شيعة لبنان إلى أين؟

نواف كبارة
النهار
22082017

عند الحديث عن مستقبل شيعة لبنان لا يمكن الا ان يتبادر الى الذهن مجموعة اسئلة تطرح نفسها بشكل طبيعي وتلقائي. اولها لماذا على الشيعي اللبناني التخلي عن مشروع انتعاش الهوية الشيعية في المنطقة وتوسع نطاق الهيمنة والقوة لديه لمصلحة الانتماء الى بلدٍ صغير مثل لبنان؟ لماذا على الشيعي اللبناني ان يقبل التعايش بالتساوي مع افراد باقي الطوائف اللبنانية بينما متاح امامه امكان الهيمنة على كامل لبنان والمشرق العربي؟ ما هي الاغراءات للشيعي اللبناني في ان يتخلى عن هويته الطائفية والمذهبية ويعيش ضمن فضاء شيعي مُعتبر في المنطقة مقابل ان يذوب في مشروع دولة ينتقل فيها ولاؤه من المذهبية الى المواطنة في بلدٍ صغير كلبنان؟ يمكننا ان نطرح هذه الاسئلة نفسها على المواطن اللبناني السني الا ان الاجابة تختلف بين مذهبٍ اسلامي وآخر. المعضلة الرئيسية في مناقشة الواقع الشيعي في لبنان هي اننا نطلق هذا النقاش في وقت يعيش فيه الكثير من الشيعة في لبنان والمنطقة مرحلة اعادة الاعتبار للهوية المذهبية والسياسية للخطاب الشيعي على حساب قرونٍ من القمع والاضطهاد وحيث ينخرط شيعة المنطقة في مشروع سياسي عسكري لقلب موازين القوى لمصلحة الشيعية السياسية على حساب السنية السياسية المهيمنة منذ قرون. ومن هنا فان اهمية لبنان في هذا المشروع هو انه يحضن إحدى اهم القوى الشعبية الشيعية في المنطقة والتي سمحت طبيعة نظام لبنان السياسي لها في ان تتحول الى ان تصبح رأس الحربة في المشروع السياسي الشيعي على مستوى المنطقة. من هنا قد يعتقد البعض (وربما عن حق) ان هذا المقال يأتي في الوقت الخطأ. الا ان مستقبل لبنان كوطن ودولة مرتبطٌ الى حد بعيد بالحركية والخيارات السياسية المتاحة امام الطوائف اللبنانية المختلفة طالما ان الهوية الطائفية لم تزل مسيطرة وان مشروع المواطنة لم ينضج بعد.

وحقيقة الامر ان مشروع الشيعية السياسية يأتي نتيجة تحولين كبيرين حدثا في المنطقة في نهاية سبعينات القرن الماضي. التحول الاول هو في انهيار مشروع القومية العربية نتيجة تخلي مصر عن هذا المشروع في ظل حكم الرئيس انور السادات ومن ثم توقيعها على اتفاق السلام مع اسرائيل مما اخرج مصر من الصراع العربي – الاسرائيلي. وقد استتبع ذلك سقوط دولة حزب البعث في العراق بعد احتلال العراق لدولة الكويت وما تبع ذلك من ضعف ومن ثم انهيار دولة العراق البعثية القومية بعد الاحتلال الاميركي للعراق سنة 2003.

اما التحول الثاني فكان في قيام الثورة الايرانية في عام 1979 ونجاح المؤسسة الدينية الشيعية الايرانية في تثبيت ركائز اول دولة تقوم على حكم اوتوقراطي شيعي منذ سقوط الدولة العثمانية في بدايات القرن الماضي. وكطبيعة كل الثورات التي تقوم على ايديولوجيا معينة، كان من الطبيعي ان يتخطى مشروع الثورة الموقع الجغرافي التي انطلقت منه كون خطاب الثورة هو خطابٌ ديني يشمل في حيثياته قوى شعبية تتخطى الدولة الايرانية لتشمل المسلمين بشكل عام والشيعة بشكل خاص. الفضاء الاول للثورة الايرانية كان الشعب الايراني قومياً. اما الفضاء الثاني فكان الشيعة المسلمين في المنطقة العربية وافغانستان وباكستان (بحكم الجغرافيا) والفضاء الثالث هو الشيعة في كافة دول العالم. اما الفضاء الرابع فهو المسلمون السنة طالما ان الخطاب الذي هيمن على الثورة كان اسلامياً بامتياز. شكل شيعة لبنان رأس الحربة في هذا الاندفاع للثورة الايرانية خارج ايران في المنطقة العربية لاسباب موضوعية طبيعية. اولها ان الخطاب الصهيوني هو خطاب مناقض لمرتكزات خطاب الثورة الايرانية الاسلامي الشيعي ومن هنا اهمية لبنان وسوريا ( الى جانب الفلسطينيين) لانهما يقعان على خط المجابهة الرئيسية مع اسرائيل. ثانيها ان شيعة لبنان، بعكس دولة العراق الذي يحضن احد اكبر التكتلات الشيعية في المنطقة والتي كانت لا تزال يحكمها حزب البعث القومي العربي، هم الاكثر حرية في الحركة السياسية والعسكرية نتيجة لطبيعة النظام اللبناني وواقع الحرب الاهلية التي كان لبنان يرزخ تحتها منذ عام 1975. ثالثهما ان شيعة لبنان كانوا قد شهدوا منذ سبعينات القرن الماضي مجموعة تحولات جعلتهم في كامل الاستعداد للتماهي الايجابي مع الثورة الايرانية. فقد نجح الامام موسى الصدر في السبعينات في نقل الثقل السياسي الشعبي للطائفة الشيعية من هيمنة العائلات والقوى التقليدية الشيعية (اسعد، حمادة، خليل، زين، الخ…) واليسار اللبناني (الحزب الشيوعي اللبناني، حزب البعث العربي، منظمة العمل الشيوعي، الخ…) الى احضان المؤسسة الدينية الشيعية التي اسسها وفرض على الدولة اللبنانية الاعتراف بها مما شكل اول انقسام مؤسساتي بين السنة والشيعة في لبنان. وعلى صعيد الخطاب السياسي، نجح الصدر في نقل الشيعة من تحت هيمنة الخطابات اليسارية الشيوعية والقومية الى بناء خطاب لبناني وطني اصلاحي سمح له بمقارعة القوى السياسية التقليدية المهيمنة. تزامن قيام الثورة الايرانية مع اختطاف الامام الصدر وتزايد القوة الاقليمية للدولة السورية في ظل حكم الرئيس حافظ الاسد. ومع تراجع القدرة السياسية للدولة اللبنانية وغيابها عن جنوب لبنان حيث الاكثرية من الطائفة الشيعية نتيجة للحرب الاهلية والاجتياحات الاسرائيلية للبنان، انقسم شيعة لبنان في الثمانينات بين مؤيدين لسوريا (حركة امل) ومنضوين تحت لواء الثورة الايرانية (حزب الله) وقد دفع التصادم العسكري بينهما في ذلك الوقت الى هيمنة قوى حزب الله على منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت (معظمها شيعة) ومعظم جنوب لبنان. الا ان التحالف السوري الإيراني نظم العلاقة بين الطرفين.

يمكننا اعتبار ان اللحظة الاهم لبنانياً في التاريخ السياسي للشيعة في لبنان هو في فرض انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان سنة 2000 نتيجة المقاومة المسلحة لحزب الله وجزئياً حركة امل. اما اللحظة الاهم عربياً فهي في عام 2006 حين نجح حزب الله في افشال اهداف الاجتياح الاسرائيلي على لبنان وفرضه لاحقاً تبادلاً مهماً للاسرى حرر فيه جميع المواطنين اللبنانيين من السجون الاسرائيلية الى جانب مجموعة كبيرة من الفلسطينيين. وعلى رغم ان حرب 2006 ونتائجها كانت (ولم تزل) نقطة خلاف رئيسية بين القوى السياسية اللبنانية، فانها عربياً حولت حزب الله وزعيمه الى تكتل سياسي يتمتع بشعبية عربية كبيرة (وانا اذكر شخصياً كيف رأيت صورة السيد نصرالله مرفوعة الى جانب صورة الرئيس جمال عبدالناصر في مكتبة المدبولي الشهيرة في القاهرة وكم كانت ايجابية ردة فعل الشعب المصري على هذه الحرب ونتائجها، وكم كان الترحيب بنا كبيراً في المغرب عندما كنت احضر مؤتمرا آنذاك في الرباط نتيجة لهذه الحرب).

لقد جعلت حربا 2000 و2006 من قائد حزب الله زعيماً عربياً كبيراً على المستوى الشعبي. الا ان مجموعة احداث وعوامل وضعت حزب الله والشيعة في لبنان في موقع رأس الحربة في حرب المئة عام بين السنة والشيعة في المنطقة. ويمكن تحديد هذه العوامل بما يأتي:

1- اغتيال الرئيس رفيق الحريري سنة 2005 واتهام اشخاص منضوين تحت لواء حزب الله بتنفيذ عملية الاغتيال من قبل مدعي عام المحكمة الدولية.

2- انطلاق مشروع الربيع العربي وما نتج عنه من انغماس كلي لحزب الله في الحوادث التي تلت من حيث دعمه للدول المتحالفة مع ايران كسوريا والعراق وفي تسليحه للكتل الشيعية في المنطقة من الخليج العربي الى لبنان.

3- بروز الاصولية السنية المسلحة كمشروعٍ سياسي عسكري في مواجهة كلٍ من اليسار والشيعية السياسية (الاتحاد السوفياتي وايران) في الثمانينات بدعم اميركي ومن الدول العربية المحافظة. واذا كانت هذه الاصولية قد تبنت خطاباً سياسياً انتحارياً من حيث إلغائه الجميع ودفعت الى انشاء اكبر تكتلٍ دولي لاسقاطها، فان دور حزب الله في هذه الحرب هو دور الاداة اكثر مما هو دور المقرر خصوصاً بعد تدويل الازمة السورية وازمات المنطقة بكاملها.

بناءً على هذه المعطيات فإن واقع شيعة لبنان يقترب من دائرة الخطر على وجودهم ومستقبلهم السياسي والاقتصادي. وعلى رغم ان الواقع الراهن للدولة اللبنانية يرزح تحت تأثير قوي وفعال لحزب الله في القرار السياسي اللبناني، فان مجموعة عوامل قد تؤدي الى انهيارات كبيرة اذا ما لم يتم تداركها وتبني خطابات الخروج الى مواقع اكثر اماناً واستقراراً. اول هذه العوامل ان المشروع السياسي الشيعي المهيمن يعتمد كلياً على قوة دفع دولةٍ واحدة هي ايران. وعلى رغم ان ايران تبدو دولة صاعدة علمياً وعسكرياً، فان طبيعة نظامها يذكرنا بنظام الاتحاد السوفياتي من حيث تقدم الابحاث العسكرية والفضائية على حساب اقتصاد الدولة بشكل عام والقامع للحريات مما ادى الى انهياره بالكامل سنة 1990. فحتى هذه اللحظة لم يزل القسم الاكبر من الاقتصاد الايراني يعتمد على الموارد النفطية ولم يتعدّ الحاصل القومي فيه عتبة 250 مليار دولار مقارنة مع 800 مليار دولار للدولة التركية (لعدد السكان نفسه ومن دون نفط) كما ان اهم تركيز للابحاث العلمية والمشاريع الصناعية هو في مجالات التصنيع الحربي. كما ان الفسحة الضيقة من الممارسات الديموقراطية تُظهر بوضوح تصويت معظم الايرانيين للاصلاح والتغيير ضد القوى المحافظة. والسؤال الذي يطرح نفسه ماذا سيحدث للمشروع الشيعي السياسي في المنطقة اذا تعرضت ايران لتغييرات سياسية واسعة تحت ضغوطٍ داخلية وخارجية؟ الخطر الثاني هو في واقع الصراع السني – الشيعي. نحن نعرف كيف ابتدأ هذا الصراع لكننا لا نعرف كيف سينتهي. ان التمترس الخطابي القائم في المنطقة على اساسٍ ديني اصولي سني وشيعي لا مخرج له الا بالمجابهة المسلحة. فلا مكان في اي اصولية للرأي الآخر بل هو يقوم اصلا على شيطنة الآخر. فالشيعة بالنسبة للاصولية السنية هم الروافضة اما الاصولية السنية فهي بالنسبة للخطاب السياسي الشيعي الفكر الالغائي التكفيري. الامور تنحو الى انهيار مشروع الدولة الاسلامية الا ان الصراع السني – الشيعي مستمر وسيأخذ اشكالا جديدة.

وكما حدث في اوروبا بين البروتستانت والكاثوليك فاننا نندفع الى حرب المئة عام بين الطرفين ستتداخل فيها قوى كثيرة وتنقلب فيها التحالفات وستمنع القوى الدولية انتصار اي طرف على الآخر بل ستسعى الى استمرارهما في القتال حتى ينهكا نفسيهما. في اوروبا كانت العلمنة هي الحل للخروج من حرب الاصوليات اما هنا فخياراتنا في المنطقة هي الانتحار او الدولة المدنية (يمكننا ان نلحظ خياراً ضعيفاً يقوم على تحالف هذه الاصوليات ضد اسرائيل). الخطر الثالث اقتصادي: فواقع الامر ان الآلاف من الشبان الشيعة اللبنانيين منضوون تحت اللواء العسكري لحزب الله وهذا يعني ان قوة انتاجية كبيرة هي خارج الاقتصاد وغير منتجة مما ينعكس على الواقع الاقتصادي والمعيشي لعائلاتهم ومناطقهم. وعلى رغم ان واقع الخدمات والبنى التحتية قد تحسنت في المناطق الشيعية، فان الواقع الاقتصادي والاجتماعي سيئ ويمكن ملاحظة تكاثر النشاطات الاقتصاية غير القانونية كالمتاجرة بالمخدرات والدعارة والتهريب. كما يمكننا ملاحظة اعادة تنامي قوة العشائر في المناطق الشيعية المختلفة بعد ان ضعفت نتيجة التحولات التي عاشتها الطائفة في الثمانينات حتى اليوم. ان اي ضعف في التقدمات المالية الايرانية لحزب الله قد تؤدي الى مصاعب معيشية هائلة (وهذه امور يعمل كثير من القوى الاقليمية والدولية على تحقيقها). اما الخطر الرابع فهو بروز الشيعية السياسية داخل النظام اللبناني، طالما ان لعبة الطوائف في لبنان تقوم على ان قوة اي طائفة هي دائماً على حساب الطوائف الاخرى، فان هذا التنامي الصاعد للشيعية السياسة سيدفع الى مزيد من ارتماء باقي الطوائف بين القوى المعادية للشيعية السياسية لتحسين المعادلة وبالتالي استمرار عدم الاستقرار الى امكان المجابهة العسكرية (اذا ما ارتأت قوى دولية ذلك).

بناءً على كل ما سبق فان الخيارات المتاحة امام شيعة لبنان تبدو كالتالي:

الخيار الاول هو الاستمرار في نهج الولاء لإيران مع كل ما يستتبع ذلك من مخاطر وصعوبات وهذا يعني ان قيام دولة لبنانية حقيقية هو حلمٌ بعيد المنال كما ان لبنان بكامله هو في دائرة الخطر طالما ان الصراع العربي الفارسي والشيعي السني قائمان. الخيار الثاني هو التخلي التدريجي عن سياسة التدخل الاقليمي والتبعية لإيران في مقابل الابقاء على قوة الشيعية السياسية ضمن التركيبة اللبنانية وتحسين الوضع الدستوري للطائفة وهذا يعني ان لبنان سيبقى دولة المزارع الضعيفة والمهزوزة (ستستمر كل طائفة في سعيها لتغيير المعادلة السياسية لمصلحتها مما يعني حالة عدم استقرار دائمة). الخيار الثالث هو التخلي عن مشروع الشيعية السياسية كاملا والانضواء في مشروع الدولة الدستورية المدنية والمواطنة وعندها ينتقل الخطاب من طابعه المذهبي الى منهجٍ وطني يقوم على المساواة والمواطنة والولاء للبنان كدولةٍ ووطن.

ان تقدم هذا الخيار يتوقف الى حدٍ بعيد على ما سيجري لصراع الاصوليات السنية والشيعية الا ان ميزة لبنان انه باستطاعته ان يكون المنطلق الاقوى ثقافياً وفكرياً لهذا الخيار الدستوري والديموقراطي في المنطقة كما ان باستطاعة شيعة لبنان ان يساهموا باطفاء نار الصراع السني الشيعي بتبني خيار العيش الواحد بين السنة والشيعة على اساس مبادئ حرية الفكر، الديموقراطية والمواطنة. كما ان مشروع الخلافة الاسلامية غير قابل للحياة. فان مشروع الهيمنة الثقافية والعسكرية والسياسية للشيعة في المنطقة هو مشروع حرب دائمة لن تتوقف بين السنة والشيعة. من هنا فان الخروج من دائرة الطائفة الى المواطنة والدولة المدنية قد يكون الاكثر اماناً لشيعة لبنان كما انه يضع لبنان الى جانب شيعته في قلب الحداثة والريادة الفكرية في المنطقة.

ماذا عن سنة لبنان؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*