شعوب العرب وأنظمتها من وهمٍ الى آخر


سركيس نعوم
15122017
النهار

إيمان البعض من اللبنانيين وغيرهم بأن احتكار إسرائيل أميركا ليس نهاية العالم، لأن أمام الفلسطينيين و العرب والمسلمين والمسيحيين في كل أقطارهم ملاعب مهمة يمكن أن يتحركوا فيها بفاعلية لتعويض الضرر الذي أصابهم جرّاء ذلك، ولمتابعة نضالهم من أجل استعادة القدس وحلّ عادل لقضية فلسطين، هذا الايمان في محله شكلاً. أما فعلاً فإنه في المرحلة الراهنة على الأقل، وربما في المستقبل المنظور نوع من الأوهام. فالعالم العربي عندما كان مستقراً بسبب استبدادية الأنظمة الحاكمة على تنوّعها وتناقضها، لم يتمكّن من استعادة فلسطين. وبقي عاجزاً حتى عندما قلّصت طموحاته هزيمة 1967، وبعد “نصر” اكتوبر 1973 الذي يحتاج الى تدقيق كبير من المؤرخين الموضوعيين قبل اعتباره كذلك. علماً أن الشعوب العربية دفعت مختارة من حياتها وأمنها وحرياتها واقتصادها الكثير لأن حكّامها وعدوها بأن ذلك هو الطريق الى تحرير فلسطين، أو الى ما سمّي لاحقاً حلاً عادلاً ثم تسوية الدولتين. والسبب كان فساد الداخل واعتبار الانظمة أنها الهدف الوحيد الذي يجب التضحية من أجله. وكان في الوقت نفسه تواطؤ الخارج مع اسرائيل عليهم ومعهم على دولهم وشعوبهم وثرواتها القادرة على “تحرير العالم” أو على دفعه الى البؤس فيما لو استعملت للغايات الوطنية والقومية. طبعاً بعد الربيع العربي الذي صار عواصف وأعاصير ودمّر سوريا والعراق وليبيا ويستعدّ ربما لتدمير دول أخرى في المنطقة، لم يعد ممكناً اعتبار العالم العربي ملعباً يمكن بواسطته التأثير على العالم. فاستبداد أنظمته مستمر وفسادها مستمر واختلافها الى درجة الحرب المباشرة أو بالوكالة مستمر، وتخلّف شعوبها يتفاقم بعد لجوئها الى الدين يأساً من القومية واليسار اللذين فشلاً في تحرير فلسطين وتحسين حياة الشعوب. وهو لجوء غير صحّي لأنه اعتمد تفسيرات له واجتهادات لا علاقة لها بجوهره، فصار مرادفاً للإرهاب في العالم ومخيفاً له وللمسلمين في الوقت نفسه. والأقسى من ذلك كله أن الأنظمة ساهمت في خلق التنظيمات المتشدّدة التي مارسته، وفي تمويلها، لكنها لم تنجح يوماً في امتلاك قرارها، الأمر الذي أتاح لمعظم الأجهزة الاستخبارية في العالم التدخّل فيها واستعمالها. وأخيراً لا بدّ من ذكر أن المرض الأكبر الذي يفتك بالمسلمين عملياً منذ سنوات هو الانقسام المذهبي، الذي تحوّل حروباً أهلية وحروباً إقليمية والذي سيدمّر في نهايتها أطرافها كلهم رغم أوهام الانتصارات الحالية عندهم.

أما العالم الاسلامي فهو مصاب بأمراض العالم العربي المفصّلة أعلاه. وليس ذلك بمستغرب. فالاثنان عملياً يشكلان جسماً واحداً، والصراع المذهبي يفتك بدوله، والصراع القومي وخصوصاً بين العرب وايران “الفرس كما يسمونها” محتدم، والمذهبية محفّز له، وتحرير فلسطين والقدس هدف معلن للجزءين. لكن واحداً منهماً حقّق بعض النجاحات ضد اسرائيل في لبنان (تحريره بواسطة “حزب الله” من احتلالها)، ويؤكد أنه سيستمر في دعم كل الحركات الفلسطينية والعربية والاسلامية لدحر هذا الكيان الغاصب. أما الآخر فسعى ويسعى الى حل سياسي للأزمة برعاية دولية وتحديداً أميركية. لكنه فشل بسبب تطرف أسرائيل ورفضها وانحياز أميركا إليها. وفشله يتضاعف الآن لأنه يخوض حروباً ضروساً ضد الجزء الأول “الطاحش” عليه في بلدانه وبلدان عربية أخرى، ولأنه وجد نفسه مضطراً انطلاقاً من مقولة “عدوّ عدوّي حليفي” الى الكلام ثم التنسيق الأمني مع “العدو” الاسرائيلي. طبعاً يعتقد البعض أن تحالف مصر والسعودية قد يعيد الى العرب قوة وهيبة. لكن الحقيقة ليست كذلك، إذ أنّ الأولى مشغولة بهمومها الكثيرة الداخلية والاقليمية، والثانية مسكونة بهاجس التخلّص من “التهديد” الفارسي.

ماذا عن الملعب الثالث الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الكبرى؟

الأمم المتحدة عاجزة، فقرارات جمعيتها العامة غير مُلزِمة ولذلك لا تنفّذ، وإن كانت تعزّز معنويات قريبة من الانهيار. وقرارات مجلس أمنها العادية أو التي تحت الفصل السابع مُلزمة لكنها لا تنفّذ بسبب تصارع الدول الخمس الكبرى محتكرة “حق النقض”، وكذلك بسبب تحوّل الدول العربية والاسلامية وقضية فلسطين أسباباً أساسية لصراعها، فضلاً عن تأثير إسرائيل على معظمها لذلك معظمها معطّل. ولا بد أن يدفع ذلك العالم يوماً الى المطالبة بتعديل نظامها أو باستبدالها كما حصل لـ”عصبة الأمم”. أما أوروبا ورغم اتحادها فإنها تبقى عاجزة إلا عن دور الوساطة، وبتكليف من القوى العظمى وأهمها أميركا، وعن استخدام مساعيها الحميدة وأحياناً غير الحميدة لتحقيق مكاسب اقتصادية ومالية كبيرة لاقتصادها وشعوبها.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*