شكوك في أن تكفي سنونوة واحدة لعودة اللاجئين

روزانا بومنصف
النهار
01082017

تزايدت أعداد اللاجئين في مخيمات عرسال الراغبين في الرحيل والعودة الى الاراضي السورية في الايام الاخيرة، حتى غدت بضعة آلاف تردد أنهم يرغبون في الذهاب الى ادلب بموجب الاتفاق الذي يرعى إخراج مسلحي “النصرة” من جرود عرسال الى ادلب في سوريا، بما يمثل نموذجا كافيا ربما بالنسبة الى سياسيين لبنانيين يطالبون بعودة هؤلاء الى بلدهم حيث هناك مناطق آمنة حتى بالنسبة الى المعارضين من أجل العودة الى سوريا. لكن بالنسبة الى ديبلوماسيين معنيين فإن سنونوة واحدة لا تكفي لاعلان مجيء الربيع، واللاجئون الراغبون في العودة، حتى لو كانوا بضعة آلاف، إلا أن هناك ما يزيد على مليون لاجىء سوري في لبنان، ولا تؤثر عودة بضعة آلاف الى الحد الذي يعتقده البعض. لذلك إن التوظيف السياسي اللبناني لما يجري على هذا الصعيد سيكون في غير محله أو مبالغا به. ومن المتوقع ان يزداد الضغط سياسيا في هذا الاتجاه، لاعتبارات متعددة ربما، حتى تكون هذه المسألة أبرز الحملات الانتخابية النيابية المحتملة في غياب عناوين مبهرة، ولو ان احدا لا ينكر مدى الثقل الذي ينوء تحته لبنان على هذا الصعيد. ومن السذاجة الاعتقاد أن الوضع الراهن في سوريا ميدانيا يبشر بانتهاء الحرب فيها، فيما يتم السعي الى تثبيت مناطق خفض التصعيد، علما أن لا اتفاق واضحا حول حدود هذه المناطق، ولا آلية مراقبة فعلية حتى الآن. وفيما تردد الدول الكبرى المعنية أن ما يحصل راهنا هو إجراء موقت على صعيد إقامة مناطق خفض التصعيد، فإن الواقع على الارض مفتوح على احتمالات متعددة خصوصا اذا عاد فتعثر إمكان مواصلة التفاهم الاميركي- الروسي الذي كان بدأ يتكرس في هامبورغ بعد أشهر قليلة من الاعداد للقمة الثنائية الاميركية- الروسية في الاردن. والواقع أن عودة التجاذب الاميركي- الروسي على وقع العقوبات الاميركية الجديدة ضد روسيا في مقابل طرد روسيا نحو 750 ديبلوماسيا اميركيا من روسيا، ينذر بتصعيد قد تتردد انعكاساته في اتجاهات متعددة، ومن بينها اهتزاز التوافق الاولي من حيث المبدأ الذي تم حول سوريا، باعتبار أن الحل السياسي لم يرد من ضمن مضامين الاتفاق الذي عقد. فالاحتمالات حتى في ظل استمرار الاتفاق كانت مفتوحة، أولا على تحول مناطق خفض التصعيد، والتي هي مناطق توزيع نفوذ اقليمي ودولي للقوى الفاعلة وصاحبة المصالح في سوريا من واقع موقت الى وضع دائم. وهذا ربما يزيد ويتشدد أكثر من ضمن واقع الخلاف الاميركي- الروسي المتجدد، في حال التسليم بأن اتفاق واشنطن وموسكو كان سيضع الحل السياسي على النار، وهو ما ليست عليه الحال. وهذا الامر لا يجوز الاستهانة به مقارنة بأمر واقع عاشه لبنان إبان الحرب، سواء من الجانب الاقليمي لجهة توزيع النفوذ فيه بين اسرائيل جنوبا وسوريا في المناطق الاخرى لسنوات طويلة، أو بعد عبور القوات المتعددة الجنسية وقوات الردع العربية والوجود الفلسطيني، بحيث يرجح أن يسري الستاتيكو الميداني في سوريا على الواقع السياسي، حتى لو تم التوصل الى حل سياسي. فأي حل ممكن ستحتفظ من خلاله القوى على الارض بوصايتها على النظام السوري كما هي الحال راهنا بالنسبة الى ايران مع معاهدات تربط سوريا على صعد عدة وتتملك مقدراتها، وايضا بالنسبة الى روسيا مع معاهدة وافق عليها مجلس النواب الروسي اخيرا وترمي الى بقاء القوات الروسية في قواعد دائمة على الاراضي السورية لمدة 49 سنة قابلة للتجديد. فالاجراءات التي اتخذت راهنا لمصالح كل الافرقاء الذين يستمرون في تعزيز مواقعهم واوراقهم كما جرى مع جرود عرسال اخيرا، وشمولها من ضمن حصة استكمال المحور الايراني- السوري قد تنذر بتحول هذه المناطق الى مواقع نفوذ دائمة لكل القوى المؤثرة في سوريا. وهذا لا يعني في أي حال عودتها الى أن تكون دولة، ولا ان ما يحصل راهنا هو حل، خصوصا اذا اخذ في الاعتبار استمرار رفض النظام السوري التفاوض على حل سياسي لاعتقاده أنه سيستعيد السيطرة على كل الاراضي السورية ويعيد فرض سلطته وشروطه.

الامر الآخر الذي يستمر يثير الخشية هو ان سوريا، على عكس لبنان الصغير والمتداخل والذي لا يحتمل تقسيما، علما انه شارف هذا الاحتمال ابان الحرب طوال 15 عاما، يمكن ان تقسم تبعا لترسيخ مناطق النفوذ الحالية. ومع أن الدول الاقليمية او الكبرى لا تزال تؤكد وحدة الاراضي السورية، ومنهم من يدفع في هذا الاتجاه، فإن هذا لا يمنع ان يمهد تقاسم سوريا تبعا لمناطق نفوذ متعددة الى تقسيمها واقعيا. وسبق للموفد الدولي ستافان دو ميستورا الذي يحاول أن يبقي مسار التفاوض السياسي قائما في حده الادنى ولو ان القوى المعنية تجاوزت مبادرة الامم المتحدة بأشواط، أن حذر من احتمال تقسيم سوريا. وتستفيد القوى الفاعلة على الارض راهنا من الالتباس والغموض حول توزيع مناطق خفض التصعيد من اجل ان ترسم حدود نفوذها وسيطرتها، وهذا ما يخشى أن ينسف الجهود لحل سياسي يتعثر منذ انطلاقته، ولا أحد يدفع به فعلا في انتظار رسم الفريق المؤثر المتمثل في روسيا الاطار الذي تريده.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*