شارع المتنبي بين بغداد وبيروت

هنا لبنان
23072017

في بغداد ، شارع المتنبي شارع الكتب بيعا ومشترى ومطالعة. شارع المثقفين  والملتزمين والمدافعين عن حقوق الإنسان

عجز كبار الأدباء من تقصي أي معلومة تشرح فعلياً أسباب تسمية هذا الشارع باسم شارع “المتنبيط، أعظم شعراء اللغة العربية وأكثرها تأثيراً في لغتنا الفصيحة. أثار الأديب اللبناني فؤاد سليمان هذا الواقع متسائلاً: “من وضع المتنبي الكبير في مثل هذا المكان الصغير الموبوء؟ وماذا يفعل هذا الشاعر العربي النبيل في هذا الشارع -القاذورة؟ انقلوا هذا المسكين من هناك…

واللافت أنه، ووفقاً للروائي الياس الخوري، “إن حكاية المتنبي مع الشوارع التي تحمل اسمه مثيرة للريبة، من شارع في حماه كان سوقاً للأحذية، إلى شارع المكتبات الشهير في بغداد، إلى شوارع في القاهرة والرياض والكويت، وهي في أغلبها لا تمت بأي صلة لشاعر اللامية الشهيرة التي تحصن خلفها أبو العلاء: “لك يا منازلُ في القلوب منازلُ”.

في لبنان كان هنالك شارع باسم المتنبي. تسكنه أميرات أقدم مهنة في العالم. اتين من دمشق وحلب  وآثينا ويافا وغيرها من المدن الفلسطينية المنكوبة. أما أميرة أميرات ذلك الشارع التاريخي
الأثري  العريق الذي أطاحت به وبأميراته الحرب،  فكانت ماريكا . منهم من يقول أنها من عائلة سبيريدون، اليونانية الأصل، كانت سيدة شارع المتنبي أو سوق البغاء الرسمي في بيروت. ويقال  أيضا إنها كانت تذهب إلى قداس يوم الأحد في الكنيسة الأرثوذكسية وإنها أهدت إحدى أجمل الثريات إلى الكنيسة.

كيف تمكنت من الوصول الى “سدة” هذا المركز؟ ذكر بعض المواطنين، الذين سمعوا عن ماريكا أو عاشوا في زمانها، أنها تمتعت بجمال خارق، وتمكنت من تملك زمام الأمور بعد وفاة صاحبة المنزل الذي كانت تعمل به كفتاة من بنات الهوى. اللافت انها تمكنت بعد أعوام عدة من شراء المبنى بالكامل، وحولته الى فندق، وواظبت على إدارة اعمال الدعارة فيه، التي كانت تمارسها بنفسها، واضعة لنفسها تسعيرة أعلى من العاملات معها.

لكن الحرب دمرت شارع المتنبي بكل ما فيه . حتى ماريكا   ماتت وحيدة ومعزولة في منـزلها الصغير في فرن الشباك. الأميرات اللواتي قسى عليهن القصف وانقطع عنهن الماء والغذاء واكتسحهن المرض فقد لملمهن خادم  رعية مار مارون وأسكنهن غرفا في جوار الكنيسة.

في أحد الأيام ماتت أميرة من أميرات ذلك الشارع!  وكانت من المارونيات  فصلّى على جثمانها بشجاعة لا توصف المطران مبارك مطران بيروت. حار الناس في أمرهم وأمر المطران!  ودار السؤال،  ماذا عساه يقول؟  وشهدت ساحة البرج جمعا غفيرا.  أما المطران ،  فاستهل الرثاء  ،أجل الرثاء،  ب “من منكم بلا خطيئة فليرجم هذه المرأة بحجر” ! وكأن على رؤؤسهم الطير  صارت الجموع الغفيرة كلّها غفورة

المطران مبارك وإن شَغَل الناسَ بمواقفه السياسية  فانقسمت حوله الآراء،  أجمعوا على قوة شخصيته وصراحة قوله.

ليس من قاسم مشترك بين الشارعين سوى اسم ذلك الشاعر!  وليس من عبرة سوى أن المغفرة فن لا يتقنه سوى الكبار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*