زيارة في “عقل” الموارنة

نتائج الحرب الأهلية 1975 – 1990 أدت، بسبب الهزائم من جهة والانتكاسات الذاتية من جهة ثانية إلى نوع من دونية سياسية لدى المسيحيين اللبنانيين وبصورة خاصة لدى الموارنة لا يبررها أبدا عُلُوُّهُمْ الثقافي التربوي الجامعي الفني العلمي الاجتماعي الاقتصادي. أتحدّث هنا عن العُلُو كقيمة سياسية مبتورة أو مُنْتَقَصة بسبب الموازين الأمنية والخارجية.

عندما وصلتُ إلى مكتب مدير مكتبة جامعة الروح القدس في الكسليك الأب الدكتور جوزف مكرزل برفقة عميدة كلية الزراعة في الجامعة الدكتورة لارا حنا واكيم، صاحبة فكرة الزيارة وإحدى صاحبَيْ الدعوة مع الأب مكرزل، كان أول ما فعلتُهُ هو السؤال عما إذا كنتُ أستطيع الحصول على كتاب مذكرات الآباتي بولس نعمان الرئيس الأسبق للرهبانية المارونية اللبنانية التي تُشرف على الجامعة وتديرها وأحد الوجوه الفكرية السياسية التنظيمية البارزة للحرب اللبنانية بين 1975 – 1990.

بعد جولة وأحاديث أربع ساعات داخل الجامعة وداخل مكتبتها وبينما كنتُ أهُمّ بركوب سيارتي حاملا نسخة من كتاب نعمان في موقف سيارات الجامعة قالت لي الدكتورة لارا التي كانت تودّعني مشكورةً حتى باب السيارة: ها هو الآباتي نعمان. التفتُّ فإذا بشخص مشرق الوجه لكن مشتت النظرات بعض الشيء يجلس على مقعد إلى جانب السائق في سيارة صغيرة (Navette) تُستعمل للتجول داخل الجامعة.

أشارت السيدة واكيم بيدها للسائق بالتوقف ولما فعل حيّتْ الآباتي نعمان وقالت له: يا لها من صدفة. أعرِّفك بفلان. وصل هنا وأول شيء أراده هو نسخة من كتابك. ابتسم وجهه وسأل: أي كتاب؟ قلت له طبعا مذكراتك. أشار برأسه إلى الأمام واتسعت ابتسامته وصمت. كانت علامات السن بادية عليه وواضح ان التركيز ليس قويا. ودّعتُ ودخلت إلى سيارتي وما أن أدرت المحرك حتى فوجئت بسيارة الآباتي وهي “تَشُكُّ” إلى جانب سيارتي ليقول لي الآباتي نعمان من على مقعده: أريدك أن تكتب وتنتقدني إذا كانت لديك اعتراضات.

قال ذلك بحيوية كما لو أنه استدرك وبدت عيناه وقد استعادتا في تلك اللحظات ذكاءهما وقوتهما وتربصهما. قلت له: سيّدنا بالتأكيد إذا استفزَّيْتَني سأكتب. قابل الجميع ذلك بالضحك الودي! وافترقنا.

كل شيء يحيط بجامعة الكسليك صار سياحيا ما عدا بكركي، مركز البطريرك الماروني، التي تقع على كيلومترات قليلة “جواً” لتكتمل ثنائية “الوطنية الكسروانية” بحسب مصطلح الآباتي نعمان في كتابه منسوبةً إليها حركة سياسية منظمة.

 جامعة الكسليك، هذا المعقل التربوي الذي صار “خلية أزمة” في مراقبة التأزم اللبناني منذ العام 1966 كما تشرح ذلك بتفصيل غير ممل وشديد المعلومات والدلالات مذكرات الآباتي نعمان: “الانسان الوطن الحرية – الجزء الأول 1968 – 1982” (ولا جزء ثان!). غير أن المبنى القديم للجامعة (الأربعينات) بقي قادرا بشكل عام على حماية فضائه البحري الغربي من المرتفع الصغير الذي يقوم عليه فأضاف المباني الجامعية الجديدة الحديثة وبعضها بهندسة بوست مودرن في الخلفية الشرقية للأرض التي تحيط به. ولولا بناية واحدة تشاهدها قرب ساحل جونية من شرفة الجامعة التقليدية وتظهر من بعيد كاعتداء على حرية المدى البحري لهذه المؤسسة الجبَلية الماضي، والشرقية الطقوس المسيحية، والغربيةِ الحاضر والانشداد والتي ترتفع شرقَها وشمالَها وجنوبَها بعضُ قمم جبل لبنان الأشهق… لولا هذا النتوء الباطوني البشع الذي يعكّر صفاء السماء (وليس طبعا بأي حال عامودَ السماء التوحيدية ولا مسلّةَ الأرض الفرعونية) لكانت من زاوية المشهد كل المباني الباطونية الأخرى الكثيفة في منطقة الكسليك – جونية الرائعة مجرد طفيليات ولكنْ سرطانية حيث نسبة الاعتداءات الأكثف أو بين الأكثف على الأملاك البحرية في لبنان. اعتداءات الرساميل لا اعتداءات الفقراء كالفارق بين امرأةٍ ميسورة تخرج مشوّهةَ الوجه من عيادة طبيب “تجميل”، وامرأةٍ فقيرة تُشَوِّهُ جسدَها الفاقةُ ونقصُ الاهتمامِ بنفْسِها.

كان من حظي أن أعود من زيارتي إلى جامعة الكسليك وفي جعبتي كتاب نعمان الذي أعده الزميل أنطوان سعد وصدر عن دار النشر (سائر المشرق) التي يديرها.

هذا الراهب الأسْود، يشبه كثيرين غيره ولا يشبه إلا نفسَه. لفتني في تركيبه للكتاب أنه، وهو الذي يلتزم خطا سياسيا في فترة الحرب ويعبر ولا يزال عن عقل ماروني موغِل في تقاليد الأفكار والكنيسة والمشاعر لا يتردد عن نقد الكثيرين ممن كان على صلة وثيقة بهم. فهو يفاجئك بنقل معلومة أو رأي حيث لا تنتظر وهو أيضا، وهذا مهم، يكشف أنماط علاقات داخل الرهبانية وداخل الكنيسة وداخل الطائفة صريحة وإنما رصينة رغم لامألوفيتها. أسرار الجبهة اللبنانية وأسرار أقطابها، صراعاتهم مناوراتهم وأسرار أحزابها وحروبها. إنها قصة الحرب قبل أن تقع وبعد أن تقع مرويَّةً من أحد معاقلها الأكثر نشاطا والأكثر محافظة. الآباتي نعمان لا يخفي من اللحظة الأولى انحيازه لفكرة عدم نجاح الصيغة اللبنانية وانتماءه للتيار الذي حاول إنهاء أو تعديل الشراكة مع المسلمين بعدما أخلّ بل نسف المسلمون هذه الصيغة بتأييدهم غير المتحفظ للسلاح الفلسطيني.

كنتُ دائما أقول في معرض مراجعتي كمراقب سياسي لتجربتي العامة في الحرب أن المسلمين نسفوا الميثاق عام 1968-1969 ولكن المسيحيين نسفوا الدولة عام 1975. تعزّز احتمال صحة ملاحظتي بعد قراءتي لهذا الكتاب الذي سأظلمه أكثر كلما عرضت ما فيه أكثر لأنه من الصعب على مقالة مراجعةٍ واحدة أن تنقل جميع التفاصيل والمعلومات التي يمكن لقارئ لبناني ونسبيا عربي وأجنبي أن يهتم بها.

يأخذ هذا الراهب الآتي من قرية عين تريز في منطقة الشوف – عاليه ( قضاء عاليه) مهمة الشرح السريع للفارق بين نسبة انخراط الرهبانيات في المجتمع وقابليتها للتفاعل السريع وبين الجسم الديني العادي ويعترف أنه والبعض نظروا إلى انتخاب المطران خريش بطريركا مكان البطريرك المعوشي المتوفي عام 1975 على أنه “نكسة… لأننا كنا نعتبر أنه لا يتمتع بصفات قيادية ويبدي تعاطفا أكثر من اللازم مع القضية الفلسطينية” .

بشير الجميل ينضج مع الوقت، الشيخ بيار الجد عبء على حركة الجبهة اللبنانية لأنه لا يريد التخلي عن صيغة 1943. صورة كمال جنبلاط في الكتاب أنه خصم دائم، مجيد أرسلان هو المرجع الذي أوصاه والده ( أي والد الآباتي) أن يؤيده على الدوام، فؤاد أفرام البستاني الذي يقول لكميل شمعون وبيار الجميل إن “الشعب الماروني كان دائما أهم من قياداته” سعيد عقل الذي لا يخاف من أسلمة لبنان وإنما يخاف من تعريبه، دين براون الذي يرفض الآباتي بقوة قصةَ أنه طلب من الموارنة الرحيل ويعتبرها جازماً مجرد إشاعة غير صحيحة، بدء العمل خلال الحرب قبل 1982 على إنشاء “وكالة لبنانية” للموارنة على غرار الوكالة الصهيونية، لقاء مع ياسر عرفات يقول فيه الآباتي نعمان متوجها لعرفات “لو كان عندكم رهبانيات في فلسطين لما ضاعت” وتوتُّر بيار الجميل وسليمان فرنجية (قبل مجزرة إهدن) وقول الأول للثاني “وين كنتو لما كنا وحدنا عم ندافع بالحرب” فأجابه فرنجية: كنا عم نسرق المرفأ أي التذكير بدور الكتائب الشهير في هذه العملية وإعجاب كميل شمعون برد فرنجية، والمديح بالسفير الفرنسي دولامار كمؤيد لـ”القضية اللبنانية” وإهانة بشير الجميل لخلفه بول مارك هنري بعد اغتيال دولامار في بيروت الغربية بسبب تأييد السفير الجديد لياسر عرفات. و و و…… عشرات التقارير والمواقف والمعلومات ما هو فعلا لا بديل له سوى قراءة الكتاب (544 صفحة) مع صورِهِ العديدة بينها صورة جورج حاوي أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني يقبّل منحنيا وبخشوع الصليب الذي يحمله الآباتي نعمان على صدره في حفل ديبلوماسي فرنسي.

لكن لا بد في النهاية من بعض الملاحظات:

يطل الكتاب على ملفات عديدة دولية وعربية بينها العلاقات مع الحزب الديموقراطي المسيحي في ألمانيا وهي علاقات سلاح وسياسة ودعم تربوي ومالي عبر الرهبانية ويواكب تطور الموقف الأميركي من المسيحيين وبشير الجميل ويكشف بشفافية رصينة بعض محطات تدخل الفاتيكان لتوجيه الرهبانيات أو تعديل بعض خطاباتها ويروي وقائع مواجهة زحلة عام 1981 وقبل ذلك الخيار الصعب جدا لتأييد الدخول السوري عام 1976 كذلك يشرح “ولادة الفكرة الفدرالية” ويتابع من بعيد العلاقات بين بعض الأحزاب المسيحية وإسرائيل ولكنه يؤكد أن الرهبانيات لم تقم العلاقة المباشرة مع تل أبيب إلا بدءا من عام 1982 مع أنه يعترف وبكل صراحة أنه كان مؤيِّداً لهذا الخيار. ويحضرني هنا ما ورد في محضري لقاء بشير الجميل بعد انتخابه رئيسا في نهاريا مع رئيس الوزراء مناحم بيغن، ثم في لقائه في بكفيا مع أرييل شارون وهما المحضران اللذان نقلهما الدكتور جورج فريحة في كتابه “مع بشير – ذكريات ومذكرات” (دار سائر المشرق) وهما لا شك أوسع وأدق محضرين نُشرا حتى الآن عن هذين اللقاءين لأن فريحة كان أحد الحضور القلائل في وفد بشير في نهاريا والوحيد إلى جانب بشير في بكفيا. وستكون لي عودة في مناسبة ثانية إلى هذين المحضرين اللذين يستحقان درسا وتفكيكا وتحليلا وافين، أريد أن أختم بأن دقة آراء نعمان من حيث فهمه لثنايا تلك الحقبة المتشابكة كانت ملفتة رغم أنه صاحب موقف أيديولوجي لأن العادة هي أن الأيديولوجيا كرؤية دوغماتية مسبقة تحد من مرونة تحليل الوقائع والظواهر. هنا كان نعمان في نباهته الكاملة كسياسي. أما الآراء التي ينقلها عن بعض الآخرين من محاضر جلسات سياسية فهو ليس مسؤولا عن مضمونها بل حتى عن “سذاجاتها” أحيانا وإنما عن توثيقها.

جعلتني قراءة هذا الكتاب – والكاتب أكاديمي متمرّس – أتذكّر مرة أخرى ما أردده دائما كمراقب وهو أن الفكرة الوطنية اللبنانية، أكانت انفصاليةً أو توحيدية، استعمارية أو أصيلة، هشّة أم متماسكة، واقعية أم أسطورية، تجعل لبنان البلد الوحيد في العالم الذي أسّسته سياسيا شبكةٌ من المدارس والجامعات وبينهما جامعتان أميركية ويسوعية وعشرات مدارس الرهبانيات والإرساليات القائمة قبل أن يولد “لبنان الكبير” كحصيلة أولاً لهذه البنية التعليمية.

خلال جولتي في مكتبة الجامعة أراني الأب مكرزل مخطوطة وثيقة لأول كتاب مطبوع في المشرق، أو الجزء الشرقي من الامبراطورية العثمانية، في مطبعة دير القديس أنطوان في جبل لبنان عام 1610. الكتاب هو نموذج لما يُسمّى اللغة الكرشونية أي الكتابة باللغة العربية وإنما بالحرف السرياني. هذه صناعة الرهبان أكثر من ثلاثماية عام قبل طباعة أتاتورك للغة التركية بالحرف اللاتيني وحوالى أربعماية عام قبل أن يتحول الحرف اللاتيني إلى حرف كتابة وتبادل للغة العربية بين الجيل العربي الجديد على هواتف ووسائل تواصل ثورة الانترنت.

أخذ الأب مكرزل يقرأ من النص العربي المعنى والمبنى بسلاسة كأنه يقرأ أي كتاب عربي. فقط “الشيفرة” سريانية. وهو ما يستطيعه جميع عارفي اللغة السريانية.

تبدو الوطنية اللبنانية اليوم وبأكثر من معنى، كرشونية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*