سوق الأوقية الإنتخابي


راجح خوري
النهار
24032018

تجاوزنا مفهوم سوق الأوقية في العملية الإنتخابية، البيع بالقطعة والتبادل بالذراع، ومع هذا ثمة من لا يزال يكابر فيتحدث عن محاسن هذا القانون الإنتخابي، الذي يقول الوزير الصديق رشيد درباس في مقال نشرته “النهار” يوم الثلثاء في ١٣ آذار “ان الذي صاغ نصوصه يستشفي الآن من الكآبة في أحد المصحات النفسية”!

لكن من الواضح ان المصحات النفسية ستكون من نصيب المقترعين الضائعين وسط شبكة من التناقضات الفجة التي تبرز في التحالفات في هذه الدائرة والافتراقات في تلك، وكل ذلك وسط جو من الغموض وعدم شرح الأسباب والدوافع، طبعاً من الحديث عن البرامج والأهداف، فكل ما في هذه المسخرة تسونامي هائل من الشعارات واللافتات التي تتهم من سبقوا بأنهم مجموعة من الفاسدين والمفسدين والسارقين الذين أورثونا هذه الحال من البؤس، والتي في المقابل تعدنا بأنها ستحمل إلينا الحلول السحرية وتخرجنا من الجحيم الى الجنة!

ولكن ليس هناك من يتكرّم ويخبرنا كيف وعلى أي أساس، ولا من يخسر على الناس كلمة تشرح لهم لماذا نتحالف هنا وعلى ماذا إتفقنا، ولماذا نتخاصم هناك وعلى ماذا إختلفنا، ولهذا ليس في هذه الإنتخابات غير الآلات الحاسبة تعكف على جمع الأرقام وإستبيان النتائج: نتفق هنا فنقتسم المقاعد، نختلف هناك لنقتسم المقاعد مع غيركم، هل تسمعون بلعبة البارولي؟

لم يسبق للشعب ان احتُقر كما يجري الآن، ليس في تاريخ الانتخابات والتكليف العام إسفاف وهامشية وتفاهة تساوي ما نراه، لم نشهد ندوة مناقشة واحدة بين متنافسين يشرحون لنا أفكارهم النيّرة وبرامجهم الرؤيوية حول:

التربية والصحة والأزمة الإقتصادية، والبطالة والحركات المطلبية، والزبالة التي تكتسحنا وتسرطننا، والمياه الملوثة التي تقتلنا، والكهرباء التي أفلستنا، والفساد المتوحش، والسمسرات، والسرقات، والغش، والمحاصصات، والتوظيف الكيفي، والتلزيمات المشبوهة، والفواتير الملغومة، والمليارات التي نصرفها على الجمعيات الوهمية، والأموال الضخمة التي ننفقها على الإيجارات وبعضها لأبنية غير مستعملة وشبه منهارة، لكن أصحابها من الأتباع والأزلام، وتجاوز قرارات الهيئات الرقابية، وتعنيف كل من يحاول ان ينتقد أو يلوم، أو ينسى أننا في أسوج أو في فنلندا واننا أسعد شعوب الأرض!

هذه ليست انتخابات، انها في معظم تطبيقاتها وتلزيماتها وتسوياتها في الغرف المظلمة عملية سباق جديد على الجبنة أو ما تبقى منها، وحتى الأوادم والمخلصون من الأحزاب التي تريد خلاصاً، تأخذهم حامولة القانون الذي جعل الأمر مجرد سوق أوقية أو ردهة رخيصة لتبادل الأصوات، والناس دجاج وصيصان!

تسمعون مني أعيدوا قراءة مقال الوزير درباس “١٩ حكومي”، لتكتشفوا المهانة الوحشية التي ألحقتها الأوليغارشية السياسية عندنا بمفهوم المسؤولية الوطنية، لهذا ليس غريباً ان نكون في بورصة تقاسم اللبنانيين كقطعة من الجبنة!

rajeh.khoury@annahar.com.lb

Twitter:@khouryrajeh

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*