سبعون عاماً في عين معاليه كأمس الذي عبر


سمير عطاالله
النهار
27062018

كان الاستاذ عبدالله بشارة أول أمين عام لمجلس التعاون الخليجي ومن مؤسسيه. وقد شغل المنصب دورتين. وظل قبلها مندوب الكويت الدائم لدى الأمم المتحدة نحو عشر سنين، منها سنتان في مجلس الأمن، حدثت خلالهما الضجة حول لقاء المندوب الاميركي اندرو يانغ في منزله، ومندوب منظمة التحرير زهدي الطرزي.

تجمعني بالاستاذ بشارة مودة مذ كان مدير مكتب وزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد العام 1964. وقد توطدت هذه الصداقة خلال سنوات الأمم المتحدة، إذ تحولت الى رفقة شبه يومية، كان يزيد في تنويرها سفير استثنائي يدعى غسان تويني.

إتّهم عبدالله بشارة، القادم من أوكسفورد، بالرجعية بسبب حماسته للكويت أولاً، ثم للخليج، وخوفه المعلن عليهما من تهور الثورية العربية. وعلى رغم كل ما فعله لفلسطين كسفير، اتُهم بالتقصير. وذات مرحلة اصبحت صداقة عبدالله بشارة “محرجة” حتى في الكويت. إنه “يبالغ” في محبة بلده وفي الخوف عليه، فماذا يترك للشعور القومي؟

لم تعد صداقة أبو معتز محرجة بعدما اجتاح صدام حسين الكويت، ووجد منظمة التحرير تؤيده. ولم يعد رجعياً، بل ذا رؤية. والأصدقاء الكويتيون الذين كانوا يتندّرون في ديوانياتهم بعصبية عبدالله بشارة، وجدوا أنفسهم في المنافي بلا بيت ولا وطن، تدير شؤونهم من الطائف حكومة محاطة بكرم اوسع من كرم الاوطان.

عندما عاد الكويتيون الى ديارهم كان عبدالله بشارة قد أصبح هوالمسموع بين أصحاب الرأي. وانتقل من مستشار للشيخ صباح الاحمد الى مستشار لبكره الشيخ ناصر، وزير الدفاع الآن. وكان الشيخ ناصر مبتعداً عمداً عن المنصب الوزاري طوال سنين، لكنه كان يرأس مؤسسة للتخطيط المستقبلي. وأذكر أنه قبل ربع قرن، وقبل بروز الدور الصيني، كتب ان على الكويت (والعرب) ان تبدأ التفكير في عالم “طريق الحرير” الجديد. البعض قال يومها – وأنا منهم – إن الشيخ ناصر يكثر القراءة في رحلات ماركو بولوا! لكنه كان يقرأ في المستقبل الطبيعي لتلك القوة الظاهرة وموقع العرب منها.

كلما تحدثت مع عبدالله بشارة يسألني دوماً عن اخبار لبنان بغيرة الكويتي وفضول السياسي. اتصلت به الاسبوع الماضي معايداً بالفطر، وكالعادة، سأل عن “أخبارنا”. وقلت له، أخبارنا مثل أخباركم. نقاش وجدل وخطب بعضها ضد البعض. قال: “لا. هذا كلام غير دقيق. نحن نقاشنا داخلي وطني، ليس من أجل أحد ولا بسبب أحد. الجدل عندكم مغاير تماماً. إني اقرأ في مذكرات فؤاد بطرس، أحد كبار رجالاتكم. وهو يروي ان محاضر مجلس الوزراء كانت تُنقل الى ياسر عرفات، وبعده الى سوريا. هذا أمر لا يمكن ان يحدث في الكويت”.

عندما اجتاح صدام حسين الكويت معلناً اياها المحافظة العراقية التاسعة عشرة، بحث في ارجاء الدولة الكويتية عن شخص يرضى بقبول دور المحافظ! أي شخص. أي ثمن. وفي النهاية عثر على سجين سابق يرضى دور رئيس الوزراء. ولم يكن اغراؤه مكلفاً. فهو مزواج، أكرمه الأخ القائد بلقب رئيس الوزراء وتكاليف عرسين.

على رغم كل مأساة العرب يومها ضحك الكويتيون. الرجل الوحيد والمهرج البائس الذي ارتضى الدور الهزلي، أعطى الكويتيين أهم شهادة في تعلقهم بالأرض. حتى في صفوف البعثيين لم يقبل احد الوحدة بالاحتلال والاجتياح. وقد شعروا جميعاً بالإهانة أكثر من سواهم. وعندما كتبت مرة ان المحامي حمد اليوسف أول البعثيين، كان يؤيد الحزب قبل الغزو، ارسلت اليّ ارملته مع شقيقها وصديقي صبيح السلطان معاتبة، قائلة إن أبا عمر لم يؤيد في حياته الأنظمة العسكرية، ولا دور العسكريين في الحزب أو في السياسة.

لم أشعر بالإهانة من كلام عبدالله بشارة، ولا هو كان يقصدها. لكنني أردت ان أقول لرجل في مثل معرفته، أننا بلد عربي بدأ العمل بالدستور ثلاثة عقود قبل الكويت. وكان دستورنا الأرحب بين الأمم، صغيرة أو كبيرة. يقول العالم الدستوري، واحد أبرز اساتذة القانون، البروفسور انطوان مسرة، إن عبقرية الرحابة اللبنانية ابتكرت صيغة لا سابقة لها. فالحكومة في الدستور “سلطة اجرائية” لا تنفيذية. سلطة تيسّر أمور الناس وتسهّل شؤونهم وقضاياهم، لكنها لا تحكم ولا تتسلط ولا تشرك بالله.

المشكلة لم تكن مرة في الدستور، بل في فوضى التقصير والازدراء وتسييب حقوق الناس وأصول الحكم وأسس الدولة. والفاسدون والمرتكبون يتبرأون من المسؤولية ليرموا بها على الدستور والطائف والنظام، كما يقول مسرّة.

كنا في الماضي نعاني سوء تفسير الدستور، والآن اصبحنا في سوء تفسير الدولة. في امكان اي كان أن يكون طاغية، متجاهلاً كل أعراف وقوانين المائة عام الماضية، بدءاً باللياقات البشرية الأولية. وعلى سبيل المثال، قال الوزير (والآن، النائب) سيزار ابي خليل، إن ما أنجزه العهد في عامين أهم مما أُنجز طوال السنوات السبعين الماضية. مثل هذه الحماسيات تزيد في اهدار رصيد العهد. هذه الصبيانيات المتناثرة لا تليق اطلاقاً برجل ما زال ينتظر أن يبدأ عهده وحكومته الأولى، فإذا بالوزراء المحسوبين عليه يلغون بكف واحدة بشارة الخوري، ورياض الصلح، وفؤاد شهاب، ورشيد كرامي، وصائب سلام، وكمال جنبلاط، والياس سركيس، وفؤاد بطرس، وفيليب تقلا، وكميل شمعون وسواهم. ولو؟ معاليك. اذكروا محاسن موتاكم. فقبل ظهوركم وظهور النفط، كان هناك بلد ودولة وبشر وشجر أرز وعَلَم وقوات مسلحة. أرجو أن تبقي مار شربل خارج تعداد المنجزات. وفي المرة التالية تذكّر معاليك أنك تخاطب الشعب الذي تشرف، وإلى الأبد، بأنه انتخب سعادتك. مهلاً. أمامك الوقت كله، فنحن بلد تبلد على احتقار الوقت: رئاسة تستغرق سنتين ونصف سنة. وزير لا يتنازل لاستقبال الامين العام للأمم المتحدة أو أمين الجامعة العربية، ثم يلقن الاسرة الدولية درساً لا تنساه في مفهوم التعامل الانساني.

مهلاً، الآن، وقد منحتنا من عليائك في وزارة الطاقة، ثروة النفط، أعطنا الفرصة أولاً أن نحتفل ببئره الأولى. وامهلنا فرصة التأمل في معجزاتك، ولماذا لم يرسلك تعالى قبل اليوم تملأ البر والبحر خيراً، والمدن نوراً وأشعة. ليتك رتبت أولوياتك وجعلتها مثل أولويات الشعب اللبناني العظيم: المياه، الكهرباء، سد جنة. وبعدها النفط.

كل ما نطلبه، سعادتك، شيء من التواضع. لا شراكة مع الله ولا مع الأرض ولا مع البحر. هذه أرضنا، وهذا بحرنا منذ أن ذر ترابنا على المتوسط. وقد حدث ذلك قبل ازمنة كثيرة من تشكيل وزارة الطاقة والمياه ورأس بعلبك. اقسم لك، لا مطلب آخر لدينا: قليل من التواضع حيث أمكن. لقد ادرك الآباء المؤسسون أننا لن نطيق الغرور والغطرسة، فسموا نظامنا “سلطة اجرائية”. تسهيل امور الناس  في النظام البريطاني. حتى التاج هناك، لم يدّع ظهور النفط في بحر الشمال. سماه جزءاً من الثروة الوطنية، ولم يعتبره منّة وزير الطاقة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*