“صانعو سوريا الحديثة”

سمير عطاالله
النهار
31102018

أجمل الكتب الجديدة هي التي تحكي قصة الزمن القديم. كتاب “صانعو سوريا الحديثة” للدكتور سامي مبيض، هو شيء من هذا. ما بين 1918 و1958 تعمل سوريا للاستقلال وتناله. ثم تعمل للديموقراطية وتبلغها. لكن ذات صباح من آذار 1949 فيما الدمشقيون يذهبون الى اعمالهم، مشياً أو على الدراجات الهوائية، يفاجأون بالدبابات تملأ وسط المدينة التاريخية. دبابات الزعيم حسني الزعيم، تدشن عصر الانقلابات في العالم العربي. الأمة تنقلب.

يعتقل الزعيم حسني الزعيم رئيس الدولة شكري القوتلي (ورئيس الوزراء خالد العظم)، فيصاب الرجل المتعب بالنزف ويُنقل الى مستشفى المزة. لكن الزعيم الاشتراكي اكرم الحوراني، يقترح حلاً شديد الاختصار وقليل الكلفة: رصاصة واحدة في الرأس.

طلب الزعيم حسني الزعيم، من العرب والعالم، الاعتراف به حاكماً: قَبِل البعض، وتردَّد البعض، وفي شجاعة الخائفين امتنعت الجارة الصغيرة. قال بشارة الخوري لرياض الصلح (أو العكس) إذا اعترفنا بالثكنة السورية اليوم، سوف تخرج الثكنة التي عندنا غداً.

يستند السرد التاريخي في “صانعو سوريا الحديثة، إلى أوراق ووثائق السياسي أحمد شرباتي (والد السيدة نورا جنبلاط) لينطلق منها في تدوين ودراسة 50 عاماً من تاريخ سوريا. هكذا يصف دمشق في العشرينات: “برغم المحافظة والتواضع، كانت الدمشقيات يحرصن على الإناقة، متأثرات بنجمات هوليوود مثل غريتا غاربو ومارلين ديتريتش. كعوب عالية مستوردة من أوروبا، ومعاطف طويلة وجاكيتات بوليرو. وكانت الفتيات يذهبن الى دور السينما بعد الظهر (ماتينيه)، ويدخِّن سيجارات خانم الرفيعة. ولم تكن ترى امرأة محجبة في أي مكان، بعكس اليوم. وكان هناك اوروبيون في كل الشوارع المميزة بنظافتها ونظامها”.

في الثلاثينات، كان في دمشق 40 داراً للسينما، الاكثر في الشرق الأوسط، وحضر شارلي شابلن أحد أفلامه فيها. وفي هذه الشام الشديدة الانفتاح، المحتضنة شتى الاعراق والأنساب، يبرز فارس الخوري، ابن الكفير، واحداً من كبار السياسيين ورجال الاستقلال، بل هو الذي يقف في مجلس الأمن (رأسه مرتين) يخاطب الفرنسيين أمام العالم: اخرجوا من أرضنا.

في تلك المرحلة أيضاً، كان القبطي مكرم عبيد، ناطقاً باسم القومية العربية ومرجعاً اسلامياً في الفقه، لا يوازيه إلا كبار أهل الأزهر. ولم يتذكر المصريون أنه قبطي إلاّ عندما غاب. وعلى اسمه سمى غسان تويني ابنه الثاني، مكرم، حافظاً للبكر اسم جبران، والده وملهمه والرجل الأهم في حياته، بين مجموعة من الكبار.

في “صانعو سوريا الحديثة” نرى غسان تويني في دمشق أيضاً، العام 1950. إنه هناك لكي يطرح على المواطن المشترك، فارس الخوري، سؤالاً قلقاً: هل انقلاب حسني الزعيم دستوري؟ يجيب الرجل الداهية: ما دام قد نجح، فهو كذلك.

لم يذهب غسان تويني الى دمشق كصحافي. كانت “النهار” كل شيء، لكنها لم تكن الشيء الأهم. صحيح أنها لم تكن بديلة من النيابة، أو الوزارة، وهما موقعان يريد من خلالهما اصلاح لبنان وتغيير تهافت اللبنانيين. كان يريد أن يثبت عندما هتف في الأمم المتحدة “دعوا شعبي يعيش” أن شعبه إذا ما تحرر، قادر على احياء بلده ايضاً. وكان يكرر ان هذا وطن، لا فندق. عزم على أن يترك اثراً اصلاحياً في كل مكان دخله: نائباً ابن 25 سنة، ووزيراً للتربية مثل والده، وسفيراً لدى الأمم المتحدة، ورئيساً لجامعة البلمند، وصحافياً لا حدود لرؤيته.

كان كثيراً على كثير من الناس ومن القضايا. وجوده كان يفضح الاحجام والصغائر، وخصوصاً الانهزام. وكان ميزاناً صادقاً في العلاقة مع فلسطين ومع سوريا، لا عقدة لديه، هو الذي كان الى جانب انطون سعادة ساعة أسس حزبه. لكن العلاقتين، الفلسطينية والسورية، لم يكن يناسبهما ليبرالي حر مثله. الافضلية كانت للهتّافين والمشخصاتية، الذين دمروا العلاقتين، وحولاهما من جوار جوهري الى خاطر رستم غزالي وافراح بنك المدينة.

يتحدث الدكتور مبيض باسلوبه المشهود باللغة الانكليزية، عن مرحلة عاشها اللبنانيون والسوريون: انتداب واحد، واستقلال واحد، ولكن في نظامين مفترقين. لذلك، لم يعد مكان في الشام لفارس الخوري، ولا عاد لبنان يرسل فارس الخوري الى الشام. عبرت العائلات السورية الحدود الى لبنان تساهم في ازدهاره الاقتصادي والصناعي والمصرفي، وتستوطن نظامه، لا أرضه، لكن النظام السوري لم يعد قادراً على اجتذاب، أو احتضان، المبادرة اللبنانية. واصبحت العاصمتان الاقربان كأن كلاً منهما في تصنيف أممي مختلف. وبدل ان ترى سوريا في لبنان جارها الأقرب، رأت فيه جارها الأضعف. ويرى الدكتور مبيض ان رجال الديموقراطية السورية انصرفوا الى البناء الدستوري الداخلي بدل القضايا القومية كمثل “استرداد” لبنان.

كانت هناك طريقتان لـ”استرداد” لبنان. الأولى أن تكون العلاقة على مستوى يمكن معه ان يصبح فارس الخوري رئيساً في دمشق أو في بيروت. وأما عن الثانية فكان اللواء سامي الشيخة يروي ان عبد الكريم الجندي كان يأتي الى اجتماعات اللجنة المشتركة “بالمشاية” فيما الجانب اللبناني بكامل ثيابه العسكرية. وكأنما مقياس الأخوة هو الاحتقار.

سنوات “سوريا الحديثة” كانت سنوات لبنان الحديث أيضاً. هنا وهناك سياسيون مدنيون يواجهون عصراً واحداً بثقافة مشتركة واحدة. وقدر واحد في أي حال، وجغرافيا واحدة من سلسلة الجبال الى حوض المتوسط.

ننسى دائماً ان في قلب البيت الواحد تصاغ القضايا بالمبادلة والاحترام. زمن “الحداثة” في سوريا ولبنان لم يكن الزمن الذي تنفلت فيه جميع الحدود لكي نبتهج جميعاً بفتح معبر!

لا يكفي ان تكون العلاقة قدراً واحداً، بل المهم جداً أيضاً في يد من تكون وعلى أي مستوى. وعلامات الطريق لا تخفى، بين دولتين أو فردين أو عائلتين: دائماً تعود الناس الى صورة فؤاد شهاب وعبد الناصر في خيمة الحدود، أو الى صفحات فارس الخوري. لو استمرت هذه الطريق لما وصلنا الى رؤية الراحل رستم غزالي للعلاقات المميزة واسلوبه في تطبيقها.

يميز العلاقات بين البشر والأمم والدول شيء واحد: الاحترام والاطمئنان. عندما بلغ الاوروبيون هذا المستوى من الوعي، أعلنت الوحدة نفسها. مثل هذه الوحدات التلقائية العضوية لا يمكن ان تقوم إلا في ظل مناخ ديموقراطي.

يختم سامي مبيض مرحلة الحداثة بالعام 1958 ودخول سوريا الجمهورية العربية المتحدة وانتهاء جيلها الليبرالي. يتردد في اخبارنا ان سبب سقوط الوحدة العربية الأولى والأهمّ كان السلوك الفوقي الذي مارسه جيش المشير عبد الحكيم عامر. من اجل فهم تلك المرحلة، يجب قراءة مذكرات اكرم الحوراني. هنا لا نعود نراه شاباً متحمساً يقترح على الزعيم حسني الزعيم رصاصة في رأس شكري القوتلي، بل شاكياً من معاملة المصريين له كنائب للرئيس، أو حزيناً في سجن الرفاق العسكريين، يقول لسجانه قبل دخول الزنزانة: دعني اصعد الى السطح لكي املّي عيني بمنظر دمشق كي استطيع احتمال عتمة الداخل.

Sami Moubayed – The Makers of: Modern Syria: The Rise and Fall of Syrian Democracy.

Publisher: I.B. Tauris

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*