سيلمايات! طرابلس: انتهى العرض

 تصوير علي حشيشو
مظلومة طرابلس. كثر لم يبلغوا أمجادها قبل الحرب الأهلية، وألصقوها حصراً بالفقر والحرب وتداعياتهما. الأحداث التي مرّت على «البلد»، منذ الثمانينيات، لم تمح من ذاكرة أهلها الحراك الثقافي والفني الذي كانت تتميز به المدينة. في ليالي الشمال الحزينة، يشحن الطرابلسيون حاضرهم من الذكريات، فيما دور السينما التي عرفتها طرابلس قبل أن تعرفها بيروت، كلها أطفأت أنوارها
آمال خليل
الأخبار
10072017

لا صعوبة في الاستدلال على دور السينما في طرابلس. كأن الصالات الأربع والثلاثين التي انتشرت في قلب طرابلس والميناء لا تزال تستقبل روّادها. بسهولة، يسرد الكبار مواقعها ومحتوياتها والأفلام والمسرحيات التي عرضتها. حتى صغار السن، علق في أسماعهم جزء من ذلك الزمان.

الصعوبة كانت في الوصول إلى أصحابها. أما الأصعب فكان البحث في إعادة تشغيلها. قرر الفنان قاسم إسطنبولي نقل تجربته من صور والنبطية إلى الشمال. ترميم دار سينما قديمة وإعادة تشغيلها في محاولة لاستعادة العادات المجتمعية في الأطراف بعدما وضعتها «الأفكار الطارئة» على حافة الزوال.

 من شارع سوريا، قبالة جبل محسن، نحو أزقة باب التبانة للبحث عن سينما «الأهرام»، لا توحي الأمكنة بالفن. مبانٍ متهالكة وورش صناعية ومسالخ دجاج وملاحم وشوارع مهملة وممرات تغطيها الأوساخ ومياه الصرف الصحي المتسربة. يلفت أحد السكان إلى أن المنطقة قبل عقود «كانت كلها جنينات تروى من النهر القريب (أبو علي). التبانة كان اسمها سوق الذهب بسبب المعيشة التي كانت مثل الذهب قبل الحرب في محور الطريق إلى سوريا وبيروت». لا شيء يدل على أن السينما تقع في ذلك المبنى الزهري المتهالك في الزقاق المكتظ. في طبقته الأرضية «فبركة» لصناعة المفروشات. الباب المؤدي إلى الطبقات العليا مقفل بإحكام.

علي حشيشو

يبادر العجوز، صاحب «الفبركة»، لمساعدتنا. أبو زهير (84 عاماً) يعمل هنا منذ الخمسينيات. الوزير السابق محمد الصفدي يملك المبنى منذ سنوات. فتح الشاب المكلَّف حراسةَ المبنى قفل الباب واصطحبنا إلى طبقتين علويتَين كانت تشغلهما السينما. سلكنا درج الطوارئ لأن المدخل الرئيسي للمبنى ألغي. ظلام وردميات على الدرج وتشققات في الحيطان. الضوء المتسلل من النوافذ الواسعة يكشف صالة لا تزال على حالها لولا الغبار والحشرات والردم الذي استباحها. كشك بيع المكسرات والبوشار والترمس والسجائر «بالمفرق بسبب الفقر»، بحسب الشاب، لا يزال صامداً. غرفة تشغيل الأفلام على الفحم الحجري وبالكهرباء لاحقاً. شرائط الأفلام وملصقاتها ملقاة على الأرض. الفئران نالت من بعضها. بسعادة غامرة، يقلب أبو زهير الـ«أفيشات»: «شوفوا صباح ونبيلة عبيد وفريد شوقي وفريد الأطرش وأوودي (إيدي) مورفي وآل باتشينو و(…) كلهم حضرت أفلامهم هنا». في زاوية خلفية، فتحت كوّة كبيرة في جدار حوّلت «طلّاقة» لإطلاق النار خلال الأحداث الأخيرة بين التبانة وجبل محسن: «ألم تسمعوا على التلفزيون بمحور الأهرام؟»، يسألنا الشاب. السينما صارت محوراً عسكرياً.

في الزقاق المقابل للمبنى، يكمل علي طيطا خريطة «السيلمايات» (بالتعبير الطرابلسي) في التبانة. يدلنا على اتجاه سينما «ستاركو». يذكّرنا، أيضاً، بـ«محور ستاركو باتجاه جبل محسن». «الأهرام» و«ستاركو» و«دنيا» و«الأندلس» والـ«بيكاديللي»، كلها «سيلمايات ــــ محاور»!. الزقاق الخلفي في التبانة معروف بالـ«بيكاديللي» نسبةً إلى صالة السينما الأكبر في لبنان (900 كرسي) التي أقفلت مع بداية الحرب الأهلية. حالياً، تحوّل مدخلها إلى محل لبيع الخردة وتصليح الأجهزة الكهربائية.
«أترغبون في عودة السينما؟» سألهم إسطنبولي. «لا شيء سيعود كما كان. التعصب الديني خرب كل شيء»، حسم أبو زهير. أما حارس السينما، فلا يعنيه أن تعود. «همّ المعيشة أكبر. أشاهد أحدث الأفلام بألفي ليرة على دي في دي في البيت». أما طيطا، فيلفت إلى أنه «ما عاد في سينما. تدفّينا على الكراسي الخشب عندما كنا نقاتل».
«السيلما جارتنا»، يقول ماسح الأحذية المتمركز قرب مقهى فهيم في ساحة التل. يشير بيده إلى ما بقي منها حول ساحة النجمة: «أمبير» و«سميراميس» و«النجمة» (…). «كل العالم كانت تتفرج على السينما. كانت هناك صالات مخصصة للعائلات وأخرى تخصص عرضاً للنساء». من التل والتبانة إلى الرمل، وصولاً إلى شارع عزمي والميناء، كانت تزدحم دور السينما التي افتتحت في ساحة التل أولاً قبل بيروت أو غيرها. صالات التل عمرانياً لا تزال قائمة.

علي حشيشو

يملكها متمول من أبناء التبانة عرض بعضها للبيع، أبرزها «كولورادو» التي زارها مرة الموسيقار محمد عبد الوهاب. دور كثيرة لم تعد موجودة. بعضها هدم وشُيِّدت مكانه مبانٍ حديثة، وأخرى تحولت إلى وظائف أخرى كمشغل خياطة على سبيل المثال.
تشكل الميناء الإسناد الخلفي لظاهرة السينما في طرابلس. قبالة البلدية، على الكورنيش البحري، يجلس ناصر عبدالله مع اثنين من أقرانه على درج مجاور لسينما «كليوباترا». حتى إقفالها عام 2000، كان عبدالله موظفاً فيها.

علي حشيشو

كالكثير من أبناء الحي، عمل في السينما التي كان يملكها شخصان من آل البرجي وآل حداد. بدأ منذ السادسة عشرة بمرافقة «المعلم» إلى مكاتب فروع شركات إنتاج الأفلام العالمية في بيروت. «عالم آخر» يقول. لم يتعرف إلى الأفلام فحسب، بل إلى كيفية صناعتها والترويج لها وتشغيل صالة السينما. «أقفلت السينما لأنها لم تعد مشروعاً مربحاً بسبب دخول الفضائيات والأقراص المدمجة إلى كل منزل». حالياً يعمل في النجارة، لكنه يحفظ خبرة تقنية وترويجية واسعة في مجال السينما. وينصح إسطنبولي فيما لو أعاد افتتاح إحدى الدور بألا يحولها إلى صالة شعبية. «كان الناس يدخّنون ويتناولون مأكولات ومشروبات تستجلب الصراصير والحشرات. فقط البوشار لا يسبّب ضرراً». لاقى إسطنبولي تشجيعاً من الشبان لإعادة تشغيل سينما في الميناء: «في السابق، كانت نزهتنا الوحيدة إلى السينما والبحر اللذين كانا مساحة تجمع الفقير والغني والمسيحي والمسلم».

علي حشيشو

عقار «كليوباترا» اشتراه مستثمر سعودي منذ أشهر «وننتظر الآن أن يخرجنا من المحال التي نعتاش منها ليهدمها مع السينما ويشيد مبنى حديثاً». سينما «راديو» تقع في الزقاق الخلفي لـ«كليوباترا». الصالة المقفلة يملكها بنك «إنترا» بسبب إفلاس صاحبها. بربارة، جارة السينما، تفرش بسطتها الصغيرة لبيع المياه والسكاكر أمام منزلها. «يا ريت ترجع تفتح حتى نسترزق». تشير إلى دور سينما مقفلة في أنحاء أخرى من الميناء، ولا سيما في سوق الخراب. تحدِّث السبعينية نفسها: «كلن سكروا. يا ريت بترجع هيديك الأيام. بس ما بعرف إذا بترجع. كل الناس حولنا ماتوا، ومن لم يمت هاجر». نظرت إلينا بحسم: «ما بقى ترجع تلك الأيام. البلد صارت كلها حرب وخبيط».


عزّ غابر

في العقدين الأخيرين، أُقفلت آخر دور السينما من الجيل الأول في طرابلس. وحدها دار سينما حديثة لـ«الأغنياء» تعمل اليوم في أحد «المولات» الحديثة. دور السينما الـ 34 المقفلة، توحي أسماء بعضها بأنها كانت في متناول الجميع ومتجانسة مع مزاج كافة الطبقات. مالك سينما «سلوى» سماها كذلك على اسم ابنته، كما هي الحال بالنسبة إلى سينما «رابحة» في الميناء.
واللافت أن دور السينما كانت تتنوع بين شعبية وراقية. عزمي رحيم الذي حول جزءاً من «مقهى سلطان» إلى سينما «إيديال» («الحمرا» لاحقاً)، خصّص جزءاً من سطح بناء في ساحة النجمة إلى سينما «ماجيستيك» من الدرجة الثانية للفئات الشعبية.
في بحث «مجتمع النهر»، للصحافي الراحل طلال المنجد، ورد أن «محاولات السينما في طرابلس بدأت في مطلع القرن العشرين في المقهى الشعبي والحمامات بعروض أفلام وثائقية صامتة تشغل بآلة عرض يدوية تعمل على الفحم الحجري. بداية الثلاثينيات، تحول جزء من مقهى التل إلى صالة عرض صيفية للأفلام المصرية، وانتقلت إلى مقهى سلطان ومقهى طبيعات الصيفي (سينما «دنيا» لاحقاً) قبل أن تفتتح «أمبير» في شارع الساعة عام 1932 بتجهيز من شركة إيطالية».
ألق دور السينما عززه ازدهار مسرح زهرة الفيحاء المعروف بـ«الإنجا» الذي هدم مطلع عام 2000 .


سينما الأطراف

بمبادرة فردية، أطلق الفنان المسرحي قاسم إسطنبولي مشروعاً لترميم عدد من دور السينما المقفلة في الأطراف، بهدف إحياء العادات والأفكار المجتمعية الثقافية والفنية والفكرية التي لم تكن تحدّها طبقية أو طائفة أو انتماء سياسي. ابن صور الذي درس التمثيل في الجامعة اللبنانية، بدأ بترميم سينما الحمرا في مدينته. جمع تبرعات من عائلته واستدان قرضاً مصرفياً. أما الأيدي العاملة فكانت هو ورفاقه ومتطوعين. السينما التي أقفلتها الحرب الأهلية، أعادت جمع المدينة. قرار مالك السينما باستعادتها لهدمها واستحداث موقف للسيارات مكانها دفعه إلى ترميم سينما «ريفولي» في الحارة القديمة بتمويل ذاتي. بعد صور، نقل التجربة إلى سينما «ستارز» في النبطية. في المدينتين، عرض إسطنبولي الأفلام القديمة والحديثة العربية والأجنبية مجاناً، وخصص صفاً لتعليم المسرح، فضلاً عن تنظيم مهرجانات للمسرح والأفلام شارك فيها فنانون عرب وأجانب. يأمل إسطنبولي نقل تجربته إلى الأطراف التي لم تكن أقل شأناً ثقافياً وفنياً من بيروت. وجهته المقبلة نحو بنت جبيل لترميم سينما «جوزيف» وجزين لترميم سينما «أمبير».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*