سد بسري “قاب قوسين”… على رغم “تهويل” الجمعيات البيئية يسد حاجة بيروت ويرفع حصة الفرد فيها إلى 200 ليتر يومياً

سلوى بعلبكي
النهار
27102017

تعاني بيروت كغيرها من مدن البحر الأبيض المتوسط نقصا حادا في كمية المياه المخصصة للشرب، إذ تبلغ حصة الفرد الواحد من سكانها ما بين 50 الى 70 ليتراً في اليوم، فيما تصل هذه الحصة الى 250 ليترا على الاقل في مدينة أوروبية كمرسيليا التي يتوافر لها نحو 23 م3 في الثانية، في حين لا تتجاوز كمية المياه المتوافره لبيروت التي توازيها سكاناً 4 الى 5 م3 في الثانية من مختلف المصادر المائية (الجوفية والسطحية).

أمام هذا الواقع كان لا بد من اجتراح الحلول، فبدأ الحديث عن إنشاء سد بسري لتزويد بيروت مياه الشرب منذ العام 1951 حين وضعت الدراسات الأولى للمشروع. وعلى رغم تحديد لجنة الأشغال النيابية أيلول الماضي موعدا لبدء الأشغال في السد الذي يستكمل مشروع جرّ مياه الأوّلي إلى بيروت على أن تنتهي عام 2023، إلا أنه حتى الآن لا بوادر لإعلان ساعة الصفر ميدانيا، مما يدعو الى التساؤل عما اذا كانت حملات الناشطين البيئيين قد نجحت في “عرقلته”. إلا أن رئيس لجنة الاشغال النائب محمد قباني أكد في اتصال مع “النهار” أن المشروع سينفذ عاجلا أم آجلا، لافتا الى ان الاشغال تتم على قدم وساق في التمديدات الخاصة بجر مياه الاولي الذي يشكل وحدة متكاملة مع سد بسري.

ولا يعير قباني أهمية لما تحذر منه الجمعيات البيئية التي تتوسع، برأيه، في تفسيراتها، وخصوصا حيال تخوفها من الزلازل، مشيرا في هذا السياق الى أن “كل لبنان يقع فوق منطقة زلزالية، وتاليا لا يمكننا أن نوقف سداً كهذا يأتي من حيث الاهمية بعد سد القرعون”.

وهذا ما أكده ايضا الرئيس السابق لمصلحة مياه الليطاني ناصر نصرالله، لافتا الى أنه من الآن حتى رأس السنة سيكون تنفيذ السد قد وُضع على السكة. وتأكيداً لاهمية السد، أشار نصرالله الى ان البنك الدولي وللمرة الاولى في الشرق الاوسط يقرر أن تكون الاستملاكات من ضمن التمويل المخصص للمشروع، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على اهمية السد للبنان.

وبصرف النظر عن الاضرار البيئية والزراعية والثقافية التي قد يسببها بناء السد الذي يبعد عن بيروت نحو 40 كيلومتراً وتُجر مياهه بالجاذبية، إلا أن رئيس الحركة البيئية اللبنانية بول ابي راشد لم يشأ التركيز عليها كثيرا، “خصوصا اذا ما علمنا أن تنفيذ السد سيتسبب بتدمير 80% من العاصمة”. فسد بسري، وفق تعبيره، “سيتم تشييده على “وكر دبابير” يدعى فالق روم الذي دمر بيروت عام 551 وعام 1700، والذي كان سببا لزلزال عام 1956 بقوة ست درجات على مقياس ريختر”.

والى التخوف من أن يكون السد – نتيجة ثقل المياه – سبباً لتحريك فالق روم، يستند ابي راشد الى تقارير للمركز الوطني للبحوث العلمية ودراسات الجيولوجيين التي تؤكد انه لا يجوز جمع المياه والفوالق معا. هذا السبب يكفي، برأي ابي راشد، “لصرف النظر عن بناء السد، خصوصا أن الفالق يمر تحت بيروت التي بينت الدراسات ان 80% من ابنيتها لن يكون في استطاعتها مقاومة اي هزة ارضية قد تتعرض لها المدينة”.

تهويل لا اساس له؟

يتفق نصرالله والمهندس العضو في لجنة المياه والطاقة في نقابة المهندسين الدكتور حسين رمال على أن “تهويل الجمعيات البيئية لا أساس له، خصوصا انهم ليسوا اصحاب اختصاص بموضوع السدود”. ويشير نصرالله الى أن ثمة دراسة أجرتها شركة ECI الاميركية وأكدت دقتها شركة دراسات ألمانية، أخذت في الاعتبار كل العوامل الطبيعية، وعلى ضوء ذلك أكدت أنه لا مشكلة في بناء هذا السد.

أما رمال فيرد على “أنصار البيئة الذين يقلدون موقف زملائهم في القارة الأوروبية”، بأن هؤلاء “لا يعون أن الفرق شاسع بين مناخ حوض البحر المتوسط ومناخ أوروبا حيث تتساقط الامطار هناك 9 أشهر في السنة، في حين تقتصر الأيام الماطرة في لبنان على 90 يوما”.

وبعيدا من المخاطر التي تحدث عنها ابي راشد، يشير رمال الى العديد من الجوانب الايجابية لبناء سد بسري، منها:

“- سد حاجات بيروت الكبرى من مياه الشفه والخدمة المنزلية حتى العام 2050 ورفع حصة الفرد المقيم فيها من 50 ليترا حالياً الى 200 ليتر في اليوم.

– نقل المياه بالجاذبية وتوليد كمية من الطاقة الكهرمائية نتيجة استغلال فارق الارتفاعات بين مصدر المياه ومصبها”.

وإذ أكد نصرالله أن اليابان منطقة زلازل وفيها العديد من السدود، لفت رمال الى “أن السد العالي تسبب عند إنشائه بتهجير الملايين من سكان النوبه، كما أدى الى أضرار أخرى لحقت بالآثار”. إلا أن هذه الأضرار، برأيه، على أهميتها “تبقى محدودة اذا ما قورنت بما وفره السد العالي لمصر من ايجابيات لعل أهمها: إنقاذ مصر من الآثار المدمرة التي سببتها سنوات الشح المتعاقبة التي تضرب مناطق حوض النيل، بدليل ما الحقته سنوات الشح الخمس التي تعاقبت على البلدان الواقعة في الحوض السفلي للنيل من مشكلات ادت الى تهجير السكان ونفوق الحيوانات، اضافة الى حال اليباس التي لحقت بالمزروعات”، لافتا الى “ان مخزون السد العالي الذي بلغ في بداية سنوات الشح نحو 55 مليار متر مكعب، أنقذ مصر وحماها من عواقب هذه الازمة المدمرة”.

ويذهب رمال بعيدا في انتقاد معارضي إنشاء سد بسري، إذ لاحظ أنهم “يحاصرون وسائل الاعلام ويحولون دون نشر الرأي الآخر”، معتبرا “ان فكرة التهويل التي يطلقها هؤلاء بحجة أن بحيرته تقوم على خط زلازل معروف (فالق البحر الميت – اليمونة)، وأن الزلزال في حال حصوله سيؤدي الى غرق بيروت بمياه البحر، هي فكرة غير مقنعة، بدليل أن السد العالي الذي يقوم فعلاً على خط زلزال أخطر لم يمنع مصر من إنشائه، علما أنه مضى على إنشاء هذا السد أكثر من 50 عاما”.

وذكّر رمال ونصرالله بأن الفالق نفسه يحاذي بحيرة القرعون، وقد مضى على إنشائها نحو ستين عاماً ولا تزال صامدة، فيما قال رمال: “لو توقفت الحكومات في العالم عند أخطار الهزات الأرضية لما أقيمت مئات آلاف السدود في أنحاء المعمورة”.

وناشد أنصار البيئة وبلديات الحوض أن يضعوا حداً لاعتراضاتهم “التي تهدد مصير قرض البنك الدولي الموافَق عليه لإنشاء السد” كما صرحت بذلك بعثة البنك الدولي التي زارت لبنان أخيرا.

salwa.baalbaki@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*