شاه إيران ما زال “حياً”… وقصوره مفتوحة أمام الزوار – صور

رضوان عقيل
طهران
المصدر: “النهار”
24072017

يتوقف الايرانيون باهتمام عند المحطات السياسية التاريخية التي اجتازها بلدهم في العقود الاخيرة والتي كان ابرزها نجاح الامام #الخميني في ازاحة نظام حديدي وبوليسي كان الاقوى في المنطقة وعلى رأسه الشاه محمد رضا بهلوي الذي كان يحظى بدلال مفرط وعناية خاصة من الاميركيين وبرعاية اسرائيلية وتوفي في القاهرة عام 1980. ولم يكن مستغربا انه كان صاحب الكلمة الاولى في الخليج والذي يبقى فارسياً في وجدان الايرانيين سواء كانوا مع النظام ام ضده.

يغلب على أعمار الجيل الجديد من الايرانيين سن الشباب والفتوة وتشدهم اواصر قومية لا غبار عليها وهم لا يعرفون من سلالة بهلوي التي حكمت#ايران طويلا الا قليلاً ويقرأون عنها في كتاب التاريخ مع التركيز على الثورة الاسلامية التي قادها الخميني في العام 1979 والتي ما زالت صامدة على رغم مواجهتها اكثر من امتحان عسكري وامني واقتصادي سرعان ما عرفوا الخروج منه.

ومن يزر قصور الشاه في سعد آباد في طهران ومناطق اخرى يلمس ان تلك العائلة الحاكمة كانت قبضتها متجذرة في تراب بلاد فارس متسلحة بأقوى جيش في المنطقة مدعوماً بجهاز الاستخبارات المتقدم “السافاك”، الا ان كل هذا لم يستطع ان يوفر للشاه محمد رضا بهلوي الامساك بزمام الحكم.

 من يقصد احد قصور الشاه الفخمة في سعد آباد الواقعة في وسط العاصمة يلمس بأم العين فصولا من حياة هذه الاسرة التي كانت تقطن في أجنحة ملكية “مزروعة” في وسط غابة كبيرة من اشجار الصنوبر والشربين وحدائق الورود التي تضفي على المكان مزيدا من المشاهد الجمالية والطبيعية في عاصمة كانت من قبل قبلة لاصدقاء الشاه الذي مارس سياسة الامبراطور في بلاد فارس، ولا ينسى العالم الى اليوم قيام ضباط بتقبيل حذائه في بعض الاستعراضات العسكرية.

وبالطبع فإن السلطات التي حلّت من بعده تعمد الى تسليط الضوء على صورة الشاه من باب اساءة الامانة الى شعبه وعدم اكتراثه بهمومه وحاجاته.

ومن يزر هذه القصور ستحل عليه المفاجأة قبل ان يتجول في رحابها إذ تحولت معلماً للسياح والزوار، وخصوصا مركز المحفوظات الذي يقع الى يمين المدخل ويحتوي على مئات الصور التي تعود للشاه ووالده وزوجاته واولادهم. ويشير بعضها الى قيام الشاه بافتتاح عدد من المشاريع الانمائية والاقتصادية والعسكرية ومنها افتتاحه مصنعا للجلد وشق اوتوستراد في العاصمة . ولمن فاته الامر فإن نظام ما قبل الثورة كان قد بدأ الاعداد للاستفادة من تخصيب الاورانيوم في مشاريع تنمية الطاقة، وهذا يعني ان الايرانيين يطمحون الى المشاريع النووية منذ اعوام مديدة.

لدى الدخول الى هذا المركز نلمس من احدى الموظفات حماسة وهي تتحدث عن الشاه بهلوي، وللحظة يظن الزائر ان الرجل ما زال على قيد الحياة وخريطة الحكم. وتظهر الصور على جدران المركز اضافة الى بعض الرسائل والمخطوطات، محطات ولادة الشاه وفتوته ودراسته عندما كان يمارس رياضة كرة القدم الى حين تسلمه دفة السلطة وقيادة البلاد.

 عند الاطلاع على هذه الصور والتجول في غرف هذا المركز يأتي الرد سريعاً من زميل لبناني اعترض على تسليط الضوء على هذه الوقائع من تاريخ الشاه. ويأتيه الجواب من موظفة: “نحن لا نستطيع ان نطمس هذه المحطات من تاريخنا الحديث”. وتسأل “النهار” هذه الشابه وهي من مواليد ما بعد الثورة عن شعورها بمسيرة الشاه وما خلّفه. يأتي جوابها بالتشديد على انها مع النظام القائم في الجمهورية الاسلامية “لكنني في مرات عدة اسأل نفسي لماذا حدث كل هذا في بلدي”، ليتدخل شاب على الارجح انه عنصر امني ويتحدث مع الفتاة بالفارسية فترد بعد الشرح الذي قدمته: “انا في النهاية موظفة هنا”. وهي تعمل مع مئات من العاملين في وزارة السياحة في اقسام هذه القصور.

وثمة متحف في محيط القصور يجمع عددا من اللوحات القديمة لفنانين ايرانيين كبار تروي جزءا من مسيرة شعب مكافح استطاع الحفاظ على هويته وتراث اجداده. وعند المدخل كان تمثال ضخم لوالد محمد رضا بهلوي، الا انه بعد نجاح الثورة جرى قطعه ولم يبق منه الا قدماه في دلالة على ان الطغاة لا يبقون ولا يستمرون في الحكم عندما يمارسون الظلم ضد شعوبهم. ويفاخر الايرانيون بانتصار ثورتهم وصمودهم وان اختلفت شرائح كبرى منهم مع الحكومات، لكن بوصلة المرشد تبقى الميزان الذي يدير سياسة البلاد. وحافظت الدوائر المعنية في وزارة السياحة وبلدية طهران الناشطة على قصور الشاه وما كانت تحويه الغرف والقاعات بدءاً من الاكواب على طاولات الطعام الى اللوحات التي تزين الجدران والزخرفة التي لا تزال تحافظ على نضارة الوانها التي لا تمحى. قاعات الاستقبال الملكية والصالونات لا تزال على حالها، اضافة الى مكتب الشاه والادوات الموجودة على طاولته من اقلام واوراق الى علم ايران السابق يتوسطه أسد . وخلال التجول في هذا القصر يشدك الجناح الخاص الذي يعود لزوجة الشاه الاريستوقراطية الشهيرة الامبراطورة فرح ديبا حيث سرير للاستراحة في هذه الغرفة الواسعة وتقع قبالته طاولة ومجموعة من المرايا وادوات التجميل والتزيين التي ما زالت تحمل بصماتها الى اليوم.

 وتستقبل الدولة في بعض هذه الاجنحة كبار الرؤساء والقادة في العالم وتكرمهم فيها . ودرجت الامور عندنا في الشرق ان يتربع المنتصر او من يصل الى الحكم في قصور الحاكم الراحل، الا ان الامام الخميني لم يمض ليلة واحدة فيها وهذا واحد من اسرار هذا الرجل الذي ما زال يحكم ايران بالحبر الذي خطته ثورته.

Radwan.aakil@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*