شكراً…شكري


رشيد درباس
النهار
07082017

بعد تحية الصداقة التي جمعتني بك من خلال زميل دراستك ورفيق دربي النقيب بسام داية، أذكرك بالمهندس “سِنِمِّار” الذي بنى تحفة “قصر الخَوَرْنق” المعمارية، فلما سأله الملك “النعمان” إذا كان هناك أحد سواه يستطيع أن يقيم قصراً شبيهاً، أجابه “سِنِمِّار” بتواضع، لا يا مولاي، فرماه من أعلى السطح لكي يحافظ على فرادة القصر، فذهب المثل السائر عبر العصور ” لقد لقي جزاء سِنِمَّار”. وإنني إذ أشبهك بذلك المظلوم، فلأنك كنت مهندساً أينما حَلَلْت، وما زلت علماً مدنياً، ومدعياً عاماً يحب الموسيقا ويعزف على اوتار القانون ببراعة عزفه على أوتار القيثارة، وتوليت هيئة التشريع والاستشارات بكفاءة الديدبان الذي يحرس قرارات الدولة من الزلل القانوني، وفاوضت الأمم المتحدة لإنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وابتكرت الأفكار بالاشتراك مع الرئيس رالف رياشي، ثم صرت رأس الشورى الذي أولاه القانون ان يفصل في النزاعات بين الدولة والأفراد، فمارست الجحود الحميد والمشرف بوجه الجهة التي عينتك، على غرار ما قاله السيد “روبير بادنتير ” للرئيس فرنسوا ميتران لحظة تعيينه له رئيساً للمجلس الدستوري:

” M.François Mitterrand, mom ami, merci de me nommer president du conseil constitutionnel, mais, sachez que dès cet instant, en vers vous, j’ai un devoir d’ingratitude.”

أرجوك أن تعتبر السطور السابقة أداة وفاء لحقك الشخصي على من ربطتك بهم المعرفة الشخصية أو المهنية، أما بعد هذا فإنني أخصص ما تبقى للتساؤل كيف يمكن ان تستقيم أمور الدولة، إذا كان الأشخاص المولجون برقابة أفعالها يخضعون لسيف العزل والإبعاد وإنهاء الخدمات، بغض النظر عن الإساءة الشخصية، لأن الإساءة هنا تنصرف إلى المستقبل، إذ تصبح آلة الحكم برمتها غير مأمونة إذا جرى تعطيل صِمَام الأمان فيها.

ويجرني هذا إلى التساؤل أيضاً، عن مدى تأثير إنهاء خدماتك على حالة القلق التي تعتري القضاة في الوقت الراهن وشعورهم بأن مبدأ السلطة القضائية المستقلة يسْتَنْزَفُ احترامه بمتوالية سريعة!

إنني وقعت هذه الرسالة بصفتي المهنية، لأشهد أنني لم أشهد محاباة خصصتني بها، رغم علاقتنا الطيبة، ولأذكر واقعة الحوار القانوني الراقي الذي دار بينك وبين أخي الوزير السابق روني عريجي – وزير الثقافة آنذاك – حول مسألة المباني التراثية، وقد كان مسكوناً بِهَمِّ المحافظة عليها، و كنتَ مسكوناً بِهَمِّ ملاءمة هذا مع أحكام القانون، وقد كان اجتماعنا بك للاستئناس برأيك لا للإحتجاج على أحكامك، ولكنني كوزير سابق، بلى ذلك التداخل الممض بين الملاءمة السياسية – او المصالح – وبين أصول الحكم وقواعده، يعيدني أيضاً إلى المحاماة، يوم رافعت امام المحكمة العسكرية وقلت إن من يظن ان قانون العقوبات وأصول المحاكمات، حبر على ورق، يكون قد غفل عن أن النصوص أعمدة الهيكل فإذا تمادت السلطة بزعزعتها، انقضَّ السقف على بعضه.

هذه رسالة قصيرة للمودة، تلوتها على مسمح الوطني الكبير وذاكرة الشعر العربي الاستاذ جان عبيد، فأسمعني بيتاً للمتنبي استحسنت أن يكون خاتمة لهذا الخطاب:

وَقَيَّدتُ نَفسي في ذَراكَ مَحَبَّةً

وَمَن وَجَدَ الإِحسانَ قَيداً تَقَيَّدا

شكراً… شكري… وباسمك وباسمي شكراً للمحامي يوسف فنيانوس…

وأخيراً مثلك لا يدخل في أرشيف الصادر والوارد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*