سير بالاس الكبير.. تحفة تقاوم النسيان

بشير مصطفى|الإثنين22/05/2017

المدن


تتبع لهذا الفندق أقدم محطة لتوليد الكهرباء في منطقة الشمال (بشير مصطفى)

في الضنية، واحد من أقدم فنادق لبنان. إنه سير بالاس الكبير. ففي العام 1934، بدأ جزار رعد بناء هذا الفندق على النمط الكولونيالي الحديث ليكون مقدمة لجذب السياح إلى منطقة سير، التي تعتبر تاريخياً مصيفاً لأبناء طرابلس.

عمارة تراثية
رغم مرور 80 عاماً على بنائه، لايزال يحافظ الفندق على نمطه التراثي. فهو ينتمي إلى فئة البوتيك أوتيل، ويمتاز بلونه الأحمر وهو عنصر جذب إضافي لزوار منطقة سير. وعلى خلاف الفنادق الحديثة، فإن عدد طبقات الفندق لم يتجاوز الثلاث، ويضم 24 غرفة بسقوف عالية، ترتفع إلى 5 أمتار ونصف، وجدران حجرية تبلغ سماكتها 40 سنتم. وأباجورات خشبية، تشكل “مكيفاً طبيعياً” تغني عن معدات التبريد والتدفئة الحديثة.

أرضية الفندق مغطاة بالرخام والبلاط الملون، وجدرانه مبنية على شكل قناطر. ويسيطر الزجاج الملون على نوافذه وأبواب شرفاته، التي اشتراها المستثمر علي خضر أغا من بائعي زينة الكنائس على النمط الإيطالي.

ويمتلئ بهو الفندق ومطعمه بالمفروشات القديمة ذات القماش المخملي المصنوع يدوياً، بالإضافة إلى مجموعة من المقاعد الخشبية والخيزرانية، التي باتت نادرة. وهناك تراس صيفي واسع تتوسطه بركة ونافورة قديمة الطراز، لا تحتاج إلى الكهرباء من أجل ضخ المياه، إذ يتم جرها من نبع قريب، تفيض مياهه إلى الداخل.

يطل سير بالاس على “النهر المسحور”، الذي يغذيه ذوبان ثلوج جبل المكمل، الذي تخف غزارته في شهر حزيران. ويتميز التراس بأحواض الزهور النادرة، إلى جانب العريشة الكبيرة التي تقي رؤوس رواده ومحبي أركيلة التنبك العجمي من أشعة الصيف الحارة. وتتبع لهذا الفندق أقدم محطة لتوليد الكهرباء في منطقة الشمال، التي بدأت العمل في العام 1936. فالتيار الكهربائي وصل إلى سير قبل طرابلس، وكانت تعمل على توربينات تدور على ضغط المياه.

فندق التاريخ
من اللحظات الفارقة في تاريخ المنطقة كانت إقامة الجنرال كاترو في الفندق. واجتمع في بهوه كبار الساسة في التاريخ اللبناني والعالم العربي. فالرئيس رشيد كرامي، الذي كان يتخذ الضنية مركزاً صيفياً، كان يستضيف زواره الرسميين فيه. وحظي الفندق بفرصة للإطلاع على ترتيبات إنقلابين في سوريا. ولم يسلم من مرحلة حرب كميل شمعون والإنقسام الذي سببه حلف بغداد في العام 1958، إذ تعرض للقصف من طريق الخطأ. وتحوّل الفندق في الفترة اللاحقة إلى مقر لقوى الأمم المتحدة لمراقبة منع تسليح الثوار.

وعلى غرار قطاع السياحة في لبنان، فقد شهد الفندق فترة إزدهار في عقد الستينات على يد المستثمر علي خضر أغا. وقد استضاف كبار الشخصيات الفنية العربية مثل سيد مكاوي، عبدالمطلب، محمد عبدالوهاب كارم محمود، فريد الأطرش وصباح فخري. واستقبل نجوم لبنان، وتحديداً الشحرورة صباح ووديع الصافي، بالإضافة إلى مسابقات الجمال على صعيد الشمال.

ومن أجل استعادة لحظات الماضي، فإن إدارة الفندق خصصت جداراً لتخليد كبرى المناسبات. إذ يجهد مستثمر الفندق عمار خضر أغا في البحث في ألبومات صور والده لتجديدها ووضعها في إطارات على حائط الإستقبال. لكن مالكي الفندق الحاليين لا يفكرون بخوض مغامرة التجديد أو إضافة أي تعديلات قد تقضي على هوية المبنى التراثية. ومن أجل الحفاظ على طابعه يسعى المالكون لشراء بعض قطع البلاط والرخام التي تؤمنها شركات متخصصة بتفكيك إنشاءات القصور القديمة قبل هدمها في بعض المناطق.

وجذب الطابع القديم للفندق بعض منتجي أعمال الدراما اللبنانية، حيث شهد مؤخراً تصوير مسلسل “أدهم بيك” التاريخي.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*