سعيد عقل… شاعر المعارك الخاسرة

محمود الزيباوي|السبت09/09/2017

ِAlmodon.com
 

  • غرافيتي سعيد عقل على أحد جدران مار مخايل بيروت
  • دروس سعيد عقل في “اللغة اللبنانيي”
  • سعيد عقل 1968
تحت شعار”مجدك كتب لبنان”، نظمت لجنة “مهرجانات زحلة السّياحيّة” حفلاً استعراضياً وٌصف بـ”أكبر تكريم للشاعر سعيد عقل”. قيل في صاحب “لبنان إن حكى” الكثير، وأجمع الكل على اعتباره واحداً من أكبر الشعراء العرب، غير أن سعيد عقل لم يكن شاعراً فحسب، فقد خاض خلال مسيرته الطويلة العديد من المعارك الخاسرة، وأكبر هذه الخسارات معركة “اللغة اللبنانية” التي نادى بها في ستينات القرن الماضي. 

في خريف 1967، أسّس سعيد عقل داراً جديدة للنشر باللغة اللبنانية والحرف اللاتيني أطلق عليها اسم “دار أجمل الكتب”، وسعى من خلال هذه الدار إلى مواصلة ما دعاه بـ”ثورة اللغة وثورة الحرف”. أطلق الشاعر هذه “الثورة” في منتصف الخمسينات، وألقى خلال أكثر من عشر سنوات سلسلة طويلة من المحاضرات والأحاديث دفاعاً عن نظريته الداعية إلى استبدال اللغة الفصحى باللهجة اللبنانية التي أصرّ على تسميتها بـ”اللغة اللبنانيي”، والحرف العربي بالحرف اللاتيني. سعى الشاعر إلى تطبيق هذه النظرية، فنشر ديوانه “يارا” معتمداً “الحرف اللبناني الجديد” المشتق من الحرف اللاتيني، وأثار موجة من السجالات والمناظرات، غير أن العاصفة هدأت بسرعة، وعاد سعيد عقل للكتابة باللغة الفصحى وبالحرف العربي، لكنه لم يعترف بالهزيمة. وبعد سنوات، سافر إلى بريطانيا، وقصد مؤسسة مؤسسة “لينوتيب”، وعاد منها حاملاً بطاقة تعريفية طُبعت عليها حروف الأبجدية اللبنانية المبنية على الحروف اللاتينية، وأطلق دعوته إلى اعتمادها.

أجرى ادوار البستاني في هذه المناسبة، مقابلة مع الشاعر، نُشرت في مجلة “الأسبوع العربي” في نهاية الأسبوع الأول تشرين الثاني-نوفمبر 1967، ونقل بأمانة آراءه وأقواله، وانتقدها بلطف، كاشفاً ضعف أسانيدها.  قال الشاعر أنه أنشأ “دار أجمل الكتب” لنقل أهم الآثار العالمية إلى اللغة اللبنانية في كتب تطبع بالحرف الجديد، ورفض بشدّة المقولة التي ترى بأن اللغة التي ينادي بها ما هي إلا اللهجة اللبنانية، وأكّد بأنه يكره “الكلام العادي”، وأنه يعبّر تعبيراً خفياً عن أبسط الكلام المحكي، حتى لو كان هذا الكلام يعني “شراء كيلو البندورة من السوق”. واصل سعيد عقل حديثه، وقال إنه ينادي بـ”لغة تصلح للتعبير عن شؤون العقل والفن” بالدرجة الأولى، ورأى مُحاورُه أن هذه اللغة قد تنتج مع الزمن فصلاً حضارياً وأدبياً بين لبنان والعالم العربي، فانتفض الشاعر، واعتبر ان هذا المنطق هو منطق أصنام، وقال إن اللغة التي ينادي بها هي “ثورة جريئة على الأصنام”، وأن هذه الثورة تحمل أربع ثورات، فهي ثورة احياء الأدب اللبناني، وثورة استيعاب الأدب العالمي، وثورة الحرف الجديد، وثورة اللغة اللبنانية.

ردّد سعيد عقل ما كتبه في “لبنان إن حكى”، وقال بأنه يعتزم نشر الأدب اللبناني والفكر اللبناني القديم الممتد على مر العصور، ومنذ ثلاثة آلاف سنة، وذكر أعمدة هذا الفكر، وهم خمسة أدمغة من لبنان: المجهول الجبيلي الذي اخترع الحرف، موخوس الصيدوني أبو الذرة، طاليس الفينيقي، فيتاغوروس الصيدوني، واقليدس ابو الهندسة. ردّ ادوار البستاني، فقال بأن هؤلاء “تعهدهم الحضارة اليونانية وعلاقتهم بفينيقيا مشكوك فيها”، فانتفض سعيد عقل، واعتبر ان هذا الرأي ما هو إلا “هرطقة”، وتابع حديثه عن ثورة اللغة وثورة الحرف، وقال أن الحرف اللاتيني يعود إلى جبيل، “ونحن اليوم نستعيده بعد تطويره وجعله عملياً”، وقال في دفاعه عن “اللغة اللبنانية” انها تستند إلى اللغة المحكية، أي اللغة الحية، وأضاف موضحاً: “عندما تغادر اللغة الفم تصبح حالاً جثة في عقلنا، وصار واجباً علينا أن نلقيها ونحل محلها لغة الفم”. شكّك البستاني في هذا الكلام، وقال بأن العالم توينبي ينكر أن تكون الأبجدية الأوروبية من أصل فينيقي، وأن اللغة الفصحى لم تفقد حياتها، ولم تفارق التعبير الفني والفكري، كما أنها “لم تفارق اللسان في الخطابة والإذاعة والمناقشات الفكرية والمداولات العلمية والمؤتمرات والسياسة، فضلا عن المجالات الكتابية التي لا تُحصر ولا تُحصى”. فاكتفى سعيد عقل بالقول بأن “القضية أدق مما يحوكه رأس توينبي”، وواصل دفاعه عن لغته الجديدة، وذكّر بالشاعر دانتي الذي ترك اللغة اللاتيتية ليكتب اللغة التوسكانية، واستشهد بديكارت الذي كتب باللغة الفرنسية، ثم عرج إلى الاتحاد السوفياتي، وقال ان ستالين اعتمد كل اللغات المحكية، وعددها 116 لغة.

وردّ ادوار البستاني من جديد على هذه الحجج، ورأى أن وضع اللغة العربية مختلف عن وضع اللغة اللاتينية المجهولة من العامة بشكل كلي، فأي سائق تاكسي يفهم لغة الإذاعة، واستشهد بقصيدة عقل عن فلسطين “التي أضحت أثناء الحوادث على كل شفة ولسان، وهي باللغة الفصحى، بل بأشد ما تكون الفصحى من قوة السبك والتركيب”، وهذه القصيدة هي “أجراس العودة” التي لحّنها الأخوان رحباني وغنّتها فيروز. كذلك، توقّف البستاني أمام الكلام عن قرار ستالين باعتماد كل اللغات المحكية في الاتحاد السوفياتي، وأكّد بأن هذه اللغات هي في الواقع “لغات شعوب مختلفة لا علاقة لها بلغة واحدة جامعة”، على عكس اللهجات المحلية في العالم العربي التي تنتسب كلها إلى العربية الفصحى.

واصل سعيد عقل دفاعه المستميت عن لغته الجديدة، وقال بأن حروف العربية لا تقبل بعض الحروف، كما أنها لا تقبل الابتداء بالحرف الساكن، لا تقبل التقاء الساكنين، ولهذا “تظل الكلمات الأجنبية عاجزة عن دخول العربية الا بتحريف يشوهها”، فذكّره البستاني بأن اللغة العربية قبلت في الماضي العديد من هذه الكلمات عن طريق التعريب ولا تزال تقبلها اليوم، وكرّر سؤاله في الختام: “ألا يؤدّي اعتماد العامية اللبنانية في لبنان الى القطع بين لبنان والعالم العربي فكرياً وحضارياً؟”، فردّ الشاعر بطريقته المعهودة: “ليس ما يمنع ان تنتشر اللغة اللبنانية في أقطار العرب وتمتدّ عليها، أو أن تتعايش معها بشكل طبيعي”، ورأى “ان العرب لو اعتمدوا اللغات المحكية لما حصلت نكسة الخامس من حزيران”.

لم يمرّ هذا الحديث مرور الكرام. في نهاية كانون الثاني-يناير 1968، نشرت “الأسبوع العربي” ردّاً مطوّلاً من توقيع سبع بولس حميدان، فاحتلّ سبع صفحات كاملة من المجلة، وغلبت على هذا الرد لغة الحزب السوري القومي الاجتماعي العقائدية. هاجم الكاتب “مسرحية” سعيد عقل، “مفنداً الغرض من وراء هذه الدعوة من جهة، واستحالة تطبيقها من جهة أخرى”، فقال: “سعيد عقل، الشاعر العبقري الذي كان، هو أمّي في تاريخ بلاده، أمّي في علم النواميس الاجتماعية، تلك التي ترفض، وتفرض رفضها، أن تبقى الحياة الاجتماعية ممسوخة في تجزئتها المفتعلة، والمنتقلة اليها من عصور الانحطاط”. وأضاف: “لن يمسي لبنان صورة مشابهة لإسرائيل، لا لن تمسخوا لبنان، لا من سبقك ولا من يرافقك، هذا المسخ الحقير المعيب”. وفي 18 آذار/مارس، عادت المجلة ونشرت سلسلة من الردود في تحقيق بعنوان “خاتمة المطاف في بدعة سعيد عقل”، وأظهرت من خلال هذا التحقيق أن دعوة الشاعر لم تكن جديدة، بل هي استعادة لمحاولات فاشلة سبقتها، وأقدمها يعود إلى مطلع القرن العشرين.

في العام 1902، نشر قاضي محكمة الاستئناف الأهلية في مصر، المستر ولمور، كتاب “العربية المحكية في مصر”، وفيه ضبط لغة القاهرة المحكية، وأشار بكتابتها باللغة اللاتينية بعدما أضاف إليها علامات تدل إلى الحروف العربية التي لا مثيل لها في اللاتينية، فواجهت مجلة “المقتطف” هذه الدعوة، وكان أسعد خليل داغر أبرز الرافضين لها. وفي العام 1924، دعا الكاهن اللبناني مارون غصن، إلى استعمال العامية، وذلك بعدما خدم العربية الفصحى بين تعليم وتأليف وخطابة نظماً وشعراً ما ينيف على ثلاثين سنة، فتصدى له الأب لويس شيخو على صفحات مجلة “المشرق”، كما تصدّت لها صحف عديدة، منها “الاقبال”، “الأحوال”، و”صدى الأحوال”. رأى عبد الله البستاني أن هذه “بدعة يصعب الأخذ بها”، وقال: “لسنا أفضل ممن تقدمنا من العرب، فقد دخلت على العربية في أيام خلفاء بني أمية وبني العباس، ألفاظ غريبة عن اللغة، ما لبثت أن أغنتها وأصبحت جزءاً منها”.

في الردّ على سعيد عقل، رأى الشيخ نسيب الخازن أن “الفصحى لغة وارثة تطورت طبيعياً من السامية، وبرزت أحسن بروز في القرآن”. ودعا فؤاد طرزي، أستاذ اللغة العربية في الجامعة الأميركية في بيروت، “إلى إحلال الفصحى محل العامية بعد تبسيطها”. من جهته، اعتبر الشيخ صبحي الصالح، استاذ فقه اللغة العربية في الجامعة اللبنانية، أن اللبنانية المحكية هي لهجة وليست لغة، “والذاهب إلى أن اللهجة العامية قد تحل محل الفصحى في هذه الشؤون بعيد من الصواب، وأبعد منه من الصواب، وأشد منه جهلاً، من توهّم أن العامية أفضل من الفصحى تعبيراً، وأدق منها تصويراً”. وقال الشاعر بولس سلامة: “لا أرى عن الفصحى بديلاً”. وفي السياق نفسه، قال منصور ابي صالح: “لا أقرّ سعيد عقل على ما يسميّه اللغة اللبنانية”. واعتبر روبير أبيلا “ان المنطلقات التي اعتمدها سعيد عقل ومن سبقه كانت مقتبسة عن منطلقات أوروبية لا تتلاءم ووضع البلاد العربية”، ورأى اننا “نسير نحو عربية متطورة مشتركة بين الفصحى والعامية”. كذلك، توقّع المستشرق الألماني فان اس “انبثاق لغة ليست بالمتقعقرة ولا بالعامية المبتذلة”، ودافع عن الحرف العربي، وقال: “من الخطأ الفادح أن يعمد العرب إلى التخلي عن حرفهم العربي الذي تكمن فيه قيم جمالية متحدّرة عن تراث روحي عريق”. وحده أنيس فريحة أيّد سعيد عقل في دعوته، وقال إن نجاحها سيتحقق حين يكون لها أدب، بعد ضبط أحكامها الصرفية والنحوية والصوتية.

في مطلع العام 1965، كتب سعيد عقل في “ملحق النهار” نصاً عبّر فيه عن تصوّره لواقع الحال في “لبنان والعالم بعد عشرين سنة”، وقال: “ستعمّ اللغة اللبنانية مكتوبة بالحرف اللاتيني”، و”سيشتدّ الصراع على احتلال الجزيرة العربية وليبيا، وربما العراق، بين اللغتين اللبنانية والمصرية بعد أن تكون قد كُتبتا كلتاهما بالحرف اللاتيني”، “سيحاول اللبنانيون جعل لغتهم تُدرّس في العالم جنب اللغتين الروسية والانكليزية”، و”ستكون الروسية أولى اللغات العالمية في لبنان. أما المرتبة الثانية فتكون للانكليزية، تنافسها الألمانية أو اليابانية لأن الفرنسية لن يعود لها أثر”. لم تتحقّق هذه التنبؤات. على العكس، غرقت دعوة سعيد عقل في مستنقع الحرب الأهلية اللبنانية، وعندما رحل الشاعر في خريف 2014، لم يذكرها أحد.

في حديث نُشر في مجلة “الأحد” في خريف 1965، امتدح نزار قباني سعيد عقل، وقال أنه “فلتة جمال”، وأن “رندلى تعيش في وجدان مئة مليون عربي”. واستعاد قصيدة “سائليني” التي نظمها سعيد عقل في دمشق وفي الأمويين، ورأى أن ما فيها “من عروبة اللسان وعروبة الشاعر” جعل من صاحبها “شاعر القومية العربية من الخليج إلى المحيط”، وأضاف متحسّراً: “آه لو أنه لا يخاف تهمة شاعر القومية العربية”. في السبعينات، ردّد سعيد عقل قوله: “لست عربياً، لكن يسعدني أن أكون عربياً في بعض تراكيبي الشعرية الرائعة”. وبعد وفاته، تذكر الكلّ هذه التراكيب “الشعرية الرائعة” التي صنعت مجده، ورثوا “خاتم الكلاسيكيين” الذي لم يتخلّ أبداً عن جماليات البيان والبديع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*