صبحيّة مع سيّدة المسرح نضال الأشقر

هنادي الديري
annahar.com
06112017

في ذلك الصباح منذ وقت ليس ببعيد، جلسنا في البهو العابِق بالألوان الدراماتيكيّة والمُلتصق بشُرفة تتخذها الطيور (وبأقصى قدر من الإسترخاء) ملاذها الشاسِع. ملاذ “تُظلّله” المباني المُجاورة و”تسكنه” عشرات النباتات التي من الواضح أنها تحظى بالرعاية الجيدة، “يعني هون، مدلّلة لأقصى الحدود”. كانت “الصبحيّة” في هذا النهار المُشمِس “مَسكونة” بحكايات ماض عريق شاركت هذه السيّدة في صنعه. مرّت ساعتان بسرعة وكانت الدقائق “مُطرّزة” بالنوادر التي تروي قصّة “مسرح المدينة” الذي أسّسته قبل 20 عاماً.

مسرح شاهد على الثقافة والفن وقدّمت له (مراراً وتكراراً) شرايين روحها، كما حوّلته نسخة مُصغّرة عن هذا العالَم الذي لطالما كانت أكبر منه وأكثر إقتحاميّة أيضاً. في منزلها الذي يوحي الحميميّة والقائِم في أحد الشوارع المُتفرّعة من شارع الحمراء التاريخيّ، كانت الجَلسة مُريحة، وشعرتُ وكأني في الحقيقة أجلسُ قُبالة صديقة من عمري (وربما أصغر سناً!) تعيش اللحظات بشغف يليق بمن لم يَختبر الحياة بعد، ولم يَذق طعم قسوتها ولم تطوّقه مكائدها بعد. سَكَبت لي القهوة بنفسها، فإستغلّيتها فرصة لألتقاط صورة لليدين. إحداهما حملت فيها ركوة القهوة والأخرى حَضنت الفنجان المُزخرف بالرسوم. وقبل أيام معدودة، إلتقطتُ صورة ثانية لليدين. إحداهما “عقدت” على الكرّاس التابع للأمسية والأخرى “حضنت” القلم فيما دوّنت على الصفحة الأولى، وكهديّة تذكاريّة لأخي، جملة مُحبّبة.

وفجأة قالت بتأفّف أضحك الذين إجتمعوا من حولها، “هيدا القلم مش للكتابة، هيدا القلم للرسم!”. كانت الأمسية قد إنتهت، ولم يَسمح لها الجمهور بمُغادرة الخشبة لتدخل الكواليس، بل إندفع العشرات نحوها طالبين منها صورة من هنا، توقيع من هناك، وصدحت في أرجاء المسرح جمل “بتفتح القلب” أتت على شكل: “رجعّتينا على فلسطين”، “يسلم تمّك، تسلم روحك الحلوة الثائرة”. ووسط هذه العجقة الجميلة التي اجتاحت “مسرح المدينة”، نظرت مُباشرة في عيني هاتفة بفرح طفوليّ، “فرجي الصور لبيّك (الكاتب والصحافي في جريدة “النهار” الياس الديري)، بركة بيتشجّع يطلع من البيت يشوف شو عم بيصير ببيروت!”.

كان من المُمكن أن تكون التغطية تقليديّة، إذ أن مضمونها سيكون، بكل تأكيد، أكثر من ثري وسأتمكّن حتماً من أن أكتب الكثير ثم الكثير عن كل حركة قامت بها على خشبة المسرح، مسرحها.

“سيّدة المسرح، نضال الأشقر قدّمت على خشبة مسرح المدينة، وبمناسبة مرور مئة عام على “وعد بلفور” المشؤوم الذي بعثر فلسطين ومعها المنطقة بأسرها، قراءات فلسطينيّة بعنوان: جذور عصيّة الإقتلاع”… كم من الكلمات يُمكن أن تُكتب إنطلاقاً من هذا العنوان العريض! وتيرتها المدروسة، تفاعلها مع الموسيقيين الذين رافقوها على الخشبة عزفاً وإلقاءً وغناءً: خالد العبد الله، إبرهيم ومحمد عقيل، هذه المُزامنة التي تتخيّلها عفويّة، مُرتجلة، إختيارها لأجمل ما كتبه الشعراء الكبار عن فلسطين: محمود درويش، توفيق زياد، نزار قباني، فؤاد الشمالي، فدوى طوقان، سميح القاسم، الصورة الخلفيّة العملاقة لأحد بساتين فلسطين، الإيقاع الذي تضاعف وأصبح أكثر قوّة، أكثر شراسة، دقيقة فأخرى، مُشاركتها غناءً في بعض المقاطع، إنخطاف يدها وإنسيابها يميناً وشمالاً في هذا المقطع أو ذاك، همسها لبعض الكلمات هُنا وهناك. نعم، كان يُمكن أن يُقال الكثير عن هذه “الهمروجة”، كما وصفتها بنفسها، التي كانت “تُحاك” مهرجاناً ثائراً على خشبة المسرح، مسرحها.

لكن المعني هُنا، سيّدة تدعى نضال الأشقر، وبالتالي من غير المُمكن أن تكون التغطية تقليديّة. عندما قلتُ لوالدي أنني أبحث عن الطريقة الفُضلى لأكتب من خلالها خبر هذه الأمسية، قال لي بأسلوبه الروائي المعهود، ” نضال الأشقر! ويلٌ للذي يعرفها جيداً لأنه سيقع أسير سحرها وتلك الكاريزما الشاهقة!”.

في اليوم التالي، إتصلتُ بها لأعبّر لها عن تفاعلي الكليّ مع عفويتها المُطلقة على الخشبة، فإذا بها تهتف موضّحة، “أنا أعمل على كل حركة أقوم بها على الخشبة طوال أشهر طويلة. ما من شيء أقوم به على خشبة المسرح، يكون خارجاً عن إرادتي إطلاقاً. أعيش على الخشبة وخارجها النظام والإنضباط بشكل يوميّ. ولكن، الروح: هيدي روحي! على المسرح لا بدّ من أن ندرس كل خطوة وكل حركة. أعيش الإنضباط الكليّ على الخشبة. يمكن أن أقرأ القصيدة بتجرّد وكأن لا علاقة لي بالشعر الذي يُقال، ولكنني في الحقيقة أقرأ القصائد وكأنها تُكتب في اللحظة الحاليّة، أقرأها بحرارتها الميدانيّة وإنطلاقاً بما يحصل في الواقع. أقرأ القصيدة وكأن روحي – عم بتطلّعها – قد أبدو وكأنني ارتجل، ولكن: أبداً – كل شي مدروس ومنظوم- ولكنها تطل في صورتها النهائيّة وكأنها عفويّة. هذه تقنيّة المسرح، التقنية بالصوت وبالتوقيت والإيقاع. قراءة القصائد بهذه الطريقة هي نوع من الإيماء والصلاة والترتيل. كل هذه العناصر لها توقيتها وإيقاعها. أنا أقرأ لفلسطين منذ 30 سنة. كنت أتلو الشعر على الخشبة بمفردي، واليوم تأتي هذه القراءات وكأنها في الواقع ضمن خانة الـ “كونسرت” المخصّص للشعر، وطوّرتها لينضمّ إليّ بعض الموسيقيّين الذين أعمل معهم منذ أكثر من 20 عاماً”.

قلت لها فجأة، “ما قوم تلفنتلّك بكّير، يعني ما قوم وعّيتك من النوم!”، فإذا بها تصرخ ضاحكة، “نعم؟! أنا بوعى الساعة خمسة! يعني وقت يلّلي بيسرّب بيّك من السهرة!”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*