن الوكالة اليهودية من اجل دعم الموقف المصري في مواجهة الانكليز، وذلك في مقابل التسامح بهجرة 50 الف يهودي الى فلسطين!

وفي هذه الفترة تقرر انشاء الدولة اليهودية تحت اسم “اسرائيل” والعلم الذي يشير الى نهري النيل والفرات. وتنشر “النهار” الثلاثية بموجب ترتيب مع “دار الشروق” في القاهرة وهي تصدر في ثلاثة كتب منفصلة. – 11 – بن غوريون “انني شديد الأسف لأنكم رفضتم اعطاء مهلة ساعات عدة لرئيس وزراء بريطانيا” (كليمنت آتلي رئيس وزراء بريطانيا في برقية سرية لهاري ترومان رئيس الولايات المتحدة الاميركية) بالنسبة الى بن غوريون كان قيام الدولة اليهودية في فلسطين امرا مفروغا منه، والمشكلة الوحيدة امامه هي: متى الاعلان عن قيامها؟ وكذلك لم تكن المشكلة بالنسبة اليه أمن الدولة بعد اعلان قيامها، فقد تولى هو مبكرا بناء القوة القادرة على ضمان هذا الامن وفرضه، والمشكلة الوحيدة هي: من اين يبدأ؟ وكان منطق بن غوريون منذ تلك الايام ان المطلوب ليس فرض الحرب دفاعا عن الدولة، وانما فرض السلام ضمانا لبقائها وقوتها، وكانت المشكلة الوحيدة: كيف يتحقق قبول العالم العربي؟

وكان بن غوريون يدرك ان الاجابة عن متى؟ مرهونة بموقف الولايات المتحدة… وان الاجابة عن “من اين يبدأ؟” مرهونة بمعركة تركز في الدرجة الاولى على مصر والاردن… وان الاجابة عن “كيف؟” مرهونة بتسليم العرب ان المطلوب منهم ليس الاعتراف بأمر واقع، وانما بالتعامل معه طبق قوله “اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، ومن دون حدود او حواجز، وبغير شروط من اي نوع”. وفي السنوات الحاسمة 1946 و1947 و1948 راحت خطوط المواجهة تتحدد، وكل طرف فيها يحدد اولوياته ويحاول رسم خرائطه.

1- وكانت بريطانيا تخوض معركة شبه يائسة، فقد بدأت تتحقق يوما بعد يوم، على حد تعبير السير هارولد بيلي مدير مكتب إرنست بيفن وزير الخارجية وقتها (وقد اصبح سفيرا لبريطانيا في مصر مرتين بعدها). “اننا نستطيع ان نفتح البوابات امام طوفان، لكنه تجيء لحظة ندرك فيها ان فتح البوابات شيء والتحكم في تدفق المياه شيء آخر. إن بريطانيا التي “بدأت مشروع دولة يهودية في فلسطين” ما لبثت بعد ذلك ان فقدت امكان السيطرة على المشروع”. والواقع ان العنصر الذي اخذ من بريطانيا فرصة السيطرة على المشروع، وحوّل الدخول اليهودي الى فلسطين من هجرة الى طوفان، هو انتقال قيادة الغرب نهائيا الى الولايات المتحدة الاميركية.

2- ولقد اقبلت الولايات المتحدة على تسلم مقاليد الشرق الاوسط ونظرتها الى اقليم بأكمله وليس الى بلدان متفرقة فيه، وقد دخلت المنطقة وهي منهمكة في مواجهة عالمية مع الاتحاد السوفياتي لا بد ان يخضع الكل لضروراتها مهما تكن رغباتهم. ثم انها اقبلت وتأثير الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة نافذ الى اعصاب القرار السياسي فيها، على رغم ان مصالحها على اراض عربية وفي وسط شعوب عربية. وكان ذلك عاملا فاعلا وصل فيه القرار الاميركي الى حد التصادم مع ظاهر المصلحة الاميركية. وفي هذا السياق يجيء ذلك الحوار الشهير بين الرئيس الاميركي هاري ترومان والوزير المفوض في جدة الكولونيل إيدي.

كان إيدي يحاول ان يلفت نظر رئيس الولايات المتحدة الى خطورة سياسته على المصالح الاميركية، ورد ترومان بصراحة قائلا: “هل لدى العرب اصوات في مينوسوتا يعطونها لي في انتخابات الرئاسة او يحجبونها عني؟…”.

ورد إيدي بالنفي. وحسم ترومان احتجاجات ممثله في جدة بقوله: “إن اليهود لديهم اصوات في مينوسوتا”! [يروي الكاتب الاشهر جور فيدال في مقدمته لكتاب “التاريخ اليهودي… عبء ثلاثة آلاف سنة” انه سمع من الرئيس الاميركي الاسبق جون كينيدي ان الرئيس هاري ترومان كان يشعر اثناء ترشيحه للرئاسة في انتخابات عام 1948 بأن معظم اصدقاء سلفه روزفلت قد تخلوا عنه، وانهم لا يعتقدون بامكان نجاحه، وان معنوياته ساءت الى ان جاء يوم دخل عليه فيه أحد النشطين في الحركة الصهيونية في محطة توقف عندها قطار حملته الانتخابية، ثم قدم اليه حقيبة يد فيها مليونا دولار نقدا وهو يرجوه اعتبارها مساهمة في حملته الانتخابية. “وروى فيدال ان كينيدي قال له بعد ذلك: “وهكذا اعترفنا بدولة اسرائيل قبل اعلان قيامها”.] ثم اضيف الى ذلك عنصر آخر لمصلحة منطق ترومان، وإن اختلف مع اسبابه، ذلك ان اسرائيل التي لم تكن تستطيع ان تقوم او تحمي قيامها الا بالولايات المتحدة، اثبتت انها صديق موال وقادر على تنفيذ خطط السياسة الاميركية في المنطقة.

3- وكانت اسرائيل قد وضعت خطوطها وراحت ترسم حدودها على نطاقات متعددة ومتوسعة: * حدود للدولة: تتمدد باستمرار مع مدى ما تصل اليه قوة جيشها (وهو تعبير بن غوريون). * وحدود للأمن: تتسع بعد ذلك اكثر لتشمل التصدي لأي خطر يهدد أمنها مستقبلا سواء كان ذلك الخطر قريبا من حدودها القائمة او بعيدا عنها. *وحدود للمصلحة: تتطلع الى موارد النفط ومصادر المياه واسواق التجارة وخطوط المواصلات وحرية الانتقال والسفر، الخ…

4- وكان الشعب الفلسطيني في الموقف الصعب. فأرض الصراع ارضه، وقد اعطى قصارى ما عنده في ثورته التي استمرت من عام 1936 الى قيام الحرب العالمية الثانية ونهايتها. وقد رأى ان قوى الصراع اكبر من طاقته. وحدث ذلك في الوقت الذي بدأ اهتمام بقية الدول العربية بشأن فلسطين يتنامى مع تنامي فكرة الوحدة العربية، وقيام جامعة الدول العربية. وهكذا فإن هذا الشعب الفلسطيني ساوره وهم انه وقد اصبحت قضيته عربية، اذن فإنه يستطيع ان يواجه المستقبل جزءا من كل، ولما كان الكل هو الاكبر فإن الجزء يستطيع ان يطمئن.

5- لكن “الكل العربي” لم يكن متكاملا، او منسجما، او حتى واعيا بابعاد المواجهة. * كانت الاسر المالكة الحاكمة في مصر والعراق والسعودية في تنافس مع بعضها البعض وتسعى الى تثبيت عروشها في ظروف تصادمت فيها الافكار والتيارات. * ثم ان الدول العربية المؤثرة (مصر وسوريا والعراق مثلا) كانت لديها اجتهادات متباعدة محكومة بظروفها المحلية، اولها مطلب الاستقلال من قوة اوروبية بعينها.

* ولم تكن الشعوب العربية على احاطة بحقيقة الخطط التي ترسم للمنطقة ومخاطرها.

واضيف الى ذلك عاملان:

* إن تلك كانت المرة الاولى يفكر العرب على المستوى الاستراتيجي لمنطقة بأكملها.

* ثم ان تلك كانت اول مرة يخطر فيها للعرب احتمال لجوئهم الى القوة المسلحة. كان عهدهم في الاستراتيجيا والعسكرية قد بعد به الزمن.

والغريب ان ذلك بالنص تقريبا كان تعبير عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام لجامعة الدول العربية في حديث له عام 1946 مع البريغادير كلايتون المسؤول عن المخابرات العسكرية البريطانية للشرق الاوسط. وقد قال عزام باشا للبريغادير كلايتون: “هذه المرة الاولى نفكر ونعمل كدول مستقلة. بل اننا لسنا في واقع الامر دولا مستقلة، وانما دولا شبه مستقلة!”.

كانت المشكلة الملحة على كل الاطراف، ما زالت، هي مشكلة فتح ابواب فلسطين امام الهجرة اليهودية. فالوكالة اليهودية من ناحية تريد فتح الابواب لأكثر من مئتي ألف يهودي تخلفوا بعد معارك الحرب في معسكرات متناثرة من اوروبا الشرقية والغربية. وكان هؤلاء اليهود من النوع الذي تريده الوكالة اليهودية تماما. وتعتبرهم خامة صالحة تقوم عليها الدولة الجديدة عند اعلانها، فكلهم اوروبيون، ومعظمهم من المتعلمين والخبراء في مجالات وتخصصات متعددة اخافتهم او طردتهم سلطة الاحتلال النازي في اوروبا. وقد بذلت كل المنظمات الصهيونية جهدا كبيرا عامي 1944 و1945 في اعدادهم وتأهيلهم لخدمة الدولة اليهودية، وتثبيت اعتقادهم ان عودتهم الى اوطانهم الاصلية مستحيلة حتى بعد هزيمة المانيا. فالمشاعر ضدهم ما زالت حادة حتى وإن اصبحت بعد العصر النازي كامنة ودفينة.

وبالذات فإن اللاجئين من بولونيا والمجر وتشيكوسلوفاكيا كانوا مستعدين للهجرة جاهزين لوضع علمهم ومواهبهم في خدمة الدولة الصهيونية التي تصوروا انها تحررهم الى الابد. وكان رأي بن غوريون انه يفضل ان يجيء اعلان الدولة وفيها ستمئة ألف يهودي على الاقل، بدلا من اكثر قليلا من اربعمئة ألف موجودين في فلسطين الآن فعلا. وكان ترومان قد وعد بفتح الباب لمئة ألف، وكان الالحاح عليه بما هو اكثر، وهو جاهز. وكانت بريطانيا تطالب بمواربة ابواب الهجرة وجعلها نصف مفتوحة بدلا من فتح كامل.

وذلك لكي تتمكن ادارتها وقواتها في فلسطين من تحقيق توازن معقول بين السكان يكفل تغييرات تدريجية، وليست كبيرة وكاسحة بحيث تختل كل الموازين. وكان العرب ضد الهجرة تماما، يرون ان فلسطين فيها يهود بما فيه الكفاية، واي زيادة تطرأ بعد ذلك سوف تؤثر يقينا على عروبة فلسطين.

وفي مواجهة مخاطر الهجرة، قرر العرب الدعوة الى مؤتمر على مستوى رؤساء الحكومات يعقد في سوريا للبحث في مشكلة الهجرة بالتحديد، وتقرير ماذا يستطيع العرب ان يفعلوا حيالها بما يؤدي الى وقف تدفقها على فلسطين. وانعقد المؤتمر فعلا في مصيف بلودان (قرب دمشق ما بين الثاني عشر والثامن عشر من حزيران عام 1946. وانتهى الى قرارات اعلنها على النحو الآتي:

1- تأليف لجنة عربية عليا تتابع باستمرار الجوانب المختلفة من قضية فلسطين، وتنسق في ذلك مع الهيئة العربية العليا لفلسطين التي يترأسها الحاج امين الحسيني.

2- المطالبة بنزع سلاح وتسريح الجماعات اليهودية المسلحة في فلسطين كوسيلة ناجحة لوقف اعتداءات هذه الجماعات على السكان العرب.

3- انشاء صندوق عربي تساهم فيه كل الدول العربية، يقوم على مساعدة الفلسطينيين وشراء اي اراضٍ فلسطينية حتى لا يشتريها اليهود. لكن مؤتمر بلودان اتخذ، الى جانب هذه القرارات المعلنة، مجموعة اخرى من القرارات السرية تصبح واجبة التنفيذ اذا ما ساد منطق فتح ابواب فلسطين لهجرة اليهود اليها. وكان اهم هذه القرارات السرية:

1- إن الدول العربية سوف تتوقف عن منح اي امتيازات للدول التي تؤيد الهجرة.

2- إن الدول العربية سوف توقف نشاط البعثات التعليمية والثقافية التابعة لهذه البلدان في اراضيها، كنوع من المقاطعة الأدبية.

3- إن الدول العربية سوف تبحث في الغاء اي امتيازات ممنوحة في بلادها فعلا لهذه الدول.

4- إن الدول العربية سوف تلجأ الى الأمم المتحدة والى مجلس الأمن في طلب وقف الهجرة باعتبار ان ذلك تهديد صريح لأمنها.

5- إن الدول العربية بعد ذلك سوف تقوم بتسليح الشعب الفلسطيني حتى يستطيع الدفاع عن نفسه، وسوف تساعده بكل الوسائل. كان التمثيل المصري في مؤتمر بلودان (1946) على مستوى غير مسبوق في تاريخ اشتراك مصر في اي مؤتمرات دولية او عربية. ومع ان رئيس الوزراء اسماعيل صدقي باشا لم يذهب بنفسه للاشتراك في المؤتمر بسبب انهماكه في المحادثات البريطانية – المصرية (معاهدة صدقي – بيفن)، فإن زعماء كل الاحزاب المشاركة في وزارته كانوا هم وفد مصر في مؤتمر بلودان.

فقد كان الوفد المصري مكونا من: محمود فهمي النقراشي باشا رئيس حزب السعديين، والدكتور محمد حسين هيكل باشا رئيس حزب الاحرار الدستوريين، ومكرم عبيد باشا رئيس حزب الكتلة، وحافظ رمضان باشا رئيس الحزب الوطني، وقد انضم اليهم عبد الرزاق السنهوري باشا وهو قطب قانوني اصبح مرجعا في الشؤون العربية. وقيل في مصر وقتها ان صدقي باشا بعث بكل هؤلاء الزعماء الى بلودان لكي يلهيهم بقضية فلسطين بحيث يخلو له الجو في مفاوضاته مع الانكليز. ولم يكن ذلك دقيقا، مع انه لم يخل من بعض الصحة. والحاصل ان صدقي باشا في غيبة زعماء احزاب ائتلافه الحكومي لم يتفرغ لمحادثاته مع اللورد ستانسغيت رئيس الوفد البريطاني المفاوض امامه، وانما انتهزها فرصة كذلك لترتيب واحد من اهم لقاءاته وممثلين عن الوكالة اليهودية في فلسطين. فقد وصل الى مصر سرا في هذه الفترة إلياهو ساسون، واجرى صدقي باشا معه مجموعة لقاءات في بيت رينيه موصيري شارك الحاخام حاييم ناحوم افندي في واحد منها على الاقل.

كان صدقي باشا يحاول في هذه اللقاءات ان يحصل على تأييد اليهود له في موقفه مع الانكليز. وفي مقابل ذلك، فقد كان على استعداد لاغماض العين عن هجرة يهودية معقولة الى فلسطين. وكان الرقم الذي عرض صدقي باشا استعداده للتسامح فيه هو خمسون ألف مهاجر الى فلسطين. ولم يكن ذلك مرضيا لساسون، مع ان الحاخام ناحوم افندي كان على استعداد لبذل نفوذه لتسهيل قبول الوكالة اليهودية في فلسطين بهذا العرض. وربما كان الاكثر مدعاة للاهتمام ان الياهو ساسون نقل عن صدقي باشا انه اثناء هذا اللقاء ابدى استعداد الحكومة المصرية لقبول تقسيم فلسطين، بما يعنيه ذلك من اقامة دولة يهودية. وطبقا لساسون فإن الملك فاروق كان على علم بما يقوله صدقي باشا، “وعلى اي حال فإنه سوف ينتهز فرصة ظهور مناخ مناسب ونيات طيبة ويبلغ ساسون برأيه او يحدد موعدا رسميا لمقابلة بين الملك فاروق والدكتور حاييم وايزمان في قصر عابدين”.

ان الوثائق المصرية الخاصة لا تتضمن اي اشارة الى شيء من ذلك، لكنه من الصعب تصور ان رجلا في كفاية الياهو ساسون يختلق حديثا من هذا النوع في مسألة بهذه الخطورة. وربما ان صدقي باشا بالغ في ما قال لساسون متصورا ان ذلك يحقق له “تدخل اليهود بفاعلية” لانجاح مفاوضاته مع الانكليز. ولم يكن وفد مصر في مؤتمر بلودان بمستواه العالي على علم بما يقوم به رئيس الوزراء. ومما يستحق التسجيل ان مكرم عبيد باشا كان الاكثر وضوحا وحسما في موقفه بين كل اعضاء الوفد المصري في بلودان.

ولعله كان الاكثر تنبها في هذا الموضوع بالنسبة الى الرؤية المصرية لحقيقة ما يعنيه قيام دولة يهودية في فلسطين. وتشير محاضر بلودان الى ان مكرم باشا اشار الى ان قيام دولة يهودية في فلسطين سوف يعرقل اتصال البلاد العربية بعضها ببعض، ويخلق مشكلة على حدودها، وقد يعطل محاولاتها للتقدم (*). ولم تكن الحقائق السياسية واقفة في الانتظار، وانما راحت تشق لنفسها مجاريها بصرف النظر عن القرارات والاجتهادات والشعارات. وتعود الوثائق لتفضى باسرارها: * وثيقة رقم 2546 – 6/01 ن 867 برقية من الوزير المفوض في السعودية (كلارك) الى وزير الخارجية. التاريخ 25 يونيو (حزيران) 1946.

بعد عودة عبد الرحمن عزام باشا من المؤتمر الاستثنائي لجامعة الدول العربية في بلودان الى القاهرة، التقى في القاهرة المستر ريفز تشايلدز (الوزير المفوض الجديد في السعودية الذي كان في العاصمة المصرية قبل قدومه الى جدة)، وقال له ان الجامعة العربية قررت بالاجماع فتح باب المفاوضات مع الحكومة البريطانية بصفتها الدولة المنتدبة على فلسطين للوصول الى حل في شأن مستقبل هذا البلد الذي يعتبرونه بلدا عربيا. وقد ارسلوا بالفعل مذكرة بهذا المعنى الى الحكومة البريطانية. وهم يرون ان اول بند لا بد من معالجته في المشكلة هو بند الهجرة اليهودية الى فلسطين. فهم لا يرون اي مبرر لجعل هذا البلد العربي يتحمل عبء ايجاد مأوى ليهود اوروبا. الامضاء كلارك”.

* وثيقة رقم 2946 – 6/01 ن 867 برقية من رئيس الوزراء البريطاني كليمنت آتلي الى الرئيس هاري ترومان. التاريخ: 26 يونيو (حزيران) 1946. (سري جدا وشخصي من رئيس الوزراء الى الرئيس) كما تعرفون تحاول الجماعات الصهيونية في فلسطين الضغط علينا في موضوع الهجرة. وقد زادت عمليات الميليشيات الصهيونية المسلحة ضد القوات البريطانية في فلسطين. وكان آخرها خطف ستة ضباط بريطانيين. إن حكومة صاحب الجلالة قد توصلت الى اقتناع بأن هذا وضع يصعب السكوت عنه.

وقد تم اخطار المندوب السامي في القدس بأنه مخوّل بسلطة اتخاذ ما يراه من اجراءات تحقق سيطرة الادارة البريطانية في فلسطين على الامور. وفي معلوماتي ان المندوب السامي قد امر باتخاذ اجراءات تبدأ يوم السبت 29 يونيو (حزيران) وبين الخيارات المفتوحة امامه ان يحتل مكاتب الوكالة اليهودية لاي مدة يراها كافية للتفتيش والحصول على الوثائق التي تثبت القيام بتنظيم عمليات هجرة غير مشروعة تجري حمايتها بقوة السلاح، بينما نحن نحاول بكل الوسائل ايجاد حل سياسي للمشكلة وللتعقيدات الناجمة عنها.

إن بعض الاجراءات سوف يشمل القيادات العسكرية في الهاغاناه (قوات الدفاع التابعة للوكالة اليهودية) واي عناصر خارج هذه المنظمة. الامضاء كليمنت آتيلي”. ولم تكن جماعات الضغط اليهودي والصهيوني في الولايات المتحدة بعيدة عن الصورة او متكاسلة، وانما جاء تدخلها سريعا ونافذا وبشهادة الوثائق: * وثيقة رقم 346 – 7/01 ن 867 بيان صحافي صادر عن البيت الابيض في تاريخ 2 يوليو (تموز) 1946.

نص البيان: “اجتمع الرئيس هاري ترومان اليوم بعدد من الاعضاء الاميركيين في اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية لفلسطين، وهم الحاخام ستيفن وايز، والدكتور ناحوم غولدمان، والمستر لويس ليبسكي، والحاخام أبا هيلل سيلفر. إن ممثلي الوكالة اليهودية عرضوا على الرئيس وجهة نظرهم في ما جرى اخيرا من احداث في فلسطين. إن الرئيس اعرب لممثلي الوكالة اليهودية عن أسفه للتطورات الاخيرة التي طرأت في فلسطين. وقد اخطر ممثلي الوكالة اليهودية ان الولايات المتحدة لم تستشر مقدما في الاجراءات التي اتخذتها السلطات البريطانية هناك. إن الرئيس اضاف الى ذلك اعرابه عن أمله في الافراج عن كل القيادات اليهودية في فلسطين على الفور. إن الرئيس اضاف كذلك عزمه على ان الاحداث الاخيرة في فلسطين لن تؤثر على سياسة فتح ابواب فلسطين لهجرة مئة ألف يهودي من اوروبا اليها”.

(لم يشر البيان الصحافي الصادر عن الاجتماع الى اهم الوقائع التي جرت فيه، وإن تكن مجموعة الوثائق الاميركية للعام 1946 في الصفحة 645 تشير اليها، وخلاصتها ان الرئيس ترومان بحث في التكاليف المالية لعملية هجرة مئة ألف يهودي الى فلسطين، وانها تصل الى 450 مليون دولار (بقيمة الدولار في ذلك الوقت، وهي تساوي عشرة امثال قيمته اليوم). وقد تطوع الرئيس ترومان على الفور بأن الولايات المتحدة سوف تتحمل وحدها نفقات النقل. وفي الوقت عينه ابدى الزعماء اليهود ان لديهم 250 مليون دولار جاهزة لعملية التوطين، لكن ذلك المبلغ لا يكفي الا لجزء منها).

* وثيقة رقم 846 – 7/01 ن 867 رسالة من الرئيس ترومان الى الملك عبد العزيز آل سعود. التاريخ: 13 يوليو (تموز) 1946. يا صاحب الجلالة، انني تلقيت بمزيد من السرور الرسالة التي نقلها اليّ صديقي وصديقكم وزيرنا المفوض السابق لدى حكومتكم الكولونيل ويليم إيدي. انني شديد الاعتزاز بروابط الصداقة الوثيقة التي قامت باستمرار بين حكومة الولايات المتحدة والحكومة السعودية. ولقد نقل اليّ الكولونيل إيدي تفهمكم المشكلة الانسانية لليهود المشردين في اوروبا. كما نقل اليّ ايضا قلقكم من ذهابهم الى فلسطين. واريد ان اؤكد لكم باخلاص اعتقادي ان ذهاب مئة ألف يهودي الى فلسطين لن يؤثر في حقوق العرب او مصالحهم، كما انه لن يحدث خللا في التوازن الاقتصادي والاجتماعي في هذا البلد. الامضاء هاري ترومان”.

* وثيقة رقم 1746 – 8/01 ن 867 رسالة من وزير الخارجية الاميركي جيمس بيرنز الى الحاخام ستيفن وايز. باريس 17 اغسطس (آب) 1946 عزيزي الدكتور وايز، انك طلبت مني ان اقابل مستر ناحوم غولدمان اثناء وجودي في باريس لأنه يريد ان يراني في مسائل متعلقة بموضوع فلسطين. وقد كنت ارغب في ان اراه، لكني بعيد عن مجرى الحوادث في هذه القضية، فطوال السنة الاخيرة تولى الرئيس ترومان بنفسه وشخصيا كل ما هو متعلق بمشكلة فلسطين. والاتصالات الدائرة بين الحكومتين البريطانية والاميركية في هذا الشأن تجري مباشرة بين الرئيس ترومان ورئيس الوزراء (البريطاني) المستر آتلي، وليس بين المستر بيفن وبيني. الامضاء جيمس بيرنز”

* وثيقة رقم 1246 – 9/01 ن 867 مذكرة من وزير الخارجية بالنيابة (ويليم كليتون) الى الرئيس ترومان. التاريخ: 12 سمبتمبر (ايلول) 1946. الرئيس، يرى الحاخام وايز ومعه عدد آخر من الزعماء الصهيونيين ان تقوم باصدار تصريح فوري عن تقسيم فلسطين وعن فتح ابواب الهجرة اليهودية اليها. وفي رأيهم ان ذلك يساعد على جعل الحكومة البريطانية تتخذ موقفا اكثر معقولية. الامضاء وليم كليتون”

* وثيقة رقم 1046 – 10/01 ن 867 برقية من رئيس الوزراء (البريطاني) آتلي الى الرئيس ترومان. التاريخ: 4 اكتوبر (تشرين الاول) 1946 (سري جدا وعاجل) عزيزي الرئيس، انني تلقيت بعد منتصف الليل امس مشروع بيانك في شأن فلسطين، وتلقيت منكم رسالة، وقد كتبت لكم على الفور ردا عليها رجوتكم فيه تأجيل الاعلان ولو لساعات عدة ريثما استطيع التشاور مع وزير ا لخارجية. وقبل ان يطلع الصباح تلقيت منكم ردا برفض تأخير اعلان البيان لهذه الساعات التي طلبتها. انني شديد الأسف انكم رفضتم اعطاء مهلة ساعات لرئيس وزراء البلاد الذي يتحمل حاليا عبء ادارة شؤون فلسطين، مع العلم ان اعلانكم سوف يسبب لادارة فلسطين اعباء لا شك فيها. وسوف انتظر باهتمام ايضاحكم في شأن الاسباب العاجلة التي دعت الى مثل هذا الاجراء المتسرع. الامضاء آتلي” كانت الحركة الصهيونية في عجلة من امرها لقيام الدولة اليهودية في فلسطين. وكان رئيس الولايات المتحدة بنفسه امامها ووراءها. وكان الرأي قد استقر مبكرا على اختيار اسم الدولة: اسرائيل.

وكان الرأي قد استقر مبكرا ايضا على رسم علمها: “خطان من اللون الازرق اعلى واسفل رقعة بيضاء تتوسطها نجمة داوود. ولم يدقق كثير من العرب في معنى رسم العلم الاسرائيلي ورمزه، لكن يهود فلسطين فهموا الاشارة وتلقوا الرسالة. فالخطان باللون الازرق اعلى العلم واسفله يشيران الى “النهرين الكبيرين” اللذين تقع الارض الموعودة بينهما: نهر الشرق الكبير وهو الفرات، ونهر الغرب الكبير وهو النيل. وذلك نص القول في التوراة التي كتبها حاخامات اسرائيل اثناء المنفى والسبي في بابل بعد ستمئة سنة من سقوط هيكل سليمان.

“في ذلك اليوم قطع الرب مع ابرهيم ميثاقا: “لنسلك اعطي هذه الارض من نهر مصر الى النهر الكبير الفرات”. (سفر التكوين 15: 18) وكان الرأي مستقرا كذلك ومبكرا على ان لا تكون لهذه الدولة حدود معينة على خريطة. ولعلها كانت اول دولة في العالم الحديث يجري اعلان قيامها من دون ان يصاحب هذا الاعلان بيان يعين الخطوط على الارض ويوقعها على الطبيعة، ذلك انه حين يكون الوعد “اسطوريا” – فإن الخرائط السياسية تصبح قابلة للتعديل مع كل تفسير او تأويل! (*) يلاحظ ان الاستاذ ميشال عفلق زعيم حزب البعث الاشتراكي طور هذه المقولات بعد ذلك في شعاره الشهير الذي شاع في ما بعد في أدبيات حزب البعث وغيره من الاحزاب القومية، وهو “ان اسرائيل اقيمت لكي تكون قاطعا لاتصال الأمة، واداة لتهديدها، واسفنجة لامتصاص طاقاتها باستمرار”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*