تييري فريمو من بيروت: رأيتُ أفلاماً تُغتَال في كانّ

هوفيك حباشيان
النهار
19092018

تييري فريمو.

“مجيئي إلى بيروت كذهابي المرة الأولى إلى نيويورك: أشعر بأني أعرف هذا البلد من خلال السينما. أتعلّق دائماً بالأماكن التي أزورها. هذا شعور المُسافر الذي يرغب دائماً في الرحيل ثم العودة إلى دياره. والسينما تحقق ذلك. تسمح لنا بالانوجادفي قلب العالم والانتماء إلى بقعة معينة منه”.

هكذا استهلّ تييري فريمو، المفوّض العام لمهرجان كانّ ومدير معهد لوميير في ليون، وعقلهما المدبّر، درْس السينما الذي قدّمه خلال زيارته لبنان الويك أند الماضي بدعوة من طارق سيكياس. مروره في العاصمة، تضمّن كذلك عرضاً لفيلمه “لوميير! المغامرة تبدأ” (٢٠١٦) الذي يجمع ١٠٨ من أفلام قصيرة (جداً) صوَّرها لوي وأوغوست لوميير، الشقيقان المؤسسان للسينماتوغراف، وأعوانهما بين أواخر القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، قبل ان يعلنا السينما “فنّاً ميتّاً”، بحسب الاسطورة الرائجة. بطرافة وشاعرية وأسلوب ومعرفة عميقة، علّق فريمو على المتتاليات البصرية التي تعاقبت على الشاشة، حاملاً شلّة من السينيفيليين إلى منبع الصورة المتحركة حيث احتشدت مجموعة كبيرة من المرات الأولى.

بدا فريمو سخياً في لقائه البيروتي. أجرى مقابلات صحافية، وإن قليلة جداً (إحداها هذه المنشورة هنا)، فتح قلبه وتحدّث من الحديقة الخلفية للسينما، وفعلها بأريحية يهاجر اليها مَن يجدنفسه في أماكن بعيدة من نقاط الارتكاز. طلب منّا ممازحاً عدم التغريد عندما أطلق بعض النميمة على الصحافيين والمخرجين. ناقش شؤوناً كبيرة، في ضوء التحوّلات التي على السينما ان تنسجم معها اذا أرادت الصمود. خلناه لن يتكلم الا عن تجربة لوميير – نقطة ضعفه الأبدية التي استحوذت على مجمل نشاطه في السنوات الأخيرة -، الا انه لم يتردد في الحديث عن كانّ، والتطرق إلى قضيّة “نتفليكس” التي شغلت الرأي العام منذ ان تمّ استبعاد أفلامها عن دورته الأخيرة.

هذا السينيفيلي الذي يحمل أكثر من مسؤولية في يد واحدة، فقز مراراً من نقطة إلى أخرى، دائماً بطريقته المسهبة في الكلام والتذكير بشيء ثمّ العودة إلى الفكرة السابقة فالانغماس مجدداً في الجمل الاعتراضية حدّ تشتيت الفكرة الأساس التي قام عليها الجواب. لم يمكيج فريمو هواجسه: كيف نتمسّك بتقاليد المشاهدة التي صنعت أمجاد السينيفيلية الأوروبية ونقفز في الحين نفسه إلى مرحلة جديدة لم تكشف كلّ ملامحها بعد؟ ما السبيل للحفاظ على الأصالة والتراث والارث في زمنٍ،ثمة صورٌ كثيرة تزاحم الشاشة الكبيرة.

مع فريمو، أتيح لنا الدخول إلى بعض كواليس أكبر تظاهرة سينمائية في العالم، فأصر ان الأفلام لا تُختار فيها الا لأسباب محض سينمائية، على الرغم من عدم تجردها بالكامل من التدليس السياسي. المخرج ميشال كمّون عبّر عن إعجابه بوظيفة تقتصر على مشاهدة الأفلام وانتقائها، فردّ بأنه أحياناً تمر أسبوعان أو ثلاثة من دون ان يشاهد شيئاً ذا قيمة. وختاماً، صرّح بأنه اشتغل طوال ١٥ سنة مع رئيس كانّ السابق (جيل جاكوب) ولم يكن ممكناً تغيير أي شيء، لأن أي تغيير كان يعني نقداً لقراراته. “من الآن وصاعداً، ستسمعون عن تغييرات كثيرة”، أكد فريمو واعداً إيانا بالعودة إلى لبنان بعد ثلاثين سنة.

* هل تعتقد ان السينما مهددة بالشكل الذي نعرفه؟

– لنقل ان السينما تمر في فترة اضطرابات، وربما لم تكن الاضطرابات يوماً بهذه الخطورة. هناك اضطرابات عدة: أزمة الخلق الفني (بات من الصعب اليوم تمويل الأفلام وزاد الشرخ بين سينما المؤلف وسينما البلوكباستر)؛ أزمة وسيط (بمعنى أين سنشاهد الأفلام وهل ستستمر الصالات؟ (فالسينما اليوم ينافسها الكثير من الأشياء)؛ أزمة جمهور (علينا ان نتأكد دائماً ان السينما لا تزال فنّاً جماهيرياً). وفي النقطة الأخيرة، أشعر بأني مكلّف مهمة: تأهيل الأجيال الصاعدة. أنا عندما كنت صبياً، كان يُطلب مني قراءة مارسيل بروست، لكني لم أفعل. كان بروست يضجرني، اليوم أحبّه جداً. لذلك، علينا العمل على البيداغوجيا. الأزمة شاملة، لكني أثق بالسينمائيين والجمهور وأصحاب الصالات. رأيتُ هنا صالات رائعة. كالحال في روسيا والصين، وطبعاً فرنسا. لذلك أعتقد ان للسينما مستقبلاً باهراًعلى رغم كلّ شيء. فيلم ألفونسو كوارون، “روما”، الذي سنعرضه في ليون، ينبغي مشاهدته على شاشة كبيرة. نظريتي ان مهرجانات السينما الكبيرة قد تحتاج إلى “نتفليكس”، لأن القائمين عليها أصحاب أموال ونشيطون ويمتلكون الخبرة، لكن “نتفليكس” هي التي تحتاج إلى السينما.

* قلتَ مرة انك تفضّل “فيلماً تجارياً جيداً على فيلم مؤلف سيئ”…

– قصدتُ ان كونه تجارياً لا يعني انه سيئ، مثلما كونه ينتمي إلى سينما المؤلف لا يمنحه صفة الجودة. في الحالتين، لا أعرف سينمائياً واحداً يصحو صباحاً ويقول في نفسه: “سأنجز فيلماً سيئاً”. كلّ سينمائي يحاول ان يحقق الأفضل. وأنا كوني سينيفيلياً يتحدر من تلك المدرسة التي يسمّونها “مدرسة السخاء”، لا ألوم مخرجاً أخفق في صناعة فيلمه. لا يهمّني. أميل إلى الحديث عن أشياء ناجحة. حتى نحن في كانّ، نحكم مثلكم؛ نرى العديد من الأفلام ثم نختار من بينها، ومع ذلك يبقى من الصعب القول لماذا نحب الأفلام التي اخترناها. القول لماذا الفيلم الفلاني غير جيد، أكثر سهولة. صديقي برتران تافرنييه يتصل بي أحياناً ليحدّثني عن فيلم ما ويقول: “شاهدتُ فيلماً بائساً، بائس تماماً ما عدا أمرين”. هنا يبدأ طوال عشر دقائق يكلّمني عن مشهدين رائعين في فيلم سيئ.

* يبدو لي ان انتزاع مشهد من فيلم وقراءته، شيء فرنسي جداً…

– أجل، ولكن في فرنسا لدينا أيضاً ميل إلى قول “أحب” أو “لا أحب”. علماً ان أي فيلم يعني الإخراج، الممثلين، الموسيقى، المونتاج، الصورة والكثير من الأشياء. مع ذلك، لا نزال نقول “أحب” أو “لا أحب”، وهذا يحدث كثيراً في كانّ. أنا مقتنع انه يجب ان نعطي الوقت للأشياء. حتى نحن الذين ننتقي الأفلام، فجأةً نقول بعضنا لبعض: “هل تتذكّرون ذاك الفيلم الذي شاهدناه قبل ٣ أسابيع؟ لم نكن متأكدين في شأنه، لنشاهده مجدداً! وفجأةً، أراه من منظار آخر. أحياناً أشاهد الفيلم مرتين. بعضها يفرض ذلك. ثمة أفلام لا تأتيك “هكذا”. وهذا شأن بعض الأغاني وبعض الكتب كذلك. هذه أعمال لا تسلّم نفسها بسهولة؛ أسمّيها “أعمال تقاوم”. ولكن في كانّ، يجب الرد دوماً بـ”نعم” أو “لا”.

* حتى جوابك عن السينمائين هو “نعم” أو “لا”!

– بالتأكيد. ولكن معروف عني اني آخذ وقتي. هذا يجعل الجميع يستاء، لكني أفضّل العمل على هذا النحو. في مهرجان لوميير (ليون)، الأمر مختلف لأنه لدينا عامل الزمن. فنحن نتعامل مع أعمال كلاسيكية. “قانون اللعبة” لجان رونوار الذي يُعتبر اليوم أعظم فيلم فرنسي، كان خروجه إلى الصالات كارثة. أتذكّر عندما سلّطنا الضوء على سرجيو ليوني في أول سنة انعقد فيها مهرجان لوميير (يومها جاء كلينت إيستوود يقدّم أفلامه). ولكن عندما طرحنا اسمه، جزء من النقّاد قالوا: “أوف… ليوني!”. تأففوا، فكان ردّي: “لا بأس، ليوني من الكلاسيكيات اليوم”. في الستينات، عندما اتُهِّم بقتل الوسترن، كان مادة أخذ وردّ بين مَن يحبّه ومَن لا يحبّه. اليوم، لا يهمّني هذا السجال. ليوني مُكرَّس. شأنه شأن ملفيل أو تارانتينو أو كوروساوا أو فورد. هو أحد الذين تركوا تأثيراً كبيراً في غيرهم.

* كيف تنظر إلى فوز فيلم من تمويل “نتفليكس” في البندقية (“روما” لألفونسو كوارون) بعدما رُفِض في كانّ؟ وكأن الأمر مقصود…

– العام الماضي، أخذنا أفلام “نتفليكس”. كان من الضروري ان “نفتعل” الحوار. وهذا العام، منعني مجلس ادارة كانّ من ذلك. أصحاب الصالات هم العائق وأتفهّم معركتهم. هناك قانون وأحترمه. لذلك قررت “نتفليكس” الذهاب إلى البندقية. وهناك ما من قانون. فيلم كوارون شاهدته قبل الجميع في تشرين الثاني من العام الماضي. هو صديق وأراني فيلمه. كان حزيناً وأنا أيضاً، لأننا لم نستطع الاحتفاء بفيلمه في كانّ. في المستقبل، لا أعرف ماذا سيحصل. المستقبل معقَّد وغامض. سننتظر ونرى.

* في أي حال، فيلم أورسون ولز، “الجانب الآخر للرياح”، لم يكن خسارة…

– كنّا سنعرضه خارج المسابقة في كانّ. سيُعرض في ليون. ألم تحبه؟ أعجبني… على رغم انه في الحقيقة، ليس فيلماً جيداً. ولكن من الرائع ان تمتلك حقّ عرضه. أشبه باستخراج جثّة أو قيامة. خصوصاً عندما يكون الواحد منّا مؤرخاً سينمائياً.

* هل من أفلام في البندقية كنت تتمنى لو كانت في كانّ؟

– طبعاً هناك الأفلام الثلاثة التي كان من المفترض ان تُعرض في كانّ: “الأخوان سيسترز” لجاك أوديار، “مولد نجمة” لبرادلي كوبر و”المفضَّلة” ليورغوس لانثيموس وهو مخرج كانيّ بامتياز، ولكن الفيلم لم يكن جاهزاً.

* اختيار الأفلام مسؤولية، مع ما ترافقه من لحظات تردد ومعاناة. كيف تعيش هذا على مدى عام كامل؟

– مسؤوليتي الوحيدة هي صون مصلحة الفيلم. لذلك، أحياناً أقول لمخرج ما: “يعجبني جداً فيلمك، ولكنه ليس لكانّ”. فيسألني: “اذا أحببته جداً فلماذا ليس لكانّ؟”. أردّ انه خطر. يحاول اقناعي. أكرّر انه خطر. كانّ يوفر تجربة عظيمة عندما يتم الترحيب بالفيلم. رأيتُ أفلاماً تُغتال في كانّ. حرفياً. في الثامنة والنصف صباحاً، كان كلّ شيء على ما يرام، في العاشرة والنصف انتهى كلّ شيء! الصحافة لديها سلطة فتّاكة. وما فعلْتُه هذا العام من تعديل في جدول العروض لم يكن موجّهاً ضد الصحافة. كان الهدف ان نجري توازناً. وأيضاً لأني لا أريد ان تصنع الصحافة مهرجانها، ثم نأتي نحن لنصنع مهرجاننا. بما اننا كلنا بعضنا مع بعض، فعلينا ان نشاهد الأفلام معاً. الصحافة اعتبرت انه تم انتزاع هذا الامتياز (مشاهدة الأفلام قبل عرضها الرسمي) منها. السنة المقبلة سنحسّن هذا النظام. سأعقد جلسة قريباً مع الصحافيين الفرنسيين لتقييم الوضع. كانّ آلة حيّة. وهو ليس لي، بل لكم وللجميع وكلّ الذين يساهمون فيه، الصنّاع والنجوم والصحافة وسوق الفيلم. كانّ كلّ هذا، لذلك نحتاج إلى توازن.

* العام الماضي، كنت في مهرجان لوميير في ليون، وترك فيَّ انطباعاً هائلاً…

– آه. هذا العام، سنعرض “سيد الخواتم” مرتين. بطاقات العرض الأول نفدت. تخيَّل: ٥ آلاف مُشاهد! العرض الثاني سينفد أيضاً. حتى نحن تفاجأنا!

* ألم تتوقعوا هذا الاقبال؟

– كنت أتوقعه بالتأكيد. هذا ما كنت أسعى اليه. لم أكن متأكداً من انني قادر على تحقيق النجاح. منذ البداية، سمّيناه “مهرجان للجميع”. السينما عندي فنٌّ كوني. من السهل ان نبقى في ما بيننا ونؤسس لمهرجان خبراء. وهنا لا أغمز من كانّ الذي أعتبره تظاهرة جماهيرية للمحترفين، بل من بعض الأوساط السينمائية أو الموسيقية حيث تجد خبراء في ما بينهم (…). على صعيد آخر، يجري الحديث أحياناً عن فيلم متطلب. أجهل ماذا يعني هذا الوصف. هل شابلن كان متطلباً؟ هل كوبريك كان فنياً؟ لا أفهم هذا. الانفعال في السينما هو الأهم. بالتأكيد، قراءة مارسيل بروست تتطلب الجهد. مشاهدة بعض الأفلام تتطلب الجهد، فيما مشاهدة البعض الآخر لا تتطلب ذلك. أنتم وأنا هنا من أجل الشيء نفسه: الوقوف بين العمل السينمائي والجمهور.

* عندما طالعتُ كتابك الأخير، “اختيار رسمي”، صرتُ أفكّر: من أين يأتي هذا الرجل بالوقت ليقوم بكلّ هذه الأشياء. علماً انك المفوض العام لمهرجان كانّ ومدير معهد لوميير معاً.

– هكذا طبيعتي. ربما انتبهتَ في كتابي انني أهدر الكثير من الوقت في القطارات، فلديّ الوقت لأتأمل وأكتب. وهذا يأتي أيضاً من كوني أدرك جداً انني صاحب امتياز في عالم السينما. من جهة، أتولى شأن السينما المعاصرة (كانّ) ومن جهة أخرىالسينما الكلاسيكية (ليون). هناك ثلاثة عناوين سينمائية مهمّةفي العالم: الكراوزيت في كانّ، “شارع الفيلم الأول”، وسانست بولفار. الأخير نتركه للأميركيين (ضحك). لا، صدقاً، انني سعيد كوني حوّلتُ “شارع الفيلم الأول” في ليون عنواناً سينمائياً.

* قرأتُ انك مارستَ الجودو…

– صحيح. أؤلف حالياً كتاباً عن الجودو. الجودو يعلّمك ان تكون أقوى شخص ممكن وان تتحلى بالثقة بحيث لا تحتاج إلى إظهار تلك القوة. وهذا هو مهرجان كانّ.

                دفاعاً عن المشاهدة في صالة سينما

١ – السينيفيلية والحفاظ على التراث

“السينما فنّ خاص. انها من أكثر الفنون شعبيةً، ولكن لطالما اعتُبرت أقلّ مستوى من الفنون العريقة الأخرى. يُقال دائماً: “شاهدتُ فيلماً قديماً”. ولكن لا يُقال قرأتُ شكسبيراً أو بروستاً قديماً أو سمعتُ موزاراً قديماً. فقط في السينما نقول هذا. علماً ان ما من فيلمٍ أكثر قدماً من مسرحية لشكسبير أو لوحة لفان غوغ. لا ننظر إلى أفلام الأخوين لوميير كمادة أرشيفية. ننظر اليها لما هي عليه. كما عندما نتأمل صورة لروبرت فرانك، فلا نتأملها باعتبارها صورة قديمة. عندما صوّر برتران تافرنييه “ميسيسيبّي بلوز” استعار من فوكنر جملة تقول: “الماضي لم يمت، بل لم يمر حتى”. بالنسبة إلى جماعة التراث والسينما الكلاسكية، وأنا أحد أفرادها، الماضي حاضر. وإستعادة الأعمال الفنية المهمة مهنة نبيلة، علماً انني لستُ من المدرسة السينيفيلية التي تمنح بعض النوادر من الأفلام قيمةً لا تستحقها. كثيراً ما يقدّمون السينيفيليون على هذه الخطوة، أي التحدث عن أفلام لا يعرفها أحد لضمان ان أحداً لن يخالفهم الرأي.

الفرنسيون ذاع صيتهم بالسينيفيلية وأحياناً من غير وجه حقّ. ولكنهم في كلّ مكان. يتّهمنا الأميركيون بتمييز أشياء متصلة بالصناعة الفرنسية. هذا غير صحيح. نحن منتشرون، وفرنسا بلد فيه نشاط هائل، وهناك تقليد فرنسي في الترحال والبحث. صحيح ان السينيفيلية عادت وولدت من جديد بعد الحرب في باريس، في السينماتيك الفرنسية، على يد هنري لانغلوا و”الأتراك الشباب” التابعين لـ”الموجة الجديدة” ثم عبر مجلات كـ”دفاتر السينما” و”بوزيتيف”، ولكن السينماتيك الفرنسية لم تكن الأولى في العالم.

مهمة حفظ الأفلام شهدت تجديداً مستمراً مع وصول الرقمية والـ”دي في دي”. عندما بدأتُ في الثمانينات، متطوعاً في معهد لوميير، كلمة نادي سينما الذي يقوم على ثلاثية تقديم وعرض ونقاش كانت أصبحت تعني شيئاً مبتذلاً. على رغم ان كلّ المثقفين الفرنسيين الكبار، من أمثال ميشال فوكو وجيل دولوز، مرّوا عبر نوادي السينما. في مرحلة ما، كانت الثقافة تفرض عليهم ان يكونوا قد شاهدوا عدداً من الأفلام. هذا لم يعد موجوداً اليوم. هناك في فرنسا متخصص بالموسيقى الكلاسيكية كان يقدّم حلقات تلفزيونية عنها، وكان يردد دائماً: “يوماً ما سأنال منكم”. وهذه حالنا في السينماتيك، نأمل ان ننال منهم!

في كانّ، نشاهد سنوياً ١٨٠٠ فيلم، أشاهد منها ٦٠٠ تقريباً وعندما أعود إلى البيت أضع أحياناً “دي في دي”. مؤسس سينماتيك لوكسانبور صديق كبير لي، ذات مرة ذهبتُ لجلبه بسيارتي وكان شاهد فيلماً. فوجدته في حالة “ترانس”. اعتقدتُ انني أصحّيه من النوم. كان شيئاً جسدياً. تارانتينو عندما يشاهد فيلماً يتحرك كله. تافرنييه كذلك.

هناك حكايات “اسطورية” عن السينيفيلية الفرنسية: الرحلات إلى بروكسيل. برنار مارتينو وتافرنييه وبيار ريسيان كانوا يركبون سياراتهم ويتوجهون إلى سينماتيك بروكسيل لمشاهدة أفلام لم تملكها غيرها في ذلك الوقت. اليوم، تشتري “كازابلانكا” في محطة وقود على الأوتوستراد. كما نعلم، الندرة تولّد الرغبة، أما الوفرة فتقتلها.

كان لدينا ناقد يُعتبر أكبر متخصص في السينما الفرنسية، من مواليد العام ١٩٢٢، وقد ارتاد السينما عندما كان طفلاً كجميعنا برفقة جدته. ثم بدأ يدوّن كلّ الأفلام التي تخرج في الصالات، ولاحقاً أصبح مؤرخاً كبيراً. عندما كنت التقيه، كنت أحب ان أنظر في عينيه لأنهما عينا شخص شاهد الكثير. اليوم، اذا أراد صبي الإهتمام بالسينما الفرنسية، فلديه ٨٠ سنة من التاريخ خلفه. الأمر بات مختلفاً.

تسألني عن الفرق بين معهد لوميير والسينماتيك الفرنسية؟ انهما شيء واحد ومختلفان في آنٍ واحد. نتميز عن السينماتيك بأشياء معينة، ولكن هم لديهم تاريخ، وهذا ما يشكّل عائقاً أمامهم أحياناً. تاريخم جميل وقوي: تروفو وغودار في الصفّ الأول، أدو كيرو وجماعة “بوزيتيف” خلفهما، وكلّ هؤلاء كانوا يخوضون نقاشات في الخمسينات والستينات. فهناك طريقتان لتعلّم السينما، إما عبر الالتحاق بمدرسة وإما عبر مشاهدة الأفلام. آكي كوريسماكي تعلّم السينما عبر ارتياد سينماتيك هلسنكي. لكن التاريخ العريق للسينماتيك يسحقها أحياناً.

اذا زرتَ باريس فستذهب لرؤية موناليزا، تعلم انها هناك. في كلّ مرة أسافر فيها إلى نيويورك أزور متحف الفنّ الحديث. في هذا المعنى، الآن أعتبر النسخة المرممة لـ”الساموراي السبعة”لأكيرا كوروساوا بمثابة موناليزا.

أفضل ناقد على الاطلاق هو الزمن. لذلك، يجب ان نتركه يقوم بعمله. ولكن، يجب خلق جوّ لجعل الناس يشعرون بثقة تجاه ما يحبّونه. غالباً، الناس لا يجرؤون على اعلان ما أحبّوه. عليهم ان يفعلوا ذلك. في السنة الأولى لانعقاد مهرجان لوميير، كنّا قررنا ان ننشئ فقرة عنوانها “متعة مذنبة”، ثم تراجعنا لأنه في الحقيقة لا توجد متعة مذنبة. ببساطة، لأنه لا توجد ديانة معينة تقول لنا: “هذا جميل وهذا قبيح”. كلّ شيء جيد. ولكن، عندما نحب شيئاً يجب ان نحبّه للأسباب الجيدة، كما كان يقول بيار ريسيان.

في كانّ، يكاد يكون هناك مهرجان ثان في صالة بونويل، مع كلّ الأعمال الكلاسيكية التي تُعرض فيها. أتولى تقديم كلّ الأفلام. على الأقل هنا لا نتعاطى مع أفلام المسابقة، لا نقاش اذا كانت جيدة أم لا. على رغم انني أتذكّر عندما اقترحنا فكرة تقديم استعادة لسرجيو ليوني، عبّر صحافي عن عدم رضاه. فليوني كان متهماً بقتل الوسترن التقليدي وكان يُعتبر سينمائياً زائفاً. لطالما تبنت السينيفيلية الفرنسية منطق المواجهة والتصادم: باسكال بونيتزر، وهو سينيفيلي نهم، يستمر في القول ان ميزوغوتشي أعلى شأناً من أوزو. وان دوفيفييه ليس جيداً والأجدر ان نتحدث عن رونوار. لأن هذا كان خط “دفاتر السينما”، حيث لم يكن بونويل مقدَّراً وكانوا يفضّلون عليه دراير، أما في “بوزيتيف” فلم يحبّوا يوماً سامويل فوللر، لذلك كنت أترجّح بين المجلتين”.

٢ – كانّ: امتحان يكرَّم فيه المخرج أو “يُهان”

“كانّ مهرجان للمحترفين. كانّ هو “جان كوكتو الذي يذهب إلى مشاهدة الأفلام مع محترفين على الكوت دازور”. برلين وتورونتو مهرجانان شعبيان. كانّ يعني ٤٥ ألف حامل بادج. في الأصل، كان مفترضاً ان يُقام في بياريتز، لأن النموذج آنذاك كان: مدينة صغيرة قرب المياه. كالبندقية ولوكارنو. اليوم، صار النموذج المدن الكبرى: برلين وتورونتو، وليون الذي يستقبل ١٥٠ ألف مشاهد.

كانّ صورة فوتوغرافية. كلّ عام نقول، وهذا صالح فقط للعام نفسه: هذه هي السينما. هذا يأتي نتيجة متابعة. الأرض الخصبة للسينما اليوم هي كوريا الجنوبية ورومانيا (لديهم جيل عفوي عظيم)، والمكسيك طبعاً، والمنطقة هنا: لبنان وفلسطين وإسرائيل وتركيا وإيران. هنا تحدث أشياء مهمة.

طبعاً، يوجد تقليد عريق في كانّ، وهو كانّ السياسي، كانّ الذي يقول أشياء معينة. يجب الا ننسى انه وُلد ردّاً على الموسترا. الموسترا وُلد في العام ١٩٣٥، وكانّ في الـ١٩٣٩. كان الموسترا مهرجان الفاشي موسوليني، المحبّ للسينما في المناسبة. جان زي، مؤسس كانّ، اعتبر انه يجب ان يكون هناك مهرجان ضد البندقية. كان يفترض أن يكون لوي لوميير رئيس لجنة التحكيم، لكن الدورة الأولى ألغيت بسبب الحرب. ثم انعقد المهرجان مباشرةً بعد انتهاء الحرب، ومَن فاز في الدورات الأولى؟ أفلام مثل “معركة السكّة” و”ألمانيا العام صفر” و”روما مدينة مفتوحة”. واذا كانت دورة معينة سياسية أكثر من دورة أخرى، فهذا لأن المخرجين أنفسهم مسيّسون.

عام ٢٠٠٤، على أدراج كانّ، قال لي عمدة المدينة: “اذا فاز مايكل مور بـ”السعفة الذهب” عن “فهرنهايت ٩/١١” فسأحمّلك شخصياً المسؤولية عن تراجع الإقبال على الفنادق”. كان كلامه نصف مازح ونصف جاد. هناك فانتازمات كثيرة يرويها الناس عن كانّ. “رجل الحديد” لأندره فايدا نال “السعفة” في العام ١٩٨١. والصحافة، من بين الترهات التي تكتبها، كتبت ان هذه الجائزة أرادها فرنسوا ميتران الذي كان تسلّم الحكم حديثاً. المخرج جاك دوريه وهو من ليون، كان رئيس لجنة التحكيم، فسألته: “هل هذا صحيح؟”. فردّ بـ”لا” قاطعة.

في خصوص التدخّل في الأفلام، أنا أتحدث مع المخرج الذي يتحدث معي (يطلب رأيي)، ولا أتحدث مع المخرج الذي لا يتحدث معي. لا أستطيع الاتصال بالجميع. أما مَن يكون مقتنعاً بأن في حوزته تحفة فنية يريد ان نلتفت لها (لأنه يحصل الاّ ننتبه لفيلم مهم اذا جاء بعد يوم مشاهدة طويل – هذه أشياء تحدث) وطلب مني مشاهدة الفيلم مرة أخرى، فعادةً أستجيب طلبه. أفعله كرمى الناس الذين أثق بهم. في المقابل، لديّ قائمة بالأشخاص الذين لا أثق بهم البتة. فهؤلاء يريدون “بيعي”بضاعتهم. وهناك من السينمائيين مَن يتصّل بي ونتبادل الأفكار. مارتن سكورسيزي هو من الذين يطلبون مني دائماً ان أشاهد أفلامهم. هو حالياً يخرج وثائقياً، وبعث إليَّ برسالة الكترونية هذا الصباح طالباً مني مشاهدته.

قبل سنوات، عندما ذهبتُ إلى مكاتب “وارنر” لمشاهدة “ميستيك ريفر”، لم يكن قد انتهى بعد. شاهدتُ مونتاجاً بدائياً بلا موسيقى ولا شيء. سألني كلينت إيستوود بصوته الشهير، وأنا أهمّ للخروج من الباب: “ما رأيك؟”. فكان عليَّ ان أجد بسرعة أسباب اعجابي بالفيلم. الغريب ان الفيلم لم يتم استقباله جيداً في كانّ، ولكن اعتُبر عملاً كبيراً عندما عُرض في الصالات لاحقاً. تطلَّب مني ذلك خمس دقائق لحسم موقفي، ولكن تطلّب أكثر بكثير من الصحافة.

في المقابل، لا أقرأ السيناريوات. أفضّل ان أكتشف الفيلم بعد انتهائه. فعلتُها مرة لتارانتيو. كان هناك شخص يعمل معنا وهو قارئ سيناريوات لـ”آرتي” والتلفزيون الفرنسي، فكان يقارن دائماً الفيلم بالسيناريو الذي قرأه. كنت أذكّره بأن الناس الذين سيشاهدون الفيلم لا يعرفون السيناريو.

هناك مُخرج كنت أحبّه كثيراً ولا أزال أحبه. انه جون هو. أعاد تجديد السينما البوليسية في الثمانينات والتسعينات في هونغ كونغ. أفلامه لم تكن تُعرَض في كانّ. هل من الممكن اليوم ان نهتم بهذا ونهمل ذاك؟ صار الجميع يعلم كلّ شيء. ما إن ينجز سينمائي شيئاً جيداً حتى يريده الجميع. حالياً، اذا شخص في موقعي فشل في إيجاد “جون هو الجديد”، فهذا يعني انه لا يحسن عمله. نمجّد بكينباه وملفيل اللذين أنجزا أفلام جانر لأنهما ينتميان إلى الزمن ومرّ عليهما وقت. أنا في ودي ان أهتم بمَن يقوم بالعمل نفسه اليوم. قبل سنوات من “شكل المياه”، جاء غييرمو دلّ تودو إلى كانّ بفيلمه “متاهة بان”، وأتذكّر ان لجنة التحكيم لم تكن تعرف ماذا تفعل بهذا الفيلم. كانوا يرون انه خارج سينما المؤلف، وهذا غير صحيح.

عندما أشاهد فيلماً، أبقى حتى جنريك النهاية. في كانّ، أنا الذي أضيء الصالة. أكون دائماً مع التقنيين. هذا كله جزء من رحلة المهرجان. مهمتنا هي ان نجعل الفنّان الذي يأتي الينا، يغادرنا بذكرى طيبة تصمد في الذاكرة. وهذا لم يحدث دائماً. ثمة أفلام في كانّ وُلدت ميتة. الأمر يحتاج إلى الكثير من الشجاعة، علماً ان بعض الأفلام يُعاد اليها الاعتبار لاحقاً. قد تتحوّل المشاركة في كانّ إلى تجربة سيئة كالتي عاشتها نيكول غارسيا مع “بحسب شارلي”، وقد تكون مثل “توني اردمان”لمخرجة ألمانية غير معروفة (المحرر: مارين أديه). حتى الصحافيون ضحكوا! للمناسبة، نجاح فيلم في البندقية لا يعني البتة انه سينجح في كانّ. عذراً، ولكن كلّ شيء أصعب في كانّ. البندقية سهل وهذا الشيء يعرفه الأميركيون. يعرفون انه يوجد صفر خطر على أفلامهم. الإعلام هناك يتحدث أقل عن المهرجان، وله مساحة أقل، وبالتالي يميل إلى تناول أشياء يحبّها. في كانّ، كلّ شيء مسجّل على مدار الساعة. الكارثة التي قد تحلّ بفيلم في كانّ، لا يمكن ان تحدث في أي مهرجان آخر، لا في البندقية ولا في برلين.

نحن في كانّ نتعامل مع جمهور متطلب وصعب، يعرف كلّ تاريخ السينما. ما يبهر سينيفيلياً شاباً لا يبهر كثراً عندنا. وكانّ هو قبل كلّ شيء تظاهرة الفنّ السينمائي، فنّ الـ”ميز ان سين”.

في المقابل، كانّ ليس مسؤولاً عن قلّة وجود سينمائيات منذ مئة عام، ولهذا السبب كان هناك عدد قليل جداً من المخرجات في المسابقة. نُلام، لكننا لسنا سوى نتيجة ولسنا السبب. بالعكس، نحن نتمنى وجودهن. وبما انه لم تشارك الا مخرجة واحدة في مسابقة مهرجان البندقية، فالأخير هو الذي تلقى كلّ الإتهامات هذا العام. تابعتُ هذا، ومن الصعب جداً تقديم شرح. يُقال لنا لمَ لا تريدون مخرجات في المسابقة، ولكن هذا غير صحيح! لا يريدون ان يسمعوا ان المشكلة في الأصل ديموغرافية. أنييس فاردا ومورييل بوكس (هذه الأخيرة نحييها في ليون) كانتا المخرجتين الوحيدتين في مرحلة. في ليون، الجمعيات النسائية تنتقدنا دوماً، ولكن عندما نحيي مخرجة مثل باربارا لودن مثلاً لا تعذّب نفسها بالحضور”.

٣ – المستقبل في ظلّ التحولات

“في السينما شيءٌ من المقاومة. لكنها لم تعد ملكة الغابة. هناك صور أخرى تزاحمها. ومنصّات كثيرة. كما ان الصور باتت خادعة اليوم. هناك جمعية لمصوّري السينما أصدرت عريضة قبل ثلاث سنوات عن رغبة المنتسبين اليها في البحث عن الصورة الأصلية. الصور الأصلية تلك نراها في أفلام لوميير. انها صور يمكن الوثوق بها. ينبغي لنا اليوم ان نبحث عن أفلام Bio. آخر فيلم Bio هو “القيامة الآن” لفرنسيس فورد كوبولا. اذا نظرتَ إلى عدد الطوّافات الموجودة في الفيلم فهو مطابق لعدد الطوّافات التي كانت عند كوبولا. اليوم، يجلس المخرج إلى جانب المونتير ويطلب منه إضافة طوّافات هنا وهناك بالقدر الذي يرغبه.

“نتفليكس” أنهت أخيراً مهامها التي كانت تقتصر على قتل التلفزيون. العام الماضي، استقبلنا أفلامها قبل غيرنا، لنرى مَن هؤلاء، لنقبّلهم ونتعرّف إليهم. كنت مدعوماً من رئيس المهرجان بيار لسكور، ولكن حصل سجال على نطاق واسع داخل مجلس الإدارة، وخصوصاً مع أصحاب الصالات ومستثمريها الذين اعتبروا انه يجب ألا نستقبل “نتفليكس” ولا ندعم هذا النموذج. هنا ينبغي التذكير بهذا النموذج: ١٤٠ مليون مشترك عبر العالم، عشرة دولارات في الشهر، هذا يعني ان في حوزة الشركة قبل ان يبدأ العام ١٦ ملياراً. وليس لديها لا شبّاك تذاكر ولا نقّاد. لديها الملايين تخصصها للابداع. القائمون عليها جدّ أغنياء. ومحبّون للسينما جداً. بالطبع أعرفهم فرداً فرداً. حلمهم؟ كانّ. ونحن أردنا تحقيق حلمهم. فوضعنا فيلمين من أفلامهم في المسابقة العام الماضي، وحدث ما حدث من جانب أصحاب الصالات، وهم محقّون تماماً في موقفهم. فرنسا بلدٌ سينمائيٌ بامتياز. كالحال الآن في روسيا والصين حيث الناس يرتادون الصالات. لذا، فرض المهرجان شروطه على أفلام “نتفليكس” المرشّحة للمسابقة، وهي ان تدخل إلى الصالات. المشكلة ان أفلام “نتفليكس” لا تستطيع دخول صالات فرنسا لأن الأشياء بحسب قانون “كرونولوجيا وسائل الإعلام”، يجب ان تحصل بالتسلسل الآتي: أولاً الصالة، ثم الـ”دي في دي”، ثم “كانال بلوس”، ثم المحطات المشفّرة، ويتوزّع هذا كله على ٣٦ شهراً، الأمر الذي رفضت “نتفليكس” التزامه. خضنا معارك، وكانت معارك جميلة. والآن الصحافة كأنها اكتشفت كوكب المريخ، فأسمع البعض يقول ان البندقية أخذ أفلام “نتفليكس”،وهذا جيّد للـ”أوسكار”. آخر همّي الـ”أوسكار”. أضف إلى أن مهرجانات الخريف كانت دائماً مدخلاً للـ”أوسكار”. البندقية هذا العام أخذ الكثير من أفلام “نتفليكس”، ربما أكثر ممّا ينبغي، لأننا لم نأخذها نحن. سنرى ماذا سيحصل العام المقبل، فالنقاش لا يزال متواصلاً. مع التأكيد انه من الضروري الدفاع عن المشاهدة في الصالة، وفرنسا معروفة بها. بفضل هذا، فرضنا الإستثناء الثقافي. حتى أنا في حيرة: المبرمج الذي في داخلي يرغب في ان يعمل وفق القوانين التي يعمل بها زميله في البندقية. أما رجل السينما الذي تربّى على السينما فمتردد. في معهد لوميير أنقذنا أخيراً ثلاث صالت سينما كانت على وشك الإقفال. ولكن لستُ متأكداً اننا نستطيع غضّ النظر عن حقيقة ان العالم تغيّر كلياً. لدينا قوانين. والأميركيون عندما يذهبون إلى الصين يحترمون قوانينها، فلمَ لا يفعلون ذلك في فرنسا؟

هذا كله يحيلنا على سؤال: ما هي السينما وما هو الإبداع؟ أنا الذي أُعتبر متخصصاً في بروس سبرينغستين ولديّ كلّ ألبوماته في البيت، أرى ان حضوره على المسرح شيءٌ آخر تماماً. وهذا ينسحب على السينما. علماً ان أصحاب الصالات عليهم التجديد وشدّ بعض الذين لم يعودوا يرتادونها. كما كان يقول غودار: “السينما تخلق الذكريات والتلفزيون يولّد النسيان”. للأسف، فيلم صديقي ألفونسو كوارون الجديد سيجد نفسه في شهر كانون الثاني المقبل وقد أصبح شبّاكاً صغيراً بين آلاف الشبابيك على موقع “نتفليكس”. وما إن تنتهي من مشاهدته حتى يقترح عليك الموقع أفلاماً أخرى على “نسق” هذا الفيلم. هذا ما يُسمّى بـ”ألغوريثم”. ذروة الحماقة! مع “نتفليكس” آمل ان تتقاطع طريقنا (ليس بالضرورة في كانّ)، لأنها التجسيد الفعلي لعالم تغير”.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*