اخبار عاجلة

سرديات الذاكرة في رواية «صيف مع العدو» للسورية شهلا العجيلي

 

إبراهيم خليل
Sep 27, 2018
القدس العربي

■ لئن عد بعضهم الإهداء الذي يستهل به الكاتب روايته عتبة تفضي إلى شيء من دلالات العمل الروائي وطبيعته وفحواه، فإن شهلا العجيلي بعبارتها «إلى الرقة كما ستبقى في ذاكرتي» توحي بصريح العبارة أن روايتها هذه (ضفاف 2018) تقوم على ركنين أساسيين من أركان الرواية، هما المكان (الرقة) والذاكرة بصفتها إحدى التقنيات السردية التي يلجأ إليها الروائيون لاستبطان عوالم الراوي المشارك ـ وهو ها هنا لميس – ولعل في إشارتيها (ستبقى) و(ذاكرتي) ما يومئ أيضا إلى استعادة الماضي، لا بصفته شيئا كان ومضى، بل بصفته (كان ما سوف يكون) بعبارة محمود درويش. ولو لم تكن لميس ـ أو لولو ـ هي التي تتذكر ما تتذكره، لوجب على شهلا العجيلي ألا تغفل عنه، ولا تنساه.
ابتدأت العجيلي حكاية لميس بمونولوج من آخر الحكاية، فالقارئ يجد نفسه أمام مشهد شبه سينمائي تبدو فيه لميس وعبود مستغرقين في النوم في إحدى الشقق في مدينة كولونيا الألمانية. فعبود كان قد أصبح في نهاية الحبكة طاهيا من أشهر الطهاة له موقع على اليوتيوب، ومؤلفات عن الطبخات العائلية الملونة، وهو صديق الطفولة الذي عرفته منذ عرفت المشي، وتتذكر في حركة عكسية، تظهر ديناميكية السرد ما وقع وجرى قبل أربعين عاما أو أقل، عندما كانا يلهوان مع أترابهما في الحارة، وتتذكر، بصفة خاصة، تلك الحادثة التي انتهت بمأساة، هي وفاة الجدة كرمة ذات الماضي الاستعراضي العريق في فرقة بديعة مصابني للرقص الشرقي، والنسب التلحمي، والزوج الذي لا تتذكر حفيدته من اسمه إلا لقب الآغا الدال، لا على الحسب والنسب وحدهما، بل أيضا على الثراء والغنى. فحكاية الجورب الحريمي النايلون يتضح أنها لم تكن سببا في وفاة الجدة، فقد تذكر عبود أنه حين وضع رأسه في الجورب، وتفلطح وجهه، وبدا مثل شيطان رجيم، وألصق وجهه بزجاج النافذة، لم ير الجدة كرمة، وتذكر أنها لم تكن في الغرفة، وأن الجلطة التي أودت بها جاءتها وهي في المطبخ، فما تشعر به لميس من ذنب على إثر تلك الحادثة التي تسميها جريمة صامته، لا يعدو أن يكون ضربا من سوء الفهم.
تلك الجريمة ـ أو هذا ما يبدو على الأقل من العنوان- ليست الوحيدة التي تملأ حدود الذاكرة المستعادة في هذه الحبكة السردية المتقنة. فجرائم السائق فرحان الذي عاد من السعودية بعد 20 عاما ليتزعم التظاهر، ويغدو قطبا من أقطاب الثورة، يتهم الآخرين بالعمالة للنظام. وأسعد- والد عبود – يتخلى عن زوجته (آنا) ليقترن بصغيرة سمراء نحيلة بشعر أحمر محنى تُذكر من يراها برائحة البرسيم، وروث البقر. وزواج نجوى ـ والدة لميس- من عامر، على الرغم من أنها كانت تفضل الزواج من العم فارس، إلا أن علاقتها الغرامية به طويت وبقيت مغيبة، جريمة، كونها زُوِّجت ممن أريد لها (عامر) زواجا فاشلا أعقبه هجر طويل لها في الفراش، قبل أن يصاب بجلطة في مشهد فاضح في شقة حبيبة القلب (أحلام). وهكذا كتب على الأم الشابة أن تعاني من الهجر، والوحدة، وهي في ريعان الصبا، وميعة الشباب.

نيكولاس

على أن ظهور نيكولاس – الفلَكيّ الألماني- غيَّر كل شيء. فظهور هذا الألماني حافز لتحريك تيارات الذاكرة السردية في اتجاه جديد. جاء ليبحث عن تلة البيعة، حيث الموقع الذي قيل إن البتَّاني أقام فيها مرقابا لرصد النجوم والكواكب. وسرعان ما أنست إليه نجوى «ففي اثناء الحديث وضع يده بحنو على كتفها كأنه يهم بضمها إلى صدره». أما هي، فتذكر لميس أنها مالت بجذعها العلوي نحوه بطراوة. تشعرها هذه الحركة من الأم بالغيرة، وبالكراهية الغامضة تجاه هذا الفلكي الغريب، الذي ثابر على لقاءاته بالأم عند مقطورة قديمة، حيث الشرنقة بدأت تحاك باستبعاد الطفلة لميس من اهتمامات الاثنين. لتجد في سائس الخيول (أبو يحيى) رفيقا يدربها على الركوب، وعلى المشاركة في السباق، لكن هذا أيضا لم يخلُ في نهاية المطاف من طعم الجريمة، إذ قُتل الحصان الذي شُغفت به حبا بطلق ناري، وغادر أبو يحيى الرقة ليعمل مدرّبا لضبّاط سامين. ومع ذلك لم يشفع هذا القرب من رجالات السلطة لبعض أبنائه، الذين زُجوا في السجن بتُهمٍ ما أيسر من أن تستخرج من ملفات جاهزة، لمثل هاتيك الحالات.

جريمة أخرى

وقد يتساءل القارئ الذي يتتبَّع بشوق هذا التيار الشعوري المتدفق من ذاكرة لميس، ذات الثلاثة عشر ربيعا، وهي تلمُّ بجريمة أخرى تنتهي بوصول جثمان الخال نجيب، ذلك الخال الذي تتذكر بأدق التفاصيل ما قيل عنه يوم ولادته. ما الذي جرى قبل أن يصل الجثمان؟ ففي الوقت الذي كان عامة الناس مشغولين فيه بأفلام من نوع «إشاعة حب» لفطين عبد الوهاب، و«سبارتاكوس» لكوبرك، وغيرهما.. داهم المخاضُ الجدة (كرمة) ذات الماضي الفني الراقص، فانجلت على يدي القابلة (ترفندة) ذلك الطفل الذي يشبه بطلعته طلعة المسيح. وهو الآن نجيب الذي وضع جثمانه في بناية إسمنتية قيد الإنشاء لينطفئ النور في بيت الآغا منذ ذلك الحين. على أن لميس تخشى على القارئ الذي يتتبع بصبر نافد هذه التداعيات من سؤال كيف قتل نجيب؟ ولماذا؟ تستعيد بعيد فواصل زمنية عن العــــزاء وعن الدفن، وعن المقبرة التي نبشها رجالات «داعش»، وقصفتها طائرات التحالف، لتروي لنا حكاية اعتقاله مع صديق له آخر هو (ناهل) بتهم معلبة كأن يكونان – مثلا – من حزب شيوعي معارض. تقول «رأيتهم يوم جاءوا لأخذه للتحقيق» و«بكل بساطة سحبوه من بيننا هكذا.. ونحن نحدق في خطواته بكل انكسار ويأس».
وتتكرر الفواصل التي تسترجع فيها حكايات مُعْترضة، فعروبة، التي أحبها نجيب في كلية الحقوق في حلب ـ ربما- انقلبت عليه، وأصبحت شخصية سياسية ذات نفوذ كبير في صفوف الحزب الحاكم. ومع ذلك لم تستطع بذلك النفوذ أن تتوسط لمعرفة شيء عن نجيب، أو عن السماح بزيارته. ولعل أهونَ آثار هذه الجريمة التي قتل فيها نجيب في السجن الاحتراق الذي عمّ قلوب أفراد العائلة جميعا، وإلقاء الفتاة (ندى) نفسها في نهر الفرات، كونها لم تصبر على رحيله المفاجئ الفاجع. وآخر الجرائم التي يمكن أن تساق في هذا الشريط الأسود الذي تمتلئ به ذاكرة لميس، هو مَصْرع الأم «قالوا قد ينفجر بنا لغم آخر. قمت وسرت باتجاه الماء وأنا أصيح ماما.. ماما.. يا الله .. يا الله.. وما يزال لديّ أمل في أن تكون أمي حية.. وجدت ماما تحت شجيرات الصفصاف ملقاة ميتة مقطوعة الساقين».

كولونيا

على أن لميس استطاعت الوصول إلى كولونيا لتصبح رقما جديدا في بيانات اللاجئين السوريين. ففي الفصل السادس «رجال كارمن الثلاثة»، يكتشف القارئ أن الساردة في تلك المدينة الألمانية، ولكن الجواب عن السؤال كيف استطاعت الوصول إلى كولونيا سيأتي لاحقا في آخر الرواية. وهذا يلقي الضوء على الطبيعة الغامضة لسرديات الذاكرة. فالمؤلفة تبدأ في الغالب برواية الخبر من آخره، ثم تمضي في ذلك شوطا طويلا، قبل أن تعود مرة أخرى إلى بدايته على هيئة استرجاع ذي مسافة زمنية كبيرة. فنحن الآن مع لميس في حمام كارمن، وهي روائية ألمانية لها ست روايات، وكانت قد زارت العائلة قبل 30 عاما من زمن هذا الخبر. وتزوجت من فلسطيني تعرفت إليه في دمشق (بسام) ورزقت بسارة، وهي من أصدقاء نيكولاس. وحكاية كارمن لا تخلو من رائحة الجريمة، فكالعادة تخلى عنها بسام لتعلقه بلاجئة سورية. أما نادر، وزوجته الألمانية أولغا، فيعيشان في وضع غريب مع غونتر زوج أولغا السابق. ومثلما تقود الحكاية إلى حكاية أخرى، فقد روت لنا لميس شيئا من حكاية كارمن، وأسرتها البولندية، ومن عجيب ما ترويه أن الأم ماريون تكتشف أن الرجل الذي تعيش معه منذ 50 عاما، هو الذي دمّر بيتها على رؤوس قاطنيه في دانزيغ.
وبعد هذه السلسلة المشوقة من الحكايات التي تتدفق تدفق التيار القوي في النهر، عادت بنا إلى السؤال كيف غادرت سوريا؟ وكيف وصلت إلى المهجر الألماني؟ فقد سبقت ذلك مراسلات مع نيكولاس، الذي وعدها بأقصى ما يستطيع من مساعدة. وعلى هذا، فإن نيكولاس الذي وصفته في موقع سابق بالعدو، ينقلب عند حاجتنا للمساعدة إلى صديق. ليس هذا فقط، ولكنه كان أيضا همزة الوصل بين لميس وكارمن، وبينهما وبين عبود، الذي لقيته بعد أعوام طويلة من الفراق.. أعوام عديدة من اليتم والفقد، والحرب والخوف، والخيانة والهجر، والحزن والألم، والنسيان والازدراء وأخيرا اللجوء.
وقد تحوَّل بهذا اللقاء سير الحوادث تحولا جديدا. وبدأ القارئ يلاحظ اقتراب الكاتبة من نهاية الحكاية، أي بتذكيره بذلك المشهد الذي استهلت به القصة، وهو « كنتُ مستغرقة في النوم وذراعه- عبود ـ اليمنى تحتضن جذعي» فهي، فيما يعقب ذلك، تستعيد بعض المجريات عن عبود وعن أمه (آنّا) المتطوعة في فرقة موسيقية على جسر تشارلز للتخفيف عن اللاجئين السوريين.
وعن حكاية الجورب الحريمي، ووفاة الجدة كرمة. وعن محمد فارس، رائد الفضاء السوري الذي انشق عن النظام، وأصبح لاجئا بعد 30 عاما من رحلته ليروي في مقابلة تلفزيونية قصة هروبه مع عائلته إلى إسطنبول، وأنه لم يعد له من عملٍ سوى الأرجيلة، والجلوس في المقاهي. تلك هي نهاية الرواية، وتلك هي عاقبةُ السوريّين الذين ضَجروا من الحياة، والعيش، في أتون الجريمة.

٭ كاتب وأكاديمي أردني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*