سوريا تحكي مأساتها وتُحكى عنها شرائط مصوّرة (1) فنّانون مجهولون رسموا لذاكرة بيضاء وغابوا

إذا كان مألوفاً أن تُرافق الفنون الشعبيّة أي حراك جماهيري منذ نشوء كياناتِنا، فبدا لافتاً أن فنّاً ناشئاً كالشريط المصوّر الذي اعتُبِرَ دائماً أداةً حكوميَّة للتوجيه السياسي والإيديولوجي للأطفال، أن يلعب دوراً طليعيّاً معارِضاً للسلطة وأن يصبح أداةً فنيّة وإبداعيّة مؤثِّرة في التعبير عن أحلام “الكبار” في التغيير. واستطاع للمرّة الأولى منذ بدايته في المئوية الماضية أن يستقطب فنّانين من جيل الشباب ليتّخذوه وسيلة لا تحتاج أكثر من ريشة وورقة يخفّ حملهما في أي ظرفٍ ومكان (مازن كرباج في “بيروت لن تبكي” المثل السبّاق والأبرز في هذا الخصوص عبر تدوينه يوميّات حرب 2006). وإذا كان المراسل الصحافي ينقل واقعاً، والمحلِّلُ السياسي أو الباحث يتناول مقاربةً لهذا الواقع وأسبابه تفاعلاته، فإن فنّان الشريط المصوّر يتميّز بنقل حالة إنسانيّة أكثر منها لحظة توثيقيّة أو صحافيّة أو مادّة تحليليّة. هو يذهب بالرسم والكلمة إلى عالم افتراضي روائي وبصري سواء توثيقاً أو استعارةً أو تحريضاً ليحكي من موقع المعنيّ والمُعارِض لمنطق السلطة الرواية الأُخرى عن شخصيّات حقيقيّة أو مُبتَكَرَة تلخِّص ما يريد التعبير عنه.

لذلك لم يكن غريباً ربّما أن تستدرج الأحداث الدامية في سوريا التي باتت تُعتَبَر المأساة الكبرى للقرن الحالي فنّاني الشريط المصوّر وكتّابه من المحليّين المنخرطين مباشرةً في الصراع إلى المتأثّرين من المحيط المُجاور أو من الأوروبيّين والأميركيين إلى حدّ أن داراً مثل “مارفل كوميكس” المعروفة بإصدارات روايات الأبطال الخارقين خرجت عن خطِّها التاريخي لتُنتِج رواية مصوّرة واقعيّة هي من بين الأكثر إنسانيّة وإحساساً بعنوان “أمٌّ من مضايا”. أو أن تحصل صحيفة مرموقة كالـ “نيويورك تايمس” في لفتة غير مألوفة على جائزة بوليتزر عن شريط مصوّر يحكي رواية عائلة سوريّة لاجئة “في العالم الجديد” وسط تزايد النزعة المحافظة المناهضة للهجرة.

شرائط من سوريا ولها

الفنّانون السوريّون كانوا في طليعة المتفاعلين مع الثورة. هم أبناؤها الذين واجهوا باللحم الحيّ آلة القمع الدمويّة ضدّها. تجنُّباً للحصار الإعلامي ومنع النشر، توجّهوا إلى العالم الافتراضي ووسائل الاتصال الرقميّة التي أثبتت فعاليّة في المواجهات التي سبقهم إليها شباب تونس ومصر وليبيا وتجمّعوا حول “كوميك لأجل سوريا” على صفحات فايسبوك. ولأنهم أعلَمُ بما قد يواجهون من ردّ، لم يوقّعوا أعمالهم وأصبحوا الجنود المجهولين لثورة حَمَلَت هي الأخرى في مفارقة من نوع آخر “حلماً افتراضيّاً”.

اختاروا لغة العامّة المحكيّة نقيضاً لتقليد الخطاب الإيديولوجي في دولة فاخَرَت دائماً بحفاظها على إِرث العربيّة الفصحى. رووا باللون والريشة الطفولة المسلوبة والإجبار على الكراهية كما في “لَعِب”(2013)، أو ثّمَن البراءة القاتل في “مُعضّميّة”(2012) حيث طيّار من القوّات الجويّة النظاميّة يقتل ابنه من طريق الخطأ. الحالة نفسها نجدها في “القنّاص” (2012). أما في “شهيد” (2012)، فيُقتَلُ الطفل على حاجز لأنه لم يمتثل للأوامر كونه أطرش لا يسمع. غريبٌ كيف أن الصوَرَ الدمويَّة التي اجتاحت عقولنا وأعيننا من شاشات التلفزيون وصفحات وسائل التواصل الاجتماعي لم تترك أحمَرَها على صفحات هؤلاء الحالمين، كأنهم أرادوا عن غير قصدٍ ربّما أن يحفروا في مخيّلة مجتمعهم والآخرين المتفرّجين من الخارج ذاكرة بصريّة غير السائدة تؤسِّس للمصالحة والبناء المستقبلي فأرادوها نقيّة وهم مُدرِكون لقوّة الصورة وترَسُّخها في مقابل الآلة الدعائيّة التي تواجههم. استعاضوا عن تفاصيل التعذيب الوحشي لمن خَضَعَ للتحقيق بشفافيّة ابتسامة طَغَت على الخوف لمجرَّد أن الذاهب إليه أدرك أنه ليس وحيداً وأن أطياف من سبقوه باقية معه لتواسيه في “حَبْس إفرادي” (2012).

الدعوة إلى الانتقام والحقد الطائفي والانقسام واجهوها بقصصٍ عن التنوّع وقبول الآخر وحمايته حين تقتضي الحاجة. “كوكتيل”(2013) قصَّة صديقين من طائفتين مختلفتين (غير معلنتين) نشآ في الحيّ نفسه وكان أحدهما يدافع دائماً عن الأضعف ويحميه، وعندما كَبُرا انضمّ الأخير الى التظاهرات، فما كان من الأوّل الاّ أن تلقّى الضَرْبَ عنه وحماه لدى هجوم القوى الأمنيّة مع أنه كان بجانب النظام. في “طريق سَفَر”(2012) تُنقِذ امرأةٌ كبيرة في السنّ شاباً إلى جانبها (من الطائفة العلويّة) كان يضايقها عند توقُّف الباص أمام حاجزٍ لمسلّحين يخطفون على الهويّة مُدَّعيَةً أنه ابنها ولا يحمل هويّة. حتى في لحظات مواجهة الموت الحتمي، يُصلّي مُقاتلان من “الجيش الحرّ” أحدهما مُسلِم والآخر مسيحي جنباً إلى جنب قبل إطباق الجيش المُدَرَّع عليهما في حمص المهَدَّمة في “آخر رصاصة”(2012).

فنّانون محترفون في معظمهم خَرَجوا عن النمطيّة السائدة والكليشيهات، التي، وإن كانت حقيقيّة على أرض الواقع، رفضوها وسعوا إلى تغييرها. لا فكاهة، وإن وُجِدَت فهي سخرية سوداء، وحَصْراً حين يتعلّق الأمر بشخصيّات النظام الذي على رغم معاداتهم له لا يتهجّمون على أشخاصه النافذين بالاسم إلا نادراً، عَكْسَ الفنون الشعبيّة الأخرى مثل الكاريكاتور أو الغرافيتي أو الأغاني والهتافات المُعَدَّة أساساً لدورٍ تحريضيّ من نوعٍ آخَر. وظيفتهم انتقاد الحالة وليس الأشخاص باستثناء “السيّدة الأولى”(2013)، أما الأزلام فيصوّرونهم بشكل كاريكاتوري، مأمورين محدودي الأفق إلى درجة تدعو إلى الشفقة عليهم كما في “قنّينة رَمل”(2013) أو “مطاردة”(2012) أو سلسلة “أبو موس المدسوس”(2012). لم يفُتْهم تناول الخطف بكل أنواعه، من كونه تجارة مخفيّة بين الجهات المتحاربة لِتَقاسم الأموال في “خَطْف مُتبادَل”(2013)، إلى تذكير الخاطفين (عناصر من “حزب الله” اللبناني) في “اختطاف”(2012) أنهّم استقبلوا أهلهم وأووهم خلال حرب تمّوز 2006، أو وضع المتحاربين أمام لحظة دراميّة في حالة “عجوز”(2013) التي لم يشأ أحد دَفْعَ فديتها ليس بسبب كِبَر سنِّها وإنما لأن كل عائلتها وأقاربها ماتوا! وإذا كان الخطفُ للتبادُل والتجارة والانتقام هو من المواضيع المتكرِّرة، احتلَّت قصص المفقودين القسريين من الناشطين الاجتماعيين مكاناً بارزاً كون المُغيَّبين من هؤلاء هم أصدقاء ورفاق عرفهم الفنّانون مباشرة وتعاملوا معهم، وسكنوا في هاجس أنّهم قد يكونون يوماً في عدادهم فأرادوا للذاكرة والتاريخ أن يسَجِّلا قصصهم لئلا يتحوّلوا أعداداً في تقارير الجهات الرسميّة أو المنظَّمات الإنسانيّة المحليّة والدوليّة.

صحيحٌ أن مجموعة “كوميك لأجل سوريا” لم تُنتِج روايات تصويريّة طويلة، وهو ما نفتقده غالباً في إنتاجنا العربي للشريط المصوّر، وسادَها هاجس ردّ الفعل الآنيّ على الأحداث المتسارعة أمامها، ولم يُعطَ لها الوقت لأخذ المسافة اللازمة للتأمُّل في ما انغَمَسَت فيه أو للصرامة في انتقاء المهارة والحرفيّة في ما نَشَرَتْه، فاتحةً المجال أمام المشاركة المفتوحة لكل المساهمات، لكنّها من دون شكّ انفردت عن مجموعات الشريط المصوّر التي رافقت “الربيع العربي” بأنها كانت الأكثر التزاماً للثورة والأكثر فعلاً في مراحلها الرومنطيقيّة السلميّة الأولى على الأقل، وأعطت دليلاً آخر على أن هذا الفن الهامشي يمكنه أكثَرَ من غيره أن يلعب دوراً مؤثِّراً على مستوى التواصُل الشبابي والحراك المدني اللذين بدأت فنون أخرى تتراجع عنه.

“كوميك لأجل سوريا” أصرّت في آخر مراسلاتها أنها “ليست مجموعة مُقاومة” وأن الفنّانين الذين تطوّعوا للعمل فيها حلموا بـ”حريّة فنّية وشعبٍ حُرّ ووطن حُرّ”، وأن دورها في الحراك السلمي لم يَعد مَرغوباً فيه منذ تحوّل الثورة إلى صراعٍ عسكري عنفيّ لم يشهد عالَم اليوم مثيلاً له من حيث الفظاعة والأعداد المخيفة للقتلى والمفقودين والمشرّدين داخل أرضِهم واللاجئين خارج حدودهم والمهاجرين غرباً طلباً للجوء. لكن في التأكيد أن الفنّانين منها دوّنوا قبل غيابهم حكايات اللحظات الأولى لثورة قام بها أفراد كانوا ورَحَلوا، وأحلامٍ بالتغيير آلَت إلى كوابيس على مستوى الإنسانية. فنّانون حاولوا حفْر ذاكرةٍ بيضاء في مخيّلتنا أرادوها ألّا تكون منسيّة.

… الاّ إذا كانت مُجتمعاتنا لا تُحِبّ البياض.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*