ساحة البرج تستعيد اليوم أبناءها الأبرار: عبدالكريم الخليل… شهيد العرب الأول

 

شخصيات من أعيان آل الخليل في الشياح في الأربعينات من القرن الماضي

للمرة الأولى منذ 42 سنة، ستتوجه عائلات شهداء السادس من أيار اليوم إلى ساحة الشهداء في بيروت للاحتفال بالذكرى السنوية لإعدام مجموعة من أبنائها الأبرار على يد الحاكم العثماني لبلاد الشام آنذاك أحمد جمال باشا. وكانت الاحتفالات بهذه المناسبة الوطنية، توقفت في ساحة الشهداء بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1975، وبادرت عائلات الشهداء بالتنسيق مع محافظ بيروت القاضي زياد شبيب إلى استعادة الساحة هذه السنة للمرة الأولى بعد الحرب الأهلية لإحياء هذه الذكرى قرب تمثال الشهداء الشاهد على تلك الحرب والذي اخترقته رصاصات المتقاتلين
آنذاك.

عبد الكريم الخليل

يتخلل الاحتفال توقيع كتاب «عبدالكريم الخليل: مِشعل العرب الأول 1884-1915» (دار الفارابي) لمؤلفه الباحث الصحافي يوسف خازم. يكشف هذا الكتاب معلومات تُنشر للمرة الأولى، عن دور الشهيد عبد الكريم الخليل في النهضة العربية أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وتأسيسه أول جمعية عربية سرية في استانبول سنة 1905 تنهج العمل السياسي والعسكري من أجل انفصال البلاد العربية عن الإمبراطورية العثمانية وتأسيس الدولة العربية المستقلة. شمل نشاط الشهيد الخليل كل بلاد الشام إلى جانب العراق ونجد والحجاز واليمن، حيث كانت له اتصالات مع أعيانها وقادتها، خصوصاً إمام اليمن حينها يحيى حميد الدين. اعتمد المؤلف في جزء من الكتاب على مخطوطات كان يُعدها المؤرخ الراحل عجاج نويهض لكتابة سيرة الخليل، إلى جانب شهادات شفوية من عائلة الشهيد، ومصادر أخرى وأوراق كانت مبعثرة كتبها معاصرون. وكشف جمعُ كل تلك المعلومات بعد وضعها في سياقها الدور الرائد والمميز لعبد الكريم الخليل في استنهاض الأمة وتأثيره الكبير في الحركات الثورية التي نشطت بعد استشهاده. أدرك عجاج نويهض وهو يبحث في سيرة الشهيد الخليل مطلع الخمسينات الدور الخطير لهذا الرجل، فأطلق عليه صفة «شهيد العرب الأول… وشهيد العرب المكرم… ومشعل العرب الأول». وزاد في مخطوطاته أنه كان «لسان حال العرب في الحركة (العربية). بروزه القومي لا يجعله قائد الرعيل ورأس القافلة وكفى، بل كشف بأخلاقه الفريدة عن شخصية نادرة المثيل في التجرد والإخلاص، ودفعت الناس بكل قواها على القضية العربية». يكشف الكتاب الدور المهم لعبد الكريم الخليل خلال مفاوضاته مع الدولة العثمانية باسم العرب للحصول على حقوقهم المدنية علناً، ونشاطه السري في الوقت ذاته، لتنظيم التعبئة العسكرية بين الضباط والعسكريين العرب في الجيش العثماني وحضهم على المشاركة في برنامجه للاستقلال عن الدولة. ويعرض للمرة الأولى كيف كان نشاطه السياسي القومي العربي مصدر قلق للحركة الصهيونية التي زرعت جواسيس في مقره «المنتدى الأدبي»، وربما كان عملاؤها من بين الذين تسببوا في اعتقاله ثم إعدامه لاحقاً على يد جمال باشا.
يبدأ الكتاب (12 فصلاً في 423 صفحة) بعرض كيفية جمع معلومات كانت مبعثرة وغير معروفة وينشرها للمرة الأولى عن عبد الكريم الخليل ودوره في تأسيس الحركة العربية واستنهاض الأمة العربية مطلع القرن العشرين. ثم يعود إلى تاريخ نسب عائلته المهاجرة من قرية شحور في جنوب لبنان إلى ضاحية بيروت الجنوبية، ويسرد سيرته الذاتية إلى جانب وقائع تعكس توجهه السياسي والثقافي والاجتماعي. يتناول يوسف خازم في الفصل الرابع «عبد الكريم الخليل وحال الأمة» واضعاً هذه الشخصية المميزة في سياقها التاريخي، فيعود إلى الحقبة التي ولد فيها سنة 1884 وما بعدها خلال نشأته ثم إقامته في إستانبول للدارسة والعمل السياسي، ليصف حال البلاد العربية آنذاك. ثم ينتقل إلى نشاطه في الجمعيات العربية وتأسيسه عدداً منها، خصوصاً «المنتدى الأدبي». يكشف في هذا السياق تأسيسه أول جمعية عربية سرية باسم «الشبيبة العربية» كانت تعمل لانفصال البلاد العربية عن الإمبراطورية العثمانية باستخدام العمل المسلح. ويُبين كيف التحق أنصار عبد الكريم الخليل وأعضاء جمعيته السرية بعد استشهاده بالثورة العربية الكبرى التي قادها شريف مكة حسين بن علي وابنه الأمير فيصل وأدت إلى طرد العثمانيين من البلاد العربية سنة 1918 بمساعدة بريطانيا، خلافاً لخطة الخليل التي كانت تسعى لثورة عربية خالصة من دون التعاون مع البريطانيين أو أي جهة أجنبية.
ويكشف الكتاب الدور الرائد الذي مارسه الخليل، قبل مئة سنة، في وضع برنامج لتوحيد التعليم في البلاد العربية، وتركيزه على أهميته في استنهاض أبناء الأمة الذين كانوا ضحية محاولات التتريك وإلغاء عروبتهم. ثم يعرض حال الدولة العثمانية في فترة نضاله السياسي قبل أن يتطرق إلى المؤتمر العربي الأول الذي انعقد في باريس سنة 1913 وقراراته ودور الخليل في منع أنصار فرنسا في المؤتمر من فرض أجندتهم على قرارات المؤتمر. الفصل العاشر يسرد تفاصيل تحضيرات الخليل لثورته على الحكم العثماني، وهي تُنشر للمرة الأولى أيضاً، إلى جانب الوشايات ضده ودور الحركة الصهيونية العالمية في التجسس عليه وربما الإيقاع به، وصولاً إلى اعتقاله وسوقه إلى ديوان الحرب العرفي في عاليه مع رفاقه ومحاكمتهم ثم إعدامهم. في الكتاب، تفاصيل أخرى مثيرة عن مساعدة والدة عبدالكريم الخليل ابنها في شراء أسلحة لرجاله، وعن سر خديوية بلاد الشام الذي باح به جمال باشا لعبد الكريم الخليل. وكذلك تفاصيل عن زرع الحركة الصهيونية جواسيس في «المنتدى الأدبي» للتجسس على نشاط الخليل في منع هجرة اليهود إلى فلسطين وشراء أراض فيها، وكلمته أمام السلطان العثماني محمد الخامس في هذا الشأن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*