شيخة حسين حليوى في “سيّدات العتمة”: أنوثة مهدورة وجدران تلوّح بآفاق خفيّة

ياسر اسكيف
المصدر النهار
18072017

كنتُ قد ظننت، لتقصير، أو لكسل ألمّ بي، بأن القصّة القصيرة في كتابتنا العربية قد باتت فنّاً شبه منقرض، لعلّةٍ مهنيَّةٍ، أو لعللٍ تتعدى الجنس منتميةً إلى الاقتصاد الأدبي وأخلاق السوق، وتحديداً ما يتعلق منها بقانون العرض والطلب. وكان للكلفة في الإنتاج دور مؤثر وفاعل، إذ على السلعة أن تُطرح بأقل كلفة ممكنة لتستطيع المنافسة في السوق، وبخاصّة أن الكتابة الجديدة قد بدأت تظهر كممارسة عابرة ٍ للحدود وملغية إياها، وتالياً اختارت الأغلبية من الكتّاب هذا النمط من الكتابة التي تستمدُّ نسغها من السرد، وتقترب في كثير من أنماط بنائها، وآليات اشتغالها، من القصّ، والقصير منه على وجه التحديد. وقد يكون للتراجع الكمي والنوعي في إنتاج القصّة القصيرة ما يتعلق بغياب المناخ الاجتماعي العام الذي كان عاملاً فاعلاً في إنتاجها يوماً. يضاف إلى هذا تأثير الميديا الذي طال كل أشكال الإنتاج الأدبي. ويمكن أن نعطي للطفرة الكميّة في الإنتاج الروائي، من دون التعرض لأسباب حدوثها هنا، دوراً هامّاً في تحجيم الإنتاج القصصي.

غير أن المجموعة القصصية “سيّدات العتمة” للكاتبة الفلسطينية شيخة حسين حليوى الصادرة عن دار فضاءات-عمّان 2015، قد أعادتني لتماس واحتكاك آسِرَيْن مع هذا الجنس الأدبي الفاتن. إذ استطاعت القاصّة، بالرشاقة والحساسية التي تمتّعت بهما، أن تظهر بوضوح انهيار الحدود الصارمة بين الأشكال الأدبية والفنيّة. وجاءت القصص حاملة لملامح الشعر والسينما والتشكيل، بعيداً من السرد الحكائي الذي يُمجّد سرد الحياة المُستبد.

ضمّت المجموعة ستة عشر قصّة، أو سرديّة، عرضت كلّ منها بريبورتاجية بالغة الرهافة محنة امرأة مهدورة بين التوق للكون وثقل القيد الذي يغلّها. فكل النساء هنا يرقات قزّ حائراتٍ بين طور الفراشة وصون حرير الذكورة/الأعراف والتقاليد. وغالبا ً ما يكون قِفلُ الفضاء حاضراً (غالباً القتل/الغياب، أو التغييب) إن هي شاءت الخيار الأول، وإن حدث ونجحت فهي تطير مُخلّفةً عريّاً قبيحاً بعدما قامرت بالحرير الذي كانت الذكورة تأمل الاكتساء به.

من “حيفا اغتالت جديلتي” مروراً بـ “سأكون هناك” و”الحب كلّه حبيته فيك” وصولا ً إلى”فاجرة” و”باب الجسد”، لا تكفُّ نساء شيخة حسين حليوى عن المحاولة للكون ذواتاً تتعرّف بذاتها ضاربة عرض الحائط بكلّ الأعراف التي كرّستها بداوة غاشمة، ولو كان الثمن هو الوجود ذاته، الوجود الذي لا يعني غير الانتفاء. هنّ نساء ملغيات، مقصيّات، محجوبات، وكلّها صيغ لواحد أو أكثر من أشكال الموت. وتالياً يبدو الموت، أو الانتفاء، شكلاً آخر للحياة.

قيَم البداوة (بما تنطوي عليه من قهر وتقييد) وقيَم المدنيّة (بما تنطوي عليه من مغامرة وتردّد) هما طرفا الصراع الذي تعيشه النساء في “سيّدات العتمة”. فالفتاة التي تعاني من إرث البداوة المتمثل في حالتها (بالمساواة بين الجديلة والبكارة) تصرُّ على بتر جديلتها التي تشعر بأنها (إرث بداوة يقصم الظهر) لتتشبّه ببنات حيفا (صرت مثل بنات حيفا أو كدت أصير. صدّقت ذلك أو كدت أصدّقه إلا يدي ما زالت تبحث عن جديلتي فترتدّ كالملسوعة). لم تكن مشكلتها مع جديلتها، بل كانت تلك الجديلة قطعة منها. ولكنها في الوقت عينه قطعة رمزيّة تشير وتضطهد. ومرّة تجد الفتاة نفسها مُضطرّة للكذب وازدواج الشخصيّة، مضطرّة للتشظي والتمزق، كي تكون في مكانين، وفي عالمين، بنفس الوقت (كنت أحتاجه، الكذب، كما أحتاج أن أكون، أن أكون منهم، منهنّ … طوني، جوليا، مها،… أحتاجه كي أتسلّل من خيمة البداوة وأعيش منفاي المؤقت بسلام… أحتاجه كي أقتل القبائل. ص15) الكذب الذي جعل الأم، وهي نصيرتها المتواطئة معها في السر كي تحقق أحلامها وطموحاتها، تساوي بين فعل العار وفعل الكذب، الأم التي لن تصدّق شيئاً من بنتها بعد الآن (إلا بعد أن تنتفي الحاجة للكذب بعد سنوات.)

“علي” قصّة تدور بين رجل يغيبُ طوال الأسبوع ليعود متشوّقاً إلى وجبته الشهيّة/ زوجته وضحى (بعد غياب أسبوع عن البيت سينعم بلقمة طيّبة وامرأة طيّعة ص. 37) وضحى التي تفضّل دوماً شجرة الكينا على شجرة البلوط، مع ما تحمله الشجرتان من بعد رمزي، حيث يرتبط البلوط بالتاريخ والإرث وتالياً بالأعراف والتقاليد، فيما الكينا شجر مستورد وافد وحديث العهد بالمنطقة (تنسحب وتجلس تحت شجرة الكينا…. يراقبها من بعيد وهي تتغيّر ملامحها، تدور حول الشجرة، تلمسها ثم تجلس على الصخرة المُقابلة وعيناها لا تحيدان عن الشجرة. ص 38). غير أن الزوج الذي بات مهموماً بإيجاد تفسير لتعلّق زوجته بهذه الشجرة، وبخاصة أن شكّا ً ما بدأ يداخله حول هذه العلاقة المشبوهة (يدور حول الشجرة وتسقط روحه وهو يقرأ وضحى وعلي حب للأبد…. لم يسألها عن عليّ. ولم تسأل عن الشرّ في عينيه. تقمّصت الموت بهدوء لا يليق بذبيحة. ص39) وكان الزوج يبحث عن عليّ في كلّ عليّ جاء للتعزيّة.

يستمرُّ طقسُ الإهدار الإنساني والإفراط في حصار الروح الباحثة عن فضائها، كما الجسد الباحث عن ابتلاله في هذا الجفاف المريع، ليصل ذروته في قصّة “الحب كلّه حبيته فيك” حيث تتساوى الخطيئة والحب (“ما عندينا بنات يحبّن” تؤكد على تفرّد البنات في الحب وهو نفسه تفردهنّ في الخطيئة والعار. ص 53) والرجال وحدهم يسلطنون على صوت الست وهي تغني (الحب كله حبيته فيك… الحب كله… وزماني كله أنا عشته ليك … زماني كله) الغناء دليل على الحب، والحب صنو العار وعتبة الانتفاء، هذا يعني من يحب يختفي، ومن يختفي هو بالتأكيد كان يُحب (اختفت وردة وتهامست البنات “وردة تحب”) وردة التي كانت تغني بصوتها الناعم (الحب كله حبيته فيك…) والبنات يتجمّعن حولها في بستان اللوز. واختفت دلال ونورا. لكنّ حسنة التي حلمت بأنها تغني، لمجرّد أنها حلمت، فقد قرّرت أن تختفي بمحض إرادتها بحثاً عن مكان (لا ترحل فيه البنت إذا غنّت وأحبت) وأختها الصغيرة التي نسيتها حينما كبرت و(حلمت ببيارة اللوز والشعر الطويل وأم كلثوم تذكّرت أن لها أختاً رحلت تبحث… عن الحب. ص53)

الجسد المهدور دوماً بكيفيّات متعدّدة لا تخطر على البال أحياناً تظهره قصّة “باب الجسد” ببراعة ورهافة يليقان حقاً بجرح ينز كلّ هذا الصديد والقيح. الأب الخائف على ابنته من إغواء السائقين المارين عند أطراف القريّة، خلال ذهابها إلى المدرسة، وعودتها منها، يصرّ على إرسالها إلى مدرسة داخلية تغادرها وتعود إليها مرّة واحدة في الأسبوع. وحجّته الوحيدة في الأمر أن نهديها باتا بحجم (يكفي للفت نظر سائقي الشاحنات… والأم ترى انهما بالكاد يظهران من خلف حمّالة صدرها. ص73) لدرجة أن أمها (كانت توصيها بهمس عنيف أن تقمع نموها حتى تهدأ ثورة الوالد. ص74). وصارت الفتاة لسبب لا تدرك حقيقته تربط بين المدرسة الداخليّة وحجم النهدين، إذ إنها لم تسمع يوماً من والديها أيّ مقارنة تخص بالتفضيل، أو بالتبخيس، المدرسة العادية عن المدرسة الداخلية، لدرجة أنها تسأل صديقتها (ألم يفكر والدك بإرسالك إلى مدرسة داخلية؟ لماذا؟ ما هو حجم نهديك؟ أقصد ما هو مقاس حمّالة صدرك؟ ص74)، وحينما تهرب إحدى صديقاتها من المدرسة الداخليّة مع السائق الذي يجلب الحاجيات إلى المدرسة، ويصل الخبر إلى الوالد فإنه يغلق باب المدرسة الداخلية إلى الأبد وتتساوى عنده كل المدارس… غير أن الفتاة تكون قد (فتحت بابا ً آخر. علاقتها مع الجسد. جسدها هي. ص76)

(سيّدات العتمة لا يعرفنَ. رأفة ً بهنّ. ص94) هي القولةُ الأخيرة في “سيّدات العتمة” كنصّ وكتاب. المعرفة جحيم. يمكن أن أضيف. نعم. المعرفة جحيم.

أخيرا ً يمكن القول بأن القاصّة قد أجادت الانتصار للقصّ الذي يقطع سرد الحياة المُستبد والمُعاد، كما أجادت الانتصار لنسائها بالإضاءة على الخفيّ من عناصر القوّة لديهن. فالنساء هنا، حتى وهنّ مهدورات ومستباحات، فإنهنّ يفرض طريقتهنّ في ذلك، ويحوّلن الموت إلى خيار يُخجلُ الحياة.

(كاتب سوري)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*