سوق العِتَق : ذاكرة العالم في البسطا

الصور مروان طحطح

يختزن «سوق العِتَق» في منطقة البسطا البيروتية ذاكرة العالم. آلاف القطع الأثرية والمقتنيات والتحف الفنية تضمها جنبات السوق الذي «وُلد» قبل 70 عاماً. السوق، كغيره من القطاعات، يعاني اليوم من الظروف السياسية والاقتصادية، لكنه كما يؤكد تجاره «لا يموت لأن لا منافس له في لبنان»

لؤي فلحة
الأخبار
03072017

يحدّق العجوز ملياً في الصندوق الخشبي القديم المعروض في الواجهة، فيسارع صاحب المحل نحوه: «تفضّل يا عم». الرجل المتكئ على عصا لا يردّ، ويتابع التحديق، فيكرّر التاجر دعوته بصوت أعلى. يلتفت الرجل أخيراً إليه، ويقول: «من 80 سنة كان عنا ببيت أهلي صندوق متلو تماماً. سقى الله هيديك الأيام»!

كثيراً ما يسمع تجار «سوق الأنتيكا» في منطقة البسطا البيروتية العبارة الأخيرة نفسها. فالسوق المخصص للتحف والقطع الأثرية ينعش ذاكرة زواره ويعيدهم إلى سنين طويلة خلت. السوق، الذي يُعرف أيضاً بـ«سوق العِتَق»، انطلق قبل 70 عاماً على يد أحمد علول وإبراهيم سعد ومسلم بوشر وعلي الزين عمار وحسن حجازي الذين افتتحوا محالّ تعنى بتجارة التحف.

الصور مروان طحطح

يروي الأخير، وهو آخر من بقي منهم على قيد الحياة، أنه قدم من بلدة ميس الجبل الجنوبية إلى بيروت في نهاية الأربعينيات ولم يكن قد تجاوز الثانية عشرة من عمره. عمل بداية في بيع الشوكولا، ثم الخضار، فالأدوات المنزلية، قبل أن يستقر على «مهنة الأنتيكا والتحف». في البداية، لم يؤمّن المحل مردوداً مالياً جيداً. لكنه كان قد أحبّ المهنة وتعلّق بها. سنوات قليلة، سطع بعدها نجم حجازي في هذا العالم، مع تحوله إلى خبير في مجال التحف قادر على تمييز القطع الأصلية من المقلدة، والنادرة من العادية. وبات محله مقصداً لكبار الشخصيات من هواة جمع التحف كعائلة الرئيس بشارة الخوري والرئيس رينيه معوض وغيرهما، وسافر مع وزراء ونواب من «هواة النوع» كالنائب السابق فريد سرحان لمساعدتهم على انتقاء التحف. «خلال هذه السفرات، كنت أشتري بضاعة وأشحنها مع تحف المسؤولين لإعفائها من الجمارك. إذا بدك تنجح بهالمصلحة بدك تكون ذكي وتعرف تعمل علاقات»، يقول مبتسماً.
ازدياد الإقبال على المحالّ الخمسة دفع كثيرين من أبناء المنطقة، ولا سيما من أهالي ميس الجبل القاطنين بكثافة في البسطا، إلى افتتاح محالّ مشابهة. وخلال سنوات قليلة، بات عدد المحالّ بالعشرات لتشكّل سوقاً يضم اليوم أكثر من 120 محلاً تعود ملكية معظمها لأبناء البلدة الجنوبية.

المحالّ الواقعة في مبان، معظمها متهالك، لم تعرف يوماً الديكورات الفخمة. «الفوضى الجميلة» هنا هي ما يجتذب الزبائن. القطع القديمة كالكراسي والخزائن والطاولات والأرائك واللوحات والثريات والأسرّة والتحف والتماثيل والصناديق الخشبية والآلات الموسيقية توضع فوق بعضها بعضاً من دون تصنيف أو ترتيب.
ورث يوسف عمار المهنة من والده وغاص في أسرارها باكراً، فبات خبيراً بتفاصيلها. يقول إن «أجمل ما في هذه المهنة أنها تجمع بين الثقافة والتجارة. فعلى خبير الأنتيكا أن يكون مطلعاً على ثقافة وتاريخ البلد الذي يحضر بضاعته منه لضمان انتقاء أفضل القطع والتحف».

الصور مروان طحطح

وهو، لذلك، يسافر سنوياً إلى أسواق التحف والمزادات العالمية للتزود بالبضاعة ومعرفة كل جديد في هذا العالم. لكنه يقرّ بأن كل أصحاب المحال ليسوا خبراء: «بعضهم مجرد تجار لا يملكون الخبرة الكافية لتحديد قيمة القطعة وثمنها، وقد يبيعون تحفاً بأسعار أقل من قيمتها لتحقيق ربح زهيد». يشير الى أن «معظم الأنتيكا في سوق العتق كانت تُستورد من مصر وتركيا وسوريا وفرنسا وإسبانيا. لكن حديثاً، بات التجار يستوردون التحف وقطع الأثاث من أندونيسيا بسبب أسعارها المنخفضة ولأنها تقليد دقيق للقطع القديمة». ويلفت الى أن الاستعانة بالبضائع المقلدة خيار لا بد منه بسبب ارتفاع أسعار القطع القديمة، وهذا ما يجتذب زبائن ذوي قدرات شرائية منخفضة من محبي اقتناء القطع التي تبدو قديمة، وبالتالي يجعل السوق متاحاً لكل الفئات. لكنه يؤكد أن «من المستحيل أن نبيع زبائننا قطعاً مقلدة على أساس أنها أصلية. نقول لهم الفرق وهم يختارون، لأن أساس هذه المهنة الصدق والثقة».

الصور مروان طحطح

اسماعيل اسماعيل، أستاذ ثانوي سابق، هجر التعليم للعمل في الأنتيكا. يشير إلى طاولة فرنسية يعود تاريخ صنعها إلى عام 1917. يشرح بإسهاب نوع الخشب وطريقة التصميم، ويؤكد «أنني أعلم تفاصيل كل قطعة أملكها». أما مصادر البضاعة، فبعضها من المنازل القديمة التي يتوفى أصحابها فيعمد ورثتهم إلى عرض مقتنياتهم القديمة للبيع، «كما أتعاون مع وكيل فرنسي أستورد منه قطعاً قديمة كل ثلاثة أشهر». يقول إن كثيرين لا يقدّرون قيمة ما تحتويه المنازل القديمة، مشيراً الى عثوره مرة على لوحتين مرميتين بجانب مستوعب للنفايات، «أخذتهما إلى المحل، وبعد تفحّصهما تبيّن لي أنهما قيّمتان، وبعتهما لاحقاً بعشرة آلاف دولار».
يؤكّد اسماعيل أن سوق البسطا «لا منافس له. فهو كان ولا يزال مقصداً لعدد كبير من الزوار وهواة جمع التحف لاحتوائه على كمية هائلة من القطع من حول العالم». وهو ما يبدو واضحاً لدى التجول في السوق. لكن «الغالبية تأتي اليوم للفرجة لا للشراء» بحسب أحد التجار، «فنحن، كغيرنا من القطاعات، نتأثر بالظروف السياسية والاقتصادية وبغياب السياح العرب والأجانب».

صينية بآلاف الجنيهات الاسترلينية

يروي التاجر داود هزيمة قصة شهيرة جرت مع خاله مسلم بوشر الذي كان من أوائل من افتتحوا محالّ أنتيكا في السوق في خمسينيات القرن الماضي. إذ اشترى الأخير يوماً صينية قديمة من أحد المنازل بـ 15 ليرة. وعدما شاهدها أحد الخبراء في محله، عرض عليه 50 ليرة ثمناً لها. ومع إلحاح الخبير، علم بوشر أن قيمة الصينية أكبر من ذلك، فاحتفظ بها لفترة قبل أن يبيعها لبعض أصدقائه بـ 700 ليرة. هؤلاء، بدورهم، باعوها لـ«مزاد قرقش» في عين المريسة بـ 1200 ليرة، وبدأوا يغيظونه بعدما ربحوا 500 ليرة. بعد فترة، باع «مزاد قرقش» الصينية لأشخاص أجانب بـ 3500 ليرة. لكن «الصاعقة» بعدما نشرت إحدى الصحف خبراً عن بيع الصينية الأثرية القادمة من بيروت في مزاد بريطاني بآلاف الجنيهات الاسترلينية!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*