شوقي جلال لـ “النهار”: هدفي تغيير عقلية المصري

ياسر خليل
النهار
21072018

شوقي جلال.

هو مثقف من طراز رفيع، يعيش معظم أوقاته في محرابه، بعيداً من الضوضاء والأضواء، يكتب في سكون. ألّف وترجم عشرات الكتب المهمة، التي أثرت المكتبة العربية، وساهم ضمن نخبة من المفكرين والكتاب العرب في كتابة واحد من أهم التقارير الدولية عن حالة التنمية البشرية في العالم العربي، وهو “تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003″، الصادر عن الأمم المتحدة.

دفعه انشغاله بالشأن العام منذ سنوات شبابه الأولى، وحلمه بتغيير العقلية المصرية، إلى ممارسة السياسة، التي قادته إلى المعتقل في عهدين مختلفين، هما عهد الملك فاروق الأول، وعصر الرئيس المصري جمال عبد الناصر، قائد ثورة 23 تموز 1952 التي أطاحت الملك. وخلال هذين العهدين، اعتقل مرة بتهمة الانتماء لجماعة “#الإخوان_المسلمين“، وأخرى بتهمة الانتماء إلى الحركة “الشيوعية”.

ولد شوقي جلال، في 30 تشرين الأول من العام 1930 في أسرة مستورة الحال، والده عامل فني بسيط، لكنه كان مهتماً بالقراءة، ويحرص على تنوع مصادر معرفته، حتى لا يكون أسيراً لتوجه فكري أحادي النظرة. ورث الابن الطموح هذه الميزة عن والده، وطورها، ويبدو أن هذا ما أنقذه من الاستمرار في “الإخوان المسلمين”، وجعله يرفض البقاء مع الشيوعيين، بحسب ما أكد في حواره الخاص مع “النهار”.

مناخ عام

يتحدث جلال بحماسة عن المناخ السياسي والثقافي الذي نشأ فيه، وساهم في تكوينه فكرياً، ويقول لـ”النهار”: “لا استطيع التحدث عن نفسي، فجيلي كله، على الأقل في القاهرة والإسكندرية، عاش في مناخ واحد، وقيم سائدة، وتقاسم رؤيته للكون والعالم، بخاصة من حظي بنصيب من التعليم. تربينا على أننا بلد محتل، والاستقلال كان أولوية بالنسبة لنا، ومن ثم كراهية الاحتلال بشكل عام، وكنا نتصور أن مصر إذا استقلت ستستعيد مجدها التاريخي من أيام مصر القديمة.

في هذا المناخ كانت الروح المصرية التي بدأت تنهض من أيام رفاعة الطهطاوي وأحمد عرابي سائدة. وحين كنا نتحدث عن محمد علي، كنت أقول إنه كان مناسبة وليس سببا في نهضة دولتنا، لأن مصر التي كانت تعنيه، ليست الحضارة والتاريخ، وإنما تعنيه كضيعة يمتلكها هو وأسرته، ويوسعها إذا استطاع. لكنه حين قرر تكوين الجيش، لم يمكنه الاعتماد على المماليك لأنهم كانوا سيخونونه، ووجد أنه من الأفضل أن يعتمد على الفلاح المصري، وهذا القرار من فضائله.

اعتدتُ منذ طفولتي أن أقرأ، لأن جيلنا كان مقتنعاً أن القراءة هي الوسيلة التي تساعد الإنسان على أن ينهض ويصنع بلده، وينقذه من الاحتلال. تعلمت القراءة والبحث في البيت، وكان والدي يسألني مغزى مما اقرأ؟ كان يريد أن يتأكد أنني أفهم المعنى الذي أراده المؤلف، وليس ظاهر النص”.

خداع “الإخوان”

ويروي الكاتب المخضرم قصة انضمامه ثم خروجه من “الإخوان المسلمين”، ويقول: “في الصف الأول الثانوي تعرفت إلى صديق، كنا نلعب معاً كمجموعة من الزملاء، وفي يوم تغيب وعلمنا أنه ذهب لشعبة “الإخوان” في منطقة السيدة عائشة. ذهبنا إليه لنلعب معاً، فاستقبلونا بترحاب، ثم قالوا لنا هيا نصلي، ثم أخبرونا أنهم ضد الاحتلال، وأن هناك رحلات جوالة، وأنا أحب الرحلات والسفر والمشي كثيرا. انضممت إليهم. وفي الحقيقة هم خدعوا الكثير من أبناء جيلي، بأن هدفهم هو طرد المحتل البريطاني، وليس إقامة دولة دينياً كما تبين لاحقا”.

كنت اقرأ بحرية، وتعلمت أن أقرأ كل المتناقضات، لكي اعرف أين الحقيقة. وحدث شيء أثار غضبي لأنني أرفض تقييد حريتي. اشتريت كتاباً عنوانه “الإخوان المسلمون في الميزان”، فقال لي صديقي: هل يمكن أن استعير الكتاب؟ فأعطيته له. وحين طلبته مرة أخرى لأقرأه، لم يرده إلي، وعرفت أن الكتاب قد صودر، وهنا تركت الجماعة في صمت، فقد مست هذه الواقعة وتراً حساساً بالنسبة إلي، فأنا لا أقبل أن يقيد أحد حريتي.

الدين والماركسية

يروى شوقي جلال عن أزمة مر بها مع الدين، وكان حينذاك في العشرين من عمره: “قرأت في تاريخ الأديان المختلفة، وبدأتها من كتاب كان لدى والدي عن تاريخ الأديان، ورغم أنني كنت حينها في “الإخوان المسلمين”، لكنني كنت أمارس الدين الإسلامي بفكر نقدي.

قرأت في الفلك، وفي الفلسفة، وتفكرت كثيرا، وعشت أزمة حقيقية بخصوص الأديان عموما، كنت أشعر بقدر من المرارة، إلى أن صادفتني مقولة للفيلسوف الهندي العظيم ردهاكريشنان ، يقول فيها: “إذا تعالينا على الخلافات الجزئية بين الأديان سنجد أنها جميعاً واحدة، لأن الإنسان واحد”، حينها تجاوزت الأزمة، وشعرت بأنني وجدت الحل.

لاحقا اجتذبتني الماركسية. آمنت أن فيها الحل للمشكلات الاقتصادية، وللعلاقات المختلفة، لكنني في نفس الوقت، عشت أزمة معها، وهي أن الماركسية تعلمني “كذا”، والماركسيين لا يخرجون عن هذه “الكذا”، لذا حين كنت أطالع كتابا وأجد أن كل مراجعه تعود إلى لينين، أتركه على الفور، لأن كاتبه ليس باحثاً موضوعياً، فهو لا يقرأ في نطاق واسع ومتعارض ليصل هو شخصيا إلى قناعاته، ولكنه يقوم بتحفيظي على طريقة الكتاتيب. لقد قررت ترك الماركسية أيضا.

وفي العام 1948 كنت قد اعتقلت بتهمة الانتماء للإخوان المسلمين، وفي عهد عبد الناصر، اعتقلت بتهمة الانضمام للحزب الشيوعي”.

عقلية المصري

ألف شوقي جلال كتباً عدة وترجم العشرات منها، ومن بين كتبه: نهاية الماركسية، ثقافتنا والدائرة المفرغة، التراث والتاريخ: نظرة ثانية، أركيولوجيا العقل العربي- البحث عن الجذور، العقل الأميركي يفكر. ومن ترجماته: بنية الثورات العلمية، تشكيل العقل الحديث، الثورة الخفية قي العالم الثالث، لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة؟

ويقول المفكر المصري: رسالتي منذ بداية مشاركتي في الحياة السياسية، وعملي في التأليف والترجمة، هو تغيير العقل المصري، وكتبي تسعى إلى تحقيق نفس الهدف. لقد غابت مصر منذ أول هزيمة لها على يد الفرس سنة 550 قبل الميلاد.

ماذا فعل الفرس؟ هدموا المعابد. والمعابد تعني مراكز الفكر والثقافة في المجتمع – تخلفا أو تقدما – وأصدروا قراراً بحل الجيش المصري، وهذا يعني أن مصر أصبحت بلا قضية قومية. بالتالي الإنسان المصري أصبح لطيما، ليس له مصادر للفكر تصحح له أموره، ولا من يدافع عنه ويقول له إن لديك قضية قومية، وإنما كل واحد أصبح يبحث بمفرده عما يبقيه حيا.

جاء الرومان، وتعاقب المحتلون، وكلمة مصر والإنسان المصري لم تنطق مجدداً سوى على لسان رفاعة الطهطاوي، قبل هذا كانت مصر – بمعنى القوة الفاعلة المؤثرة – غائبة. كل هذا ترك تأثيره في عقلية الإنسان المصري، لذا كان حلم حياتي وجهدي يهدفان إلى تغيير هذه العقلية.

حركة الترجمة

ويرى المترجم المعروف أنه لا توجد حركة ترجمة في مصر بالمعنى المقصود للحركات الناهضة، لأن تلك الحركات يجب أن تضع هدفاً، مثل أن تتحول الدولة إلى الصناعة، أو إلى عصر المعلوماتية، ومن ثم يتم تحديد ما يحتاج المواطنون إلى تعلمه.

وحين ننظر إلى المركز القومي للترجمة، هذا يعني أن مصر لديها سياسة قومية تسعى إلى تحقيقها، وهذا المركز جزء متمم لهذه السياسة. ما يحدث في الواقع هو أن مسؤولي المركز يجلسون ويقولون، إن هذا الكتاب جيد نريد أن نترجمه، أو هذا الكتاب غير جيد لا نرغب في ترجمته. لا يختلف المركز عن أي دار نشر عادية، بل إنه حتى لا يسأل إن كان هذا الكتاب سوف يحظى بإقبال أم لا، مثلما تفعل دور الترجمة.

أقول بوضوح إنه لا توجد سياسة قومية للترجمة، وقد تناولت هذا في كتابي “الترجمة قي العالم العربي: الواقع والتحدي”. والوحيد الذي تحدث عن الترجمة هو الدكتور طه حسين، لأنه رجل يدرك معنى نهضة مصر، فقال إن الدولة بحاجة إلى ترجمة الكتب، ولأنه كان من الصعب أن يرفضوا طلب قامة كبيرة مثله، فقد اجتمعوا في السبعينيات ورصدوا 500 مليون جنيه لهذا الغرض، والنتيجة… لا شيء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*