زهرة المدائن

 

محمود الزيباوي|السبت23/12/2017
Almodon.com

 

فيروز

بعد قرار الرئيس الاميركي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل، عادت أغنية “زهرة المدائن” إلى الواجهة، وشرعت شركة طيران الشرق الأوسط ببثها مع عرض لمشاهد من القدس عند هبوط جميع طائراتها. وضع الأخوان رحباني هذه الأغنية في زمن الهزيمة الكبرى، بعد موجة الأغاني الحماسية التي رافقت حرب 1967، وأطلقتها فيروز تحت ظلال الأرز في 17 آب، وانتشرت، وباتت أجمل الأغاني التي قيلت في القدس وأرفعها شأناً. 

مع اندلاع حرب الأيام الستة في حزيران-يونيه 1967، دعت الدولة المصرية الفنانين إلى المشاركة في المعركة، وفتحت لهم أبواب الإذاعة والتلفزيون لمواكبة الحدث. كما قيل يومها، “جنّد الفن طاقاته في معركة الحق”، وتم تسجيل ستين نشيداً حماسيا في ثلاثة أيام. لبّت الإذاعات العربية الأخرى هذا الدعوة، وكرّست كل طاقاتها لهذه المعركة. هكذا تحوّلت الإذاعة اللبنانية إلى ساحة قتال، وسارع سائر الفنانين اللبنانيين إلى تسجيل الأغاني الوطنية والأناشيد الحماسية. في يوم الإثنين 5 حزيران، سجلت ثمانية أعمال غنائية حربية. وفي يوم الثلاثاء، سُجلت عشرة أخرى، تبعتها اثني عشرة أغنية في اليوم التالي، كما صُوّر عدد كبير من هذه الأعمال لبثها على سائر أقنية التلفزيون. في الختام، أكّد حسن الحسن مدير إذاعة بيروت “ان اهل الفن تجاوبوا بشكل جيد جدا مع الاحداث، وانهم كانوا في ذروة الحماس، وعبروا جدا عن واجبهم الوطني تجاه قضية فلسطين، والمعركة التي دارت على الأرض العربية”.

نقلت الصحافة وقائع هذه المشاركة الفنية في الحرب، وقالت إن الملحنين توفيق باشا وعفيف رضوان أمضيا ليلة الثلاثاء في الإذاعة التي استدعت فرقة كورس جديدة تناوبت العمل مع الفرقة الموجودة فيها. ارتدت نجاح سلام بزة المقاومة الشعبية، وسجّلت عددا من الأناشيد، منها “جيش بلادي”، “موكب البطولة” و”جيشنا يا وثبة الفدا”. غنت نور الهدى اهزوجة وطنية تدعو للتبرع بالدم، مطلعها: “من جسمك نقطة دم/ لخيّك وابن العم/ بتشفي اسد مجروح/ بتعود لجسمه الروح/ وبيزول عنه الهم”، كما أدت قصيدة بعنوان “القدس يا زمان العرب”. وغنت زكية حمدان من ألحان خالد أبو النصر قصيدة تخاطب فيها الأم ولدها قائلة: “الى السلاح يا بني/ يا ساعد المجد الفتي/ يا بني وكل ما لدي/ يا كل شيء في يدي/ أهديك للوطن”. كذلك، غنت نزهة يونس من كلمات سمير صعب وألحان جورج يزبك: “هاي هيي هاي هيي، المعركة العربية”. ولحّن وديع الصافي وأنشد قصيدة من نظم خازن عبود تقول “اليوم لا غدا الموت للأعادي/ يُسترخص الفدا اليوم لا غدا”. وعاد محمد سلمان إلى عالم التلحين والغناء، وقدّم أغنية بعنوان “على راسك”، وأخرى بعنوان “لبيك يا علم العروبة”. وغنى احسان صادق من كلمات مارون كرم: “منحارب منحارب منقاتل منضارب/ على حدودك يا لبنان يا ويلو اللي بيقارب”. كتب الشاعر محمد علي فتوح في هذه الفترة القصيرة ستة عشر مقطوعة حماسية تم تسجيلها كلها، منها لوحة غنائية لحّنها توفيق باشا، شارك فيها وديع الصافي، نصري شمس الدين، نور الهدى، نجاح سلام، نازك، فدوى عبيد، سعاد هاشم. كذلك لحّن توفيق الباشا نشيدين أدتهما جوقة الإذاعة، الأول من تأليف أسعد سابا، ومطلعه: “دقت ساعتهم انكسرت شوكتهم/ انتصرت رايتنا وانذلت رايتهم”. والثاني من نظم مصطفى محمود، ومطلعه: “أي صوت من فم الحق ينادي/ أيها الجيش تأهب للجهاد”. وقام عفيف رضوان بتلحين سبع أغنيات، أدت الجوقة ستة منها. وقدّم زكي ناصيف ثلاث أغنيات لقوى الجيش البحرية البرية والجوية.


أجمل الأغاني التي قيلت في القدس وأرفعها شأنا.

شارك الأخوان رحباني بشكل رمزي في هذه المعركة حيث ظهرت فيروز على التلفزيون وغنت باللباس الفلسطيني “سنرجع” التي تعود إلى منتصف الخمسينات، كما أنشدت من نظم سعيد عقل نشيد “أجراس العودة” الذي أطلقته في صيف 1966 على خشبة مسرح معرض دمشق الدولي. نشرت الصحافة نشيدا آخر نظمه سعيد عقل، مطلعه “نحن على الأبواب فلتفتج الأبواب/ ترنو إلى أصحابها وتومئ الهضاب”، وقالت إن الأخوين رحباني يلحنانه لتنشده فيروز، غير ان هذه الأغنية الموعودة لم تبصر النور. بالرغم من ذلك، سطعت الأعمال الرحبانية التي سُجّلت في السنوات التي سبقت حرب 67، وتحدّث فيصل قواص عن هذه الأعمال بإعجاب، وقال: “المتطلع إلى التسعة عشر سنة التي مرت على نكبة فلسطين، للبحث عن الأثر الذي تركته النكبة في نفوس الفنانين اللبنانيين حتى ما قبل النكسة التي بدأت في الخامس من حزيران 1967 الأخيرة، يكاد لا يلمح الا انتاج الأخوين الذين لا يتركا مناسبة الا ويساهما بفنهما بها، عنيت بهما الأخوين رحباني”. ذكر الصحافي في مقالته بعضا من هذا الإنتاج الذي “يروي النكبة في مستوى يليق بفلسطين وبالأخوين رحباني”، وأضاف: “ورغم ظهور اعمال أخرى متفرقة لغير الرجبانيين في الموضوع، الا ان التركيز على مختلف زوايا القضية لم يبرز كما برز في اعمال الأخوين رحباني، وذلك في فترات متعددة نفت عنها روح تأدية الواجب، ورفعتها الى مستوى التحسّس النفسي والفني الصحيح للقضية. المهم، لا يسعنا في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد العربية من اجل فلسطين الا ان نحيي كل فنان وفنانة من لبنان ومن الدول العربية الذين سارعوا للمساهمة في هذا الواجب الوطني المقدس عن طريق الفن، وتحية من كل عربي مخلص، وكل فلسطيني وفي، الى عاصي ومنصور، والى فيروز طبعا”.

بعد الهزيمة، نشرت مجلة “الحوادث” في 21 تموز-يوليو تحقيقا تناول مسألة “مخاض الأغنية العربية” في هذه الفترة الحرجة. شارك منصور الرحباني في هذه الندوة، وانتقد الأناشيد الحماسية التي كانت تذاع قبل النكسة، ورأى انها “صوّرتنا شعبا متوحشا يحب القتل والذبح، بينما نحن في الواقع شعب له حضارة كبيرة جدا”، وتساءل:”لا أدري كيف وصلت هذه الموجة الى اذاعاتنا، والمهم اليوم ان نكون قد استفدنا من دروس النكسة. على الأغنية ان تكون إنسانية، لان الإنسانية وحدها توصل الى الحق، ثم يجب عليها ان تقلّل من استغلالها للحق العربي،لأن ذلك من شأنه ان يُبعد الرأي العالمي عنا. ولعلّ من أكثر الأسباب التي زادت من تأثير النكسة علينا هو بعد الرأي العالمي عنا، ويتوجب علينا معرفة عرض القضية حتى تربح هذا الرأي. والأغنية مؤهلة أكثر من المقالات السياسية والكتب والمحاضرات في التوجيه، لأنها تدخل في كل بيت ودون استئذان، لذلك علينا ان نحسن استغلال هذه الامكانية وهذه المرونة”.

في 17 آب-أغسطس، افتتح الأخوان رحباني مهرجان الأرز بقصيدة “مهداة الى القدس” عنوانها “زهرة المدائن”، كما جاء في كتيّب العرض. حققت الأغنية نجاحا كبيرا، وبُثّت مصورة على شاشات السينما في وصلة مستقلة من اخراج هنري بركات عند عرض فيلم “سفر برلك” في مطلع تشرين الأول. في رسالة موجهة إلى وزارة الثقافة المصرية، عبّر رجاء النقاش عن اعجابه الشديد بهذه الأغنية المصورة في مجلة “الكواكب”، ودعا إلى عرضها “في جميع دور السينما، ولمدة تمكّن جميع المواطنين من مشاهدته”، وقال: “تريد الصهيونية ان تسيطر على القدس لتقلب الوضع، فبعد ان كانت في ظل الحضارة العربية مدينة للجميع، تريد الصهيونية ان نقفل أبوابها في وجه الجميع، وخاصة سكانها الأصليين من العرب، على ان يكون باب المدينة مفتوحا للصهيونيين وحدهم، وان تكون الراية المرفوعة هي راية نجمة داود السداسية وحدها. لا منطق الحضارة، ولا منطق التاريخ، سوف يمكنهم من الاستمرار في هذه المؤامرة على ضمير الانسان ومشاعره. حول هذه المدينة، زهرة المدائن، قدمت فيروز فيلما قصيرا يعتمد على اغنية رائعة كتبها الأخوان رحباني ولحناها. كل الذين شاهدوا هذا الفيلم بلحنه وكلماته بكوا بدموع حقيقية، وبكيت معهم، متأثرين بما فيه من فن هو أقرب الى صلاة المناضلين والشهداء، وهو خير غذاء للوجدان العربي في هذه المرحلة التي نمر بها، انه لون من الخبز المقدس الذي يجب ان نأكله في هذه الأيام. ولن أطيل في وصف هذا الفيلم القصير الرائع، لأنني مهما وصفته، فلن اعطي له صورة حقيقية تتناسب مع حقيقته. ان هذا الفيلم القصير يعطينا الكثير”.

في نهاية العام، أعيد تصوير “زهرة المدائن” في سهرة تلفزيونية جمعت بين أغاني الميلاد وأغاني القدس، وقدّمها سعيد عقل بنص قال فيه: “القدس الليلة موجعة. وحدها نسمات الأرز ستقصد إليها بدلا مني، لكنني سأناديها من بعيد. سأقول كم أحبّها وكم أنا لوجعها موجع، وكم أودّ لو تتحوّل شعاف الصخور من بلادي إلى درع تقيها الغوائل. الليلة لا أملك إلا هذا يا قدس. لكنّي أؤمن بأن صوتا من عندنا سيصل إلى ربوعك، ويقول لك حبّي ذاك الذي يحاول أن يُعزّي ويتلفّظ بالأمل”. ردّ أهل فلسطين التحية في منتصف عام 1968، وحمل نائبا القدس إميل غوري ومحي الدين الحسيني مفتاح القدس إلى بيروت وسلّماه إلى فيروز مع صينية مصنوعة من الصدف تمثل المسجد الأقصى، وذلك في احتفال مهيب تناول فيه الكلام منصور الرحباني وقال: “لن نكف عن الغناء لفلسطين. والعودة ستجرح سماء العالم بصراخنا. وفرحنا العظيم يوم تتدافع الأيدي السمر عائدة حاملة مفاتيح بيوتها”.

في 13 آب، تحت عنوان “خطاب مفتوح إلى فيروز”، كتب مجدي نجيب في “الكواكب”: “يأتي صوتك في زهرة المدائن كالنسمة التي تحاول صعود الجبل وعبور وادي الرياح، حاملة على اجنحتها الرقيقة ابتسامة الصباح الجريح الذي يصرّ على الاشراق رغم كل الجراح. يمر هذا الصوت المتفائل محطما حواجز الحزن ليمزق الستائر السوداء على نوافذ قلوبنا، طاغيا على كل نغمة تخاذل، هازما جحافل الآهات الأخرى المنبعثة من احشاء اغانينا المليئة بجراثيم اللوعة. هل يتعلمون، من لا يريدون ان يتعلموا، من مطربيننا وملحنينا، كيف يعايشون تجربة الإحساس بجراح الآخرين والشعور بأن هذه الجراح تشكل في النهاية جرحا واحدا في فم قلب كل عربي”.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*