سينما فاتن حمامة.. ملمح من تاريخ ثقافي انتهت مراسم إعدامه

كمال القاضي
Jul 31, 2018

بدأت مسيرة الفنانة والنجمة فاتن حمامة وهي طفلة، من تاريخ إنتاج فيلم «يوم سعيد» مع الموسيقار محمد عبد الوهاب قبل أكثر من نصف قرن، ولكن المسيرة التي بدأت بالسعادة، لغة ومضموناً لم تكن كذلك في نهاية المشوار، حيث الحفاوة التي ظلت تنعم بها الفنانة الشهيرة طوال حياتها بددتها الرؤى الفنية الرجعية، التي ركّزت في أوجه الاستفادة من الموقع الإستراتيجي لدار العرض
السينمائية التي حملت اسمها واشتهر بها حي المنيل كله.

وفور الانتهاء من دراسة الجدوى للمشروع المزمع إقامته على أرضها بدأت معاول الهدم ومعدات الاجتياح الثقيلة تسوي المبنى العريق، العتيق بالأرض، في استعراض مفرط لقوة الجهل، التي لم تستطع القوة الناعمة مواجهتها، رغم الحديث الدائم عن أهمية الفنون والآداب كلغة حديثة تصنع المعجزات في تغيير الشعوب والمجتمعات.

لم تتدخل وزارة الثقافة للحيلولة دون هدم السينما، المكان والرمز والتاريخ، بينما تم كل شيء في هدوء مريب ووفق الخطة المرسومة والمعدة للتنفيذ، اللهم غير صيحات المثقفين التي لم تفلح في إنقاذ المبنى ولم تؤجل عملية الهدم ليوم واحد، وكالعادة كانت المبررات العقيمة من جانب المسؤولين ومؤيدي مشروع التبديد والهدم، هي ما تصدر الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، لتهدئة الرأي العام الذي فوجئ بما حدث وانتفــــض دفاعـــاً عن القيمة الأدبية والمعمارية وصورة التاريخ الفني المجسد في المعنى الإنساني والثقافي والحضاري للصرح القديم، الذي طالما ارتادته الملايين من عشاق السينما المصرية والعربية والعالمية، وطالعوا من خلاله إبداعات النجوم الكبار، وعلى رأسهم الفنانة صاحبة الامتياز الفني وعنوان المكان والزمان والأصالة.

فاتن حمامة الحاصلة على الدكتوراه الفخرية من كبرى الجامعات، كواحدة من رواد الفن والفكر، ورمز من رموز النهضة الثقافية العربية والشرق أوسطية، ليس منطقياً أن يرفع اسمها وتصبح نسياً منسياً، وهي من هي، قيمة ووعياً وتاريخاً فنياً مديداً، طافت أفلامها دول العالم قاطبة، وحصلت على مئات الجوائز والأوسمة والنياشين والدروع وشهادات التقدير.. فاتن حمامة بطلة «دعاء الكروان» و«الحرام» و«أغنية الموت» و«أريد حلاً» و«الحب الخالد» و«الباب المفتوح» و«امبراطورية ميم» و«أفواه وأرانب» و«ضمير أبله حكمت» و«وجه القمر»، فاتن الثراء والتنوع والإقناع، هي ذاتها كل المفردات الفنية والإبداعية، الاحتجاج ليس على هدم المكان وحسب، وهو العلامة الجغرافية والتاريخية، لكنه رفض لسطوة القوة الضاربة في العمق الثقافي، رفض لانهيار منظومة الفكر والإبداع أمام حيتان البيزنس والاستثمار الجائر على القيمة والجمال وأمارات الرقي والتحضر واحترام المشاعر والأحاسيس والوجدان.

من ينظرون لسينما فاتن حمامة بوصفها مجرد دار عرض ينقصهم الكثير من الوعي العام، ويفتقدون لبديهية التمييز بين الصرح الثقافي التاريخي ومحل الإسكافي، من يبررون هدم السينما بأنها ليست ضمن المباني المسجلة أثرياً هم زمرة من موظفين غير مؤهلين ليكونوا قيمين على الثقافة، ولا يقدرون الأشياء الثمينة حق تقديرها، فتغليب التجارة على الحضارة هو محض جهل خليق بأهله، ومن ابتدعوا شريعة التخريب والهدم وأفسحوا للكراكات والجرافات طريقاً للوصول إلى المنارات، لتكون أثراً من بــعد عين، بعد أن كانت شواهد على كنوز تكونت بجهود أصحاب المواهب عبر أزمنة وتواريخ وحقب ومدارات عديدة، كانت حرية الإبداع فيها عنواناً رئيساً لمراحل النهضة والتثقيف والاتفاق والاختلاف حول قضايا الوطن والمواطنين، الهوية والهواية والتميز والابتكار، فتلك عناصر التكوين السوي للشخصية المبدعة القادرة على مواكبة إيقاع العصر، المحصنة بالمعرفة كسلاح وقائي يحمي من الجــهل والركود، ويدفع قاطرة الوعي للأمام فينعم المجتمع بالاستقرار والرفاهية، بدون أن تعد رفاهيته ذنباً مقترفا يستوجب المحاسبة والتعذيب.

٭ كاتب من مصر

كمال القاضي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*