شاعر وثلاثة مسرحيين: تحية إلى عصام محفوظ

مجد بو مجاهد
النهار
07122017

كان عصام محفوظ يتقن فن الرحيل، تاركاً أمجاده ليمضي في سبيله. هجر الشعر على غفلة. تركه وحيدا في دواوين، بعدما ارتشف فيه ومنه ترياقاً يفيض بما يريد الشاعر قوله. خاواه ثم ألقى عليه سلام الوداع. يومها كانت قد أغوته الخشبة حتى الوفاء الكليّ، فترك ماضيه في جرّار ومضى خلفها. أعلن هجره الشعر نهائياً إلى لغة تعبير جديدة، هي المسرح، بعدما تركت قصائده بصمة في عزّ الحداثة الشعرية: “أشياء ميتة”، “أعشاب الصيف”، “السيف وبرج العذراء” و”الموت الأول “. كتب محفوظ جميع مسرحياته باللغة المحكية اللبنانية. “الزنزلخت”، “الديكتاتور”، “لماذا رفض سرحان سرحان ما قاله الزعيم فرج الحلو”، “في انتظار غودو”، “القتل”، “كارت بلانش”، هي أبرز أعماله التي احتفلت بها الخشبة اللبنانية.

كانت الأقدار سخية معه. حتى إنها خلعت ثوبها أمامه وقدّمته له سنة 1970. بدأ حينها في صحيفة “النهار” بتحرير صفحة اسبوعية تظهر كل يوم سبت، استمرت 27 عاما. ثم عمل أستاذا للتأليف المسرحي في الجامعة اللبنانية. لكن محفوظ الذي لا يخاف شبح الفراق، هجر المسرح، حبيبته الثانية، ومضى سنة 1975 حين اندلعت الحرب. خاب الرجل وانصرف في رحلة الى باريس لم تنته إلا بعد 6 سنوات. فقد خلال ذلك الإيمان بإله المسرح وبقدرته على خلق المعجزات عقب تجربة الحرب. لكنه كان يعود الى الصلاة في مسرحياتٍ قصيرة. أقام بعدها علاقة ثالثة مع الدراسات الأدبية والكتابات النقدية، مقدّماً مجموعة من الكتب الحوارية. وفي أواخر 2005، عذّب عصام الشعر والخشبة مجددا بعد اكتمال الغيابَيْن، حين أصيب بجلطة دماغية وشلل نصفي أديا الى وفاته، هو المتقن فن رمي سلام الوداع على غفلة.

لن تنقضي سنة 2017، قبل أن ترسم آخر أيامها تكريما لعصام، في معرض الكتاب في البيال ببيروت. هو الباقي في شهادات من أبصروه قدوةً الى جانب أثر أعماله. بالنسبة الى رفيق على أحمد أحمد، لا يزال عصام يحلّق على أطراف المدينة والبلاد. رفعت طربيه العاتب ينتقم منه حباً. عباس بيضون يغوص في عقله العصي على الموت. وشكيب خوري لم ينس لقاء الاذاعة اللبنانية. من هؤلاء طيب الكلام الى عصام محفوظ.

رفيق علي أحمد

في مسرح صاحب تجربة الفصحى العامية سياسة في قلب السياسة ومجرى الأحداث. لغة حسية تكشف الروح الطاهرة والقذرة للناس. لغة تشبه كاتبها الراكض خارج الذاكرة العربية. حاول غسل المسرح من الوهن والبكاء ورغبات الحكام. يروي حكايات التردد والوصولية والقمع والانقلابات على السلطة والذات في السلطة. عصام محفوظ كائن سياسي. التهمه القلق. ابتاع لنفسه الكثير من التبغ والكحول لأنه الأدرى بإرهاق الحبر للكتّاب القلقين. نص عصام محفوظ بيان يتلوه ثائرٌ أدرى بكل جرائم الجنرالات والأنطمة السياسية. اهترأ قلبه في سياسيات سياسته. سياسات من يسوسهم. لا يزال الكاتب المسرحي من أولياء المسرح في لبنان والعالم العربي. لا يزال بكامل حيلته يحلّق على أطراف المدينة والبلاد.

رفعت طربيه

في بداية السبعينات برق اسم عصام محفوظ. وكان رفعت طربيه يومها طالبا مدرسة بيروت للمسرح الحديث. وفي عالم المسرح، عصام الكاتب والناقد وأحد روّاد مجلة “شعر”، وفي عالم المسرح رفعت الطالب الجديد. كان رفعت يودّ لو ان عصام محفوظ ينعم عليه بلفتة، لكن عصام كان محجما متطيرا، وجهه لم يكن يضحك للرغيف الساخن. أكثر من مرة حاول رفعت لكن من دون جدوى التقرب من هذا الرجل. عصام وجد في رفعت انه قد يكون مُخبِراً لجهة ما. لذلك عن سابق تصور وتصميم قال رفعت لنفسه “فالج لا تعالج”. دع الابداع المحفوظي، ولا تحاول الاقتراب من وكر دبابيره. عندها استقام المقام.

عصام محفوظ: أنت أيها الشاب، أخبروني عنك، لماذا تتجاهل وجودي؟

رفعت: شرفٌ لي التحدث اليك، وقد حاولت أكثر من مرة وكنت تردعني.

عصام: أنا بصدد تجميع بعض ما كتبه شوقي أبي شقرا، وستصدر عن ذلك مشهدية مسرحية، أود أن تكون من فريق عملي.

مضت الأيام، وقول الليل يمحوه النهار…

عصام محفوظ يبقى ناقداً له كل التقدير، وشاعراً مبدعاً، وأهم ما فيه كتاباته المسرحية. وفي تقديري أنه وريمون جبارة أعطيا الخشبة اللبنانية زخماً غير مسبوق.

عباس بيضون

كان عصام محفوظ بالتأكيد من أهم اللبنانيين. كانت معرفته بالأدب الفرنسي والثقافة الفرنسية ككل، معرفة وافرة ودقيقة. وهو بالتأكيد بين أبناء جيله كان من القلّة الذين يملكون عقلاً منهجياً. لذا كان نقده الأدبي اجمالاً متأثراً ليس فقط بمعرفته الكثيفة، ولكن أيضاً بعقله المنهجي الذي يمكن ان نقول فيه إنه استعار من الماركسية التي كان ثرياً منها. ولا شك أن شعر عصام محفوظ الذي يداوم على الشعر كان ذا رؤية مستقبلية، لكنه في الظاهر لم يكن كثيراً بمعرفته الشعرية. فتوقف عن الكتابة الشعرية وانتقل الى المسرح الذي يمكن أن نلاحظ فيه (في مؤلفاته المسرحية) العمق الثقافي ذاته الذي وسم أعماله النقدية والشعرية أيضاً. ففي مسرحياته يمكننا ان نلاحظ تأثير ما سمِّي بمسرح العبث أو اللامعقول. لكنه في مسرحه هذا كان أكثر ميلا الى التناول السياسي متأثراً في ذلك بسياسيي مسرح اللامقعول.

شكيب خوري

عصام بمثابة المرحلة الأهم في الحياة الثقافية والشعر والمسرح. كان ينبض فيها بالشعور القلق، بانسان يعيش الأرق وقلق الابداع. لا أزال أذكر يوم أعطى المسرح أول عمل مسرحي له، “الزنزلخت”. قدّمه آنذاك على خشبة مسرح عين المريسة. وكان قد زارني في دار الاذاعة اللبنانية في مكتبي. حمل معه ظرفا وفي داخله مسوّدة “الزنزلخت”. قال لي تفحصها. كلها كانت خربشات وملاحظات. وعندما غادرنا عصام ترك اللبنانيين كابن الثقافة لأنه كان ينقل كلّ حديثٍ في العالم ويستحدثه فينقله عبر صفحات “النهار” الثقافية. ولم يكن يكلّ. بل له مقابلات مع كبار الشخصيات الثقافية من العالم العربي والغربي. انطلق في أواخر الستينات مع الحركة المسرحية في لبنان. كتب مسرحيات عدة وكانت علاقتي به علاقة الصديق، وكنا نلتقي في المقاهي. كان عصام يحب لعبة الروليت الروسية، وحياته كانت أشبه بمغامرة، كما اللعبة التي أحبّها. كان لاعبا يراهن على كلّ شيء. هو الصحافي المجتهد، كان توأم الرهان على لعبة العيش: الحياة ـ الموت. عصام ترك أثرا ثقافيا وفكريا. هو شاعر ثم مسرحي ويستحق كل تكريم. عصام اشتقنالك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*