زمن الإبن

 


سمير عطاالله
03012018
النهار

أحاطت هالة بالبيت الرحباني في انطلياس. والهالة قلعة، أو حصن. وما يدور فيها يُحكى، ولكن لا يُكتب. ويُهمس، ولا يُباح. وقد عرِفت الناس ان النقار قد دبَّ في الحصن. لكن فيروز وعاصي كانت لهما مرتبة طوباوية في النفوس، وما من أحد يريد لهذه المرتبة أن تهتز. فلم يصدق الرائي ما يرى، والسامع ما يقال.

زياد لم يكن يملك هذا الترف. فهو قلب البيت، ومبكراً سوف يحزم حقيبته ويغادر. أو بالأحرى، يترك، نبع العبقرية في انطلياس، ويدخل عالماً جديداً، اكثر اضطراباً وبلبلة، ولكن اكثر استقلالاً.

للمرة الأولى نعرف، قراءة، ان زياد لم يخرج من البيت متمرداً فحسب، بل حزيناً ايضاً. العائلة المقدسة ضربتها الحقائق البشرية. من هذا الخروج، يبدأ طلال شتوي، “زمن زياد” (1) سيرة، نادرة السكب، متعددة المسكب، وتحفة من تحف البيوغرافيا.

لا شك في أن الكاتب منبهر بموضوعه. لكنه من غير أن يدري، يحول هذا الموضوع إلى مرحلة وعصر، وفي النهاية، إلى “زمن”. ومن كان حائراً في تقويم زياد، وخصوصاً في المقارنة التلقائية، بينه وبين منبعه، لن يترك له طلال شتوي ترف الحيرة، أو سذاجتها. هنا، الإبن مساو للأب، ولكن على ايقاع مختلف، لعصر مختلف، ولجيل ووطن متضاربين.

في الماضي كان يقال إن “الأخوين رحباني” شيوعيان. تقال نصف تهمة، نصف تساؤل وتعجب. فأعمالهما مليئة بالفقراء والكنّاسين والأشقياء. أما زياد فالشيوعية إشهار، لا إشاعة. ومن كان يعتقد أن حماسته لها ايديولوجية نابعة من قراءة كراريس لينين واحلام ماركس، لن يفاجأ. مثل موسيقاه، مثل شعره، مثل حياته، مثل فوضاه، هي نابعة من عمق التجربة الشخصية بين الناس. هم صوته وهم صداه.

الباحث عن “الاخوين رحباني” في “زمن زياد” لن يجد إلا زياد واماكنه وأناسه والمنبهرين بظاهرته. سوف يعثر على اطلالته المتنبئة بأحوال لبنان في “نزل السرور”، وسهرات الجاز في “البلونوت” وعالم “شارع المكحول” الذي اخترعه جورج الزعني لقتل الملل والاستغناء عن رعونة بيروت، وسوف يجد أسماء أولى بلا تتمات عائلية: طارق وكاتيا وامل وميسا واسكندر وايفانا وموسى. جيل يحب زياد، ويقاتل للقضية الفلسطينية، ويلد الابناء فقراء من اجل الثورة. لكن الثورة نفسها تولد شاحبة. وفيها رواسب الأوبئة، وسوف يكتشف صاحب “بالنسبة لبكرا شو”، ان الممثلين الذين يسخرون على المسرح من الطائفية والطائفيين، يتشاجرون في ما بينهم خلف الستارة، ويحتدّون ويغضبون. إنه أيضاً زمن الحرب، وسوف يعبرها هو مثل دون كيشوت بسيف من خشب وخطب من ذهب، ثم يتأمل نفسه يائساً: “يا نور عينيا/ رحنا ضحية/ ضحية الحركة الثورية”.

لم “يأتِ” زياد إلى المشهد الثقافي في بيروت: “فجأة انفجر. صار هو الحدث الثقافي”. وسوف يتلقاه جيله بنبضه السريع كما تلقى جيل الأب والأم ظاهرتهما بالهدوء والحنين والفرح الغامض.

يحاول زياد في المراحل الأولى، أن يكون تمرده مطلقاً. ولذلك، سوف يشمل أيضاً الأخوين وإطارهما: “متى عرف الإنسان الحقائق سقط عن سرير الاحلام”. لكن إلى أين يفرّ من كان أبوه عاصي وأمه فيروز؟ يجد نفسه أمام الجدار في اغنيته الأولى، إذ يضع هذه الكلمات: “قديش كان في ناس / عالمفرق تنطر ناس / ويحملوا شمسية / وانا بايام الصحو / ما حدا نطرني”! ثم يتوقف ولم يكمله، “فاشترى” عاصي النص منه بـ 250 ليرة وأكمله، أكملَ ماذا؟ أكملَ إحدى أجمل أغاني الأرض.

“المفرق” ذلك الفاصل الحنون والمتكرر والغامض في زمن الإبن والأب. نقطة التقاء وفراق: “في قهوة عالمفرق في موقدة وفي نار / نبقى انا وحبيبي نفرشها بالأسرار”. إلى اأين يمكن أن يهرب الإبن من تشابه العبقريات، ولو اختلفت الأزمنة؟

سوف يكتشف زياد لاحقاً، في صمت، أنه متكرر في حقيقة أخرى من حقائق الروح والجسد. مثل الأب والأم المتغاضبين أحياناً، هو أيضاً “مجده الوحيد عمله”. ومثلهما سوف تملأ اغانيه ومسرحه مصر وسائر العالم العربي.

بعدما خرج عاصي من الثلاثية الكبرى، إنشق منصور من الثنائية، وتطلعت فيروز عبر الجسر نحو الابن الشارد. وفي ارادتها العميقة وقوتها الصامتة، قررت انه “فليلحن زياد ما يشاء، وهي سوف تغني ما يشاء”. وإذ كان منصور قد غاب بشعره، اطل في هذه المرحلة من يليق بالحنجرة المكونة من ستة آلاف بلبل. وكاد لا يلحظ أحد ان غريباً يدعى جوزف حرب هو من كتب “شتي ايلول”، و “زعلي طوّل”، و”أنا عندي حنين”.

كتاب طلال شتوي ليس اطروحة في الموسيقى، ولا في الشعر، إنه مطالعة في صاحب العنوان. زياد ظاهرة غير مرتبطة بما قبل وغير مهتمة بما بعد: “عايشه وحدا بلاك وبلا حبك يا ولد / حاجي تحكي عن هواك / ضحَّكت عليك البلد”! دعنا من “دبنا وما تبنا”، دعنا من “يا ساحر العينين”. و “يا مايلة عالغصون عيني”. دعنا. فهذا ليس زمنه.

“زمن زياد”، سيرة ورواية وتوليفة وتغريبة. أحد أشخاص التغريبة هو الشاعر اسكندر جحا. يختصر اسكندر الحالة البشرية المعروفة باسمها الأول، “زياد”: “زياد لم يؤلف جمهوراً، بل انجب شعباً حقيقياً يسير وراءه ويدخل معه في اللعبة، ويعرف سلفاً ماذا ينتظره. الاتحاد الاستثنائي بين الفنان والناس”.

“ايفانا” في التغريبة هي الصحافية الباهرة ايفانا مرشيليان. واختصاصها في المهنة اقناع كبار أهل الصمت بالبوح. ولها سوف تقول فيروز: “بيتنا بيت صعب. أولاد هذا البيت تعذبوا كثيراً. إنهم أولاد معاناة. عائلتنا مثل التراجيديا الاغريقية، الفرح فيها وقتي، والأساس فيها هو الحزن والألم. فرحنا الموقت كان الحلم، والحزن هو الحقيقة”.

وماذا تقول فيروز؟ تقول فيروز: “البكاء كالشتاء، يغسل النفس”. وماذا تقول فيروز عن زياد؟ تقول فيروز عن زياد: “زياد فنان للمستقبل. هو ابن عاصي، والإبن سر أبيه. زياد تعلم في مدرسة عاصي. هو ليس فناناً بالصدفة”.

عندما ترك زياد فوار العبقريات في انطلياس، كانت الحقيبة الكبرى هي الذات: الموهبة ومناخها. الإسم لم يكن أكثر من لفت نظر. وصل الى “الغربية” وهي تخرج من حديقة التنوع إلى مغارة الحرب. وراح يرسم ابطاله من “شي اندريه”، وتشرد الصعاليك وتمرد الوجوديين الجدد. لكن عوض أن يسجنوا انفسهم في تسمية حاصرة، اختارو ان يكونوا جيل زياد: على ما يبدو.

(1) “زمن زياد”، الطبعة الثالثة، طلال شتوي (دار الفارابي).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*