سرقات محمد عبد الوهاب «موسيقار الأجيال» من الموسيقى العالمية

 

 

زيد خلدون جميل
Oct-05
القدس العربي

 

أصدرت منظمة اليونسكو عام 1979 قائمة من ثلاث عشرة أغنية كان الموسيقار محمد عبد الوهاب قد سرقها من الموسيقى العالمية. ويعد محمد عبد الوهاب (1902 ـ1991) «موسيقار الأجيال»، كما سماه الإعلام المصري، وأحد أهم أعلام الموسيقى والغناء في العالم العربي، وأحد أبرز من لحن الأغاني الوطنية. ولن ندخل في تفاصيل حياة محمد عبدالوهاب، ولكننا سنتطرق إلى أهم ملامحها والمشاكل التي واجهها، فقد كانت مشكلته الحقيقية أنه لم يكن موسيقيا مبدعا فقط، بل مغنيا ممتازا وماهرا في معرفة رغبات الجمهور، وبارعا في استغلال الآخرين بطرق تثير الدهشة. ومن أوائل الذين تعرف عليهم عبدالوهاب كان سيد درويش (1892 ـ 1923) الذي كان يعتبر أشهر ملحني مصر آنذاك بدون منازع، وكانت هذه فرصة عبد الوهاب الذهبية لتعلم فنون الغناء والموسيقى، حتى وفاة سيد درويش. ولكن النقلة النوعية لمحمد عبدالوهاب كانت في الحقيقة لقاءه بشاعر مصر الأول أحمد شوقي (1868 ـ 1932) الذي كان يملك كل ما ينقص عبدالوهاب، فقد كان شوقي ثريا ومن عائلة مرموقة خالطت العائلة المالكة والطبقة الأرستقراطية آنذاك، بالإضافة إلى كونه من رموز مصر الأدبية، ولذلك كان شوقي شخصية اجتماعية بارزة. وكان ذا ذوق رفيع في الموسيقى والغناء ومتعمق في عدة مجالات فنية. وقد التقى بعبدالوهاب عام 1924 في حفل في الإسكندرية غنى فيه عبدالوهاب. ولكن هذا اللقاء لم يكن المرة الأولى التي يلاحظ شوقي فيها عبدالوهاب، فقد سبق أن جذب عبدالوهاب انتباهه عندما كان في التاسعة من عمره في حفل غنى فيه. ومن الواضح أن عبد الوهاب ترك انطباعا ساحرا غير عادي لدى شوقي، وقد خصص له شوقي جناحا خاصا في منزله، حيث لم يكن شوقي متزوجا ورعاه رعاية خاصة وأحضر له مدرسا خاصا للغة الفرنسية وعلمه كيفية التعامل في المجتمع الراقي، واهتم بحالته الصحية، وقام بتحمل جميع تكاليف معيشته التي شملت حتى تكاليف ملابسه. وكان يستعمل نفوذه في عالم الصحافة المصرية للكتابة عن عبد الوهاب وتزويد الصحافيين بما عليهم أن يكتبوا من إطراء وتمجيد. وقال الأديب والشاعر المصري كامل الشناوي أن عبدالوهاب كان عاطفة في قلب شوقي وفكرة في رأسه ونورا في عينيه. وقام شوقي بتقديم عبد الوهاب في أوساط المجتمع المخملي والأرستقراطي ليجعله شخصية بارزة، وتعلم عبدالوهاب بسرعة من كل هذا، حيث ساعده ذكاؤه ووسامته كثيرا، وبذلك انتقل مستواه عبد الوهاب الاجتماعي من قاع المجتمع المصري إلى قمته، بفضل شوقي. ولم يقتصر اهتمام شوقي بهذا، بل توسع ليشمل القصائد التي غناها عبدالوهاب، والتي كانت مثيرة للدهشة، فشوقي الذي كان يتمسك بكتابة الشعر باللغة الفصحى قدم تلك القصائد لعبد الوهاب باللهجة العامية. وعندما قام الأديبان عباس محمود العقاد وإبراهيم عبدالقادر المازني بمديح عبدالوهاب وإطراء صوته غضب شوقي من هذه المشاركة بالإعجاب بعبدالوهاب ودفع صحافيين لمهاجمتهما وإبعادهما عن عبدالوهاب.
وكان لهذا الاهتمام الفائق للعادة بعبد الوهاب أثر في تعزيز بعض أهم صفاته الشخصية السيئة وهي النرجسية والاعتداد بالنفس المبالغ فيه، وكذلك حرصه على الحصول على دعم الطبقة السياسية في مصر، سواء في العهد الملكي أو الجمهوري، والاستفادة منها بأكبر قدر ممكن. واستمر الحال على هذا المنوال حتى وفاة أحمد شوقي عام 1932 وكان عبدالوهاب في تلك الفترة قد انطلق في ميدان الموسيقى والغناء وأصبح نجما صاعدا. وما أن انتهى العهد الملكي وبدأ العهد الجمهوري بقيادة جمال عبدالناصر حتى ركب عبدالوهاب موجة الوطنية الجديدة ودخل مجال الأغاني الوطنية والتملق إلى السلطة، وتمسك بهذا النمط طوال حياته.
لكن الهالة التي أحاطت عبد الوهاب بالقدسية والاحترام المنقطع النظير، كانت تخفي الكثير من الحقيقة وأساليب عمله التي لم تكن بالاستقامة المرجوة من شخص اعتبره الإعلام المصري أعظم شخصية مصرية في مجال الموسيقى والغناء، وأطلق عليه لقب «موسيقار الأجيال» حيث اعتمد على الموسيقى الغربية كمصدر لأشهر أغانيه، ناسبا تلك الأغاني لنفسه. وقد اتهمه الكثير من كبار المختصين بسرقة الأعمال الموسيقية من مشاهير الموسيقيين العالميين مثل، بيتهوفن وتشايكوفسكي وآخرين وأن سرقاته تعدت الأغاني التي ذكرتها منظمة اليونسكو، لأن عبد الوهاب سرق من موسيقيين عرب أيضا، ولذلك لم تمنحه منظمة اليونسكو جائزتها، بل قررت منحها لرياض السنباطي عام 1977 نظرا لكونه قد أثر على فن الأغنية، ولكنه لم يتأثر بالموسيقى الأجنبية. ولكي نلقي الضوء على السرقات الكثيرة لعبد الوهاب فعلينا ذكر بعض الأمثلة مثل أغنية «يا مسافر وحدك» التي سرقها من أغنية يونانية تدعى «بوسو ليباميا» للمغنية اليونانية صوفيا فيمبو. وعلى ما يبدو أن عبد الوهاب كان معجبا بالسيمفونية الخامسة لبتهوفن حيث كانت اثنتان من أغانيه مسروقة منها، وهي «أحب عيشة الحرية» و«طول عمري عايش لوحدي». أما أغنية «جفنه علم الغزل» فقد كانت في الأصل من تلحين الموسيقار الكوبي دون أبيازو، وكذلك قام عبد الوهاب بسرقة من الآخرين عندما لحن أغنية «يا دنيا يا غرامي» و«سهرت منه الليالي» و«عندما يأتي المساء» وغيرها. وإذا عدنا إلى اتهام منظمة اليونيسكو لعبدالوهاب فقد كان ذلك جزءا من الحقيقة فقط، حيث سرق عبدالوهاب من الملحنين المصريين والعرب أيضا مثل كمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي وغيرهم. وعندما عرف محمد الموجي بالأمر استشاط غضبا وواجه عبدالوهاب الذي اعترف بالأمر ساخرا واستهزأ به، فعبد الوهاب لم يكن من الذين يخجلون. وعندما واجه الموقف في المقابلات كانت تعليلاته مضحكة، حيث اعترف مرة أنه قام ببعض الاقتباس في بداية حياته الفنية، أو أن اقتباساته حدثت مع انفتاح مصر على العالم بدون أن يقر بأن مصر كانت دائما منفتحة على الفنون العالمية، أو على الأقل إنه كان عليه أن يعترف بتلك الاقتباسات، ولكنه للأسف لم يفعل. وفي الواقع أن أعمال عبدالوهاب الأولى أظهرت تأثرا بألحان أحد أساتذته وهو سيد درويش ومنها «فيك عشرة كوتشينة» و«بالليل يا روحي أرتل بالحنين إسمك».
وأثيرت شكوك حقيقية حول أغنيات أخرى لعبد الوهاب مثل أغاني فيلم «غزل البنات» وفيلم «عنبر» وأغنية «فكروني». ونستطيع أن نقول إن عبدالوهاب كان أبرع من سرق، فتوزيعه للألحان على الآلات الموسيقية الشرقية وطريقة غنائه لها أو اعتماده على أفضل مغنيي عصره مثل عبدالحليم حافظ وأم كلثوم كان دائما رائعا وحاز إعجابا هائلا في أوساط المستمعين العرب. ولكننا يجب أن نتساءل عن تلك الحصانة الإعلامية التي حمت عبدالوهاب من أي فضائح كبيرة، على الرغم من انتقاد شخصيات شهيرة له متهمة اياه بالسرقة، مثل الأديب عبدالمنعم السباعي والناقد طارق الشناوي والموسيقار منير بشير، الذي ذكر أنه لو كان عبدالوهاب في أوروبا لتعرض للملاحقة القضائية.
ومن الخطأ الاعتقاد أن محمد عبدالوهاب كان الوحيد من المشاهير في فن السرقة، فالقائمة طويلة ومخجلة. ومن الأسماء الشهيرة فريد الأطرش (1917 ـ 1974) الذي عزف في حفلة عرضت على شاشات التلفزيون أشهر مقطوعة له على العود وسط هتاف جنوني من قبل الحضور، وكانت تحت اسم «حكاية غرامي» في فيلم «من أجل حبي» بدون أن يلاحظ أي من هؤلاء المدعين ولعهم بالموسيقى أن ما كان فريد الأطرش يعزفه هو قطعة موسيقية تدعى «أستورياس» وهي إحدى أشهر مقطوعات الغيتار في العالم، ومن تأليف الموسيقار الإسباني أيساك ألبنيز (1860 ـ 1909) ولكن الحق يقال إن نسخة فريد الأطرش كانت أجمل من النسخة الأصلية. ولكن فريد كان مبتدئا في هذا المجال مقارنة بفيروز التي كان عدد كبير من أغانيها مسروقا مثل «يا أنا يا أنا» (من السيمفونية الأربعين لموتسارت) و«لينا ويا لينا» (من الموسيقار الألماني فيلكس مندلزون) واغنية «كانوا يا حبيبي» (من الفولكلور الروسي) وأغنية «زورزني كل سنة مرة» و«البنت الشلبية» (الاثنتان من عثمان الموصلي). وإذا كنا قد تكلمنا عن محمد عبد الوهاب وسرقاته فإننا لم نتكلم عن سرقات أستاذه سيد درويش، الذي يعتبر مؤسس الموسيقى المصرية الحديثة حيث أن اشهر أغانيه كانت مسروقة بشكل فاضح، ومنها «زوروني كل سنة مرة» التي تعتبر أشهر أغنية عربية على الإطلاق وأغنية «طلعت يا محلا نورها» وكانتا في الأصل من تلحين الموسيقار عثمان الموصلي، الذي كان أستاذا لسيد درويش. وقد أثار هذا الكثير من التساؤلات عن الأغاني والموشحات الكثيرة التي تنسب إلى سيد درويش، والتي ربما كان ملحنها الحقيقي عثمان الموصلي. ونذكر هنا مثلا آخر للسرقات الموسيقية الكبيرة، وهو المطرب السوري صباح فخري، الذي كانت أشهر أغانيه «قدود حلبية» من تلحين عثمان الموصلي أيضا.
ولا تقتصر السرقات الموسيقية على العالم العربي وحسب، فهي ظاهرة عالمية والأمثلة كثيرة، ومنها أغنية «My Sweet Lord» للمغني البريطاني جورج هاريسن (1943 ـ 2001) العضو السابق في فرقة البيتلز الشهيرة الذي واجه القضاء بسبب سرقته للحن هذه الأغنية.
وقد ذكرت المغنية والملحنة الأمريكية دولي بارتن أن الاقتباس الموسيقي قد يحدث بدون وعي من الفنان حيث أنه قد يسمع مقطوعة موسيقية جميلة وينسى الأمر ثم عندما تستعيد ذاكرته تلك المقطوعة فإنه لا يتذكر أنه قد سمعها، بل يعتقد أنه ألفها بنفسه.
ستستمر السرقات في مجال الموسيقى ومجالات أخرى مثل الرسم والأدب وعلى القضاء إيقافها وعلى الخبراء اكتشافها بشكل منطقي وعادل.

٭ باحث ومؤرخ من العراق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*