زلمة المر مرّ: قصص من ساحل المتن


غسان سعود
الأخبار
19102009

رغم المعلومات الموثّقة التي نشرتها «الأخبار» ضمن تحقيق «وما أدراك ما العمارة؟»(19/10/2009) لم يحرك أحد من المسؤولين (ما عدا محافظ جبل لبنان بالوكالة أنطوان سليمان) ساكناً. أما المواطنون، فيتابعون شكواهم من الفساد في غالبية المجالس البلدية في المتن. هنا ثلاثة نماذج عن هذا الفساد من الزلقا ــ عمارة شلهوب، سن الفيل وأنطلياس ــ النقاش

غسان سعود
بعدما أُلِّفت الحكومة، بدأت وزارة الداخلية والبلديات البحث جدياً في إمكان إجراء الانتخابات البلدية في موعدها المحدد الصيف المقبل، في ظل سعي وزير الداخلية زياد بارود إلى إقرار بعض التعديلات على قانون البلديات. لكن يبدو أن المطلوب من وزارة الداخلية، قبل الانشغال بالتشريع، الاضطلاع بدورها، بوصفها وزارة وصاية على البلديات، وخصوصاً أن إجراء الانتخابات في الظروف الحالية يعني استفادة بعض رؤساء البلديات المرشحين من موقعهم لتقديم رشى متعددة الشكل بغية التأثير في نتائج الانتخابات.
في هذا السياق، يمكن التوقف عند بلدات الزلقا ـــــ عمارة شلهوب وسن الفيل وأنطلياس ـــــ النقاش التي تمثّل المخازن الأساسية لنفوذ النائب ميشال المر في ساحل المتن، حيث يتبادل رؤساء ثلاثة مجالس بلدية الخدمات مع المر: هو يحميهم من المحاسبة، وهم يحرسون نفوذه، فارضين قوانينهم.

من أين لك هذا؟رئيس المجلس البلدي في الزلقا ـــــ عمارة شلهوب هو ميشال عساف المر (غير النائب المر)، ويلقب بـ«الشريف». ابن عائلة بتغرينيّة الأصل، نزح والده إلى الزلقا قبل نحو ستين عاماً ليعمل لدى أنطوان عقل. وحالت الظروف المادية الصعبة دون إكمال «الشريف» تعليمه، فبدأ باكراً العمل في إصلاح الأدوات الصحية. ومرة، أثناء العمل، نشب خلاف بين «الشريف» وشقيقه الملقب بـ«التحدي» من جهة وشخص من آل أبو جودة، فأطلق «الشريف» النار على أبو جودة، ولجأ إلى النائب ميشال المر طالباً حمايته. وهذا ما كان: حماه المر بداية عند أصدقاء له في البقاع، ثم وظفه في إحدى شركاته بأفريقيا. وبعد انقضاء مهلة الملاحقة القضائية بحقه، عاد «الشريف» إلى لبنان ليعيّنه المر عبر الانتخابات البلدية عام 1998 رئيساً للمجلس البلدي في الزلقا ـــــ عمارة شلهوب، ويجدد له عام 2004.
«الشريف» الذي لا وظيفة له غير منصب رئيس المجلس البلدي بات يملك، كما تظهر «بطاقة المعلومات عن الملكية العقارية» الصادرة عن المديرية العامة للشؤون العقارية، 16 عقاراً، 8منها في بلدة الزلقا، 3 في بتغرين، وواحد في كل من البوشرية والجديدة وشويا وقرنة شهوان ومزرعة يشوع. مع الأخذ في الاعتبار أن معلومات «الشؤون العقارية» لا تُظهر إلا المناطق الممسوحة وتستثني المناطق الخارجة عن السجل العقاري الممكنن والمناطق التي لم يصدّق عليها القضاة العقاريون بعد. ويقدّر بعض المطلعين على الأوضاع الاقتصادية للمر أن العقارات التي يملكها ولم تُسجَّل بعد تتجاوز ستة عقارات، منها شقتان في بلدة الزلقا. علماً بأنّ سعر الشقة الواحدة في هذه المنطقة يتجاوز مئتي ألف دولار، فضلاً عن أن «الشريف» يقود سيارة تتجاوز قيمتها خمسين ألف دولار.
أما ابنه جان الذي «يصدف» أن معظم المؤسسات العقارية التي ترغب في العمل في الزلقا تستعين بخبرته الهندسية فيملك بحسب الشؤون العقارية، عقارين، واحداً في الزلقا (798 ـــــ 21) وآخر في البوشرية (2194 ـــــ 16). أما الياس، بكر أبو الياس الثاني، فلم توافق المديرية العامة للشؤون العقارية على تقديم كشف عن ممتلكاته للتشابه بين اسمه واسم وزير الدفاع الياس ميشال المر، فيما يتردد في الزلقا أن لديه أكثر من 4 شقق سكنية كبيرة.
وتُسجَّل على «الشريف» شكاوى عدّة:
ـــــ يستفيد من حقه بصرف مساعدات تقلّ قيمتها عن 3 ملايين ليرة من دون حسيب أو رقيب، ومن تجاهل غالبية الأعضاء لهذه المساعدات، ليوزع وحده أكثر من 150 ألف دولار شهرياً على عائلات محتاجة دون أخرى.
ـــــ تظهر سجلات البلدية أن غالبية المشاريع تحصل بلا رقابة ولا مناقصات كما يفرض القانون.
ـــــ يُعَدّ «الشريف» الأكثر شهرة في المتن بين رؤساء البلديات لناحية سماحه لأنصاره بحفر الآبار الارتوازية وتسكير الشرفات ونصب الخيم، في مقابل قمعه الخصوم.
ـــــ حوّل «الشريف» شرطة البلدية إلى ما يشبه الجهاز الأمني الخاص به، فالموظفون في الشرطة جميعهم من دون استثناء ملتزمون تأييد النائب المر، وثلث هؤلاء ليسوا من أبناء الزلقا، وثمة شرطيان من البلدية يحرسان منزل «الشريف».
ـــــ ابن شقيقة «الشريف» يتقاضى راتباً من البلدية لقاء عمله سائقاً عند زوجة رئيس المجلس البلدي.
ـــــ يعمد المر إلى معاقبة الموظفين في البلدية أو مكافأتهم بحسب خياراتهم السياسية. وكان الموظف في البلدية شوقي فاخوري قد تقدم بدعوى أمام مجلس شورى الدولة على المجلس البلدي بعدما طرده «الشريف» من عمله في البلدية، وفاز بحق التعويض عليه بمبلغ قدره 117 مليون ليرة.
وتجاوزت سلطة «الشريف» في الأعوام الماضية الزلقا ـــــ العمارة لتصل إلى أنطلياس ومار بطرس والدكوانة، حيث إنه المسؤول الأول عن الماكينة الانتخابية للنائب المر. لكن في الانتخابات النيابية الأخيرة تبين أن سلطة الشريف اهتزت في الزلقا، المعقل الثاني لميشال المر بعد بتغرين، فنال أبو الياس 962 صوتاً في مقابل 1061 للنائب إبراهيم كنعان. ويبدو واضحاً في كلام بعض ناشطي حزب الطاشناق في الزلقا أن الحزب جازم في نيته عدم دعم «الشريف» في الانتخابات المقبلة. وحالُ الطاشناق في ذلك من حال الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي يملك نفوذاً محدوداً في الزلقا، علماً بأنّ كلاً من الطاشناق والقومي يمثَّل بعضو في المجلس البلدي (ثمة اتهامات توجه إلى العضو القومي بتلقي مساعدات من «الشريف» لمستوصفه دفعته إلى الاقتراع بحسب إرادة «الشريف» لا إرادة حزبه في الانتخابات النيابية الأخيرة).

ثمانماية مليون ليرة طارت

القصة في سن الفيل أدسم، فرئيس إقليم الكتائب هناك نبيل كحالة خاض عام 2004 معركة طاحنة في وجه لائحة النائب ميشال المر، لكنه سرعان ما تفاعل إيجاباً مع مسعى المراقب
المالي السابق في البلدية جاك نجم لمصالحته مع المر، وبدأ الممارسة على طريقة أبو الياس. وللدسم في سن الفيل ثلاثة عناوين:

الملف الأول هو الإهدار الحاصل في صندوق المجلس البلدي الذي يقدّر، حسب المراجع الرسمية، بأكثر من 800 مليون ليرة لبنانية. فقد اكتشف أحد الموظفين في البلدية فقدان الدفاتر الحسابية في البلدية ودفاتر الإيصالات، فأجرى جردة حساب ليتبين له نقص مبلغ 600 مليون ليرة لبنانية من الصندوق خلال ستة أشهر، فأبلغ الموظف رئيس المجلس البلدي بذلك. «الريس» طلب منه السكوت ثم سحب مبلغ 450 مليون ليرة لبنانية من مصرف لبنان بموجب شيكين وأودع المبلغ لدى أمين صندوق البلدية. لكن الخبر انتشر، وبعد تحرك النيابة العامة للتدقيق في الموضوع، تبين أن المبلغ المفقود هو نحو 800 مليون، لا 600 مليون.

تحرك القضاء، لكن المفارقة كانت أن الدفاتر الأربعة الضخمة التي يبلغ طول كل منها أكثر من متر وعرضها أكثر من نصف متر وسمكها زهاء عشرين سنتمتراً والتي تُسجل فيها القيود اليومية لعمليات البلدية، قد اختفت! أما المفارقة الثانية فكانت أن حراس البلدية وموظفيها، على وفرة عددهم، لم يلاحظوا من قام بإخراج تلك الدفاتر الضخمة، التي يعجز عن حملها شخص واحد. وليتمادى الساحر في سحره، برزت مفارقة ثالثة، إذ تعطلت الكاميرات الخمس الموجودة داخل البلدية والمربوطة مباشرة بمكتب رئيس المجلس البلدي، وتعطل أيضاً نظام الحفظ الدائم، الذي بحسب الشركة التي باعت الكاميرات، يستحيل تعطيله. وهكذا، لم يُحدَّد السارق بعد. علماً بأنّ مسؤولية الحفاظ على أموال البلدية مشتركة بين رئيس المجلس البلدي، رئيس دائرة القسم المالي وأمين الصندوق. وكل دَفع للأموال من دون مستند مستوف للشروط المطلوبة يُعَدّ مخالفاً للقانون. علماً بأنّ رئيس المجلس البلدي رفض إعطاء الإذن بملاحقة رئيس القسم المالي ورئيس الدائرة في البلدية، جورج أبو أنطون، لكن النيابة العامة المالية قررت ملاحقة أبو أنطون وادّعت عليه بجرمي الإهمال واختلاس الأموال العامة. وفي النتيجة، لم تعد الأموال المسروقة، ولم يحاسب السارق الحقيقي.

وفي إفادته أمام القضاء، يقول الموظف السابق في البلدية، شكيب حبيب (المتعاقَد معه بعد انتهاء السن القانونية خلافاً للقانون أيضاً): كان أمين الصندوق يفتقر إلى الحدّ الأدنى من المؤهلات المطلوب توافرها في أمين صندوق، يتعامل يومياً بعشرات الملايين من الليرات، قبضاً وصرفاً، ويدفع عشرات الملايين يومياً بصورة متواصلة لقاء أمر شفهي سواء من رئيس المجلس البلدي أو من رئيس الدائرة.

وفي الإفادة نفسها: «إن سير الأعمال في بلدية سن الفيل لا يخضع للقوانين والأنظمة البلدية، بل لأوامر رئيس المجلس ورئيس الدائرة اللذين كانا مكملاً أحدهما للآخر. وكانا يطلبان مني الإيعاز إلى أمين الصندوق بتسديد عشرات الملايين من الليرات لفلان قبل إعداد القرار بصرف المبلغ، وكنت أرفض. الأمر الذي كان يدفع رئيس القسم المالي بالتكليف أو رئيس البلدية أن يطلب شفهياً من أمين الصندوق أن يدفع المبالغ المطلوبة لشخص ما، وكان أمين الصندوق ينفذ ما يطلب منه ويسدد الأموال بدون أي سند، وهذه المخالفات كانت تتكرر يومياً، وتفوق بقيمتها المبالغ المدعى اختلاسها بأضعاف». وكانت هذه المدفوعات، والكلام لحبيب، تشمل حقوق المتعهدين وسلفات العاملين ومساعدات أخرى مختلفة. وقد سلكت هذه القضية المتعرجات القضائية الروتينيّة، لكن الفضيحة الأساسية أن المتهمين من أكبرهم إلى أصغرهم أجمعوا على أربع نقاط أساسية لم تُثر اهتمام وزير البلديات زياد بارود ولا محافظ جبل لبنان أنطوان سليمان ولا قائمقام المتن ولا اتحاد بلديات المتن، وهذه النقاط هي:

ـــــ ثمة موظف ينفذ أوامر رئيس البلدية بالنسبة إلى قرارات الصرف قبل صدورها رسمياً فيدفع من صندوقه.
ـــــ يدفع هذا الموظف سلفاً على حساب المساعدات الاجتماعية قبل موافقة المجلس البلدي عليها.
ــ يدفع سلفاً على حساب رواتب الموظفين بناءً على طلب رئيس البلدية بانتظار صدور جدول للمعاشات والأجور في آخر كل شهر ليحسم عندئذ تلك السُّلَف من رواتب مستلفيها.
ـــــ يدفع من الصندوق سلفاً على حساب مناقصات وأعمال صيانة قبل أن تسلك معاملات هذه المناقصات مسلكها القانوني الصحيح.
الملف الثاني في سن الفيل يتعلق بالجباة، إذ يختار رئيس المجلس البلدي من يجدهم «الأكفأ» لشغل هذا الموقع. والجابي يجمع الأموال في شهر شباط، مثلاً، لكنه لا يسلمها إلى البلدية حتى شهر كانون الأول ليستفيد بذلك من الفوائد العالية، على مدى شهور، سواء أودع الأموال في المصرف أو «ديّنها بالفائدة». والغريب أن أحد هؤلاء الجباة، يدعى خ. م، لم يستطع أن يسدد في كانون الأول الأموال التي يفترض أنه جباها. وكل ما حصل له أنه أجبر على الاستقالة والعودة بكل بساطة إلى منزله.
الملف الثالث عنوانه «التجزئة». فكل صرف لمبلغ يتجاوز عشرين مليون ليرة يتطلب قراراً من المجلس البلدي ويفرض حصول مناقصة. هذا الأمر يعطّل بعض السرقات. كيف يجري تجاوزه؟ عبر «التجزئة». علماً بأنّ مبدأ «التجزئة» غير قانوني.

ماذا تعني «التجزئة»؟ مثلاً، تبيّن لرئيس المجلس البلدي في سن الفيل أن كلفة الزينة لعيد الميلاد ورأس السنة نحو ثمانين مليون ليرة. في الوقت نفسه، تبين للريس أن حصول المناقصات والالتزام بالقانون يعنيان مرور العيد قبل وصول الزينة. الحل هو تجزئة الثمانين مليوناً إلى 4 أجزاء، وإصدار 4 قرارات بصرف عشرين مليون ليرة. هكذا يمكن شراء الزينة من دون مناقصات، علماً بأنّ غالبية الفواتير التي تقدم لقرارات صرف العشرين مليون ليرة هي فواتير وهمية، فيما صرف المساعدات الاجتماعية والمنح وغيرها (أقل من 3 ملايين) لا يحتاج إلى مستند جدي.

الإرث المعنوي في خدمة الإرث المادي
من سن الفيل إلى أنطلياس ـــــ النقاش فقد رئيس المجلس البلدي إيلي أبو جودة الرصيد الشعبي الكبير الذي تركه له والده، لكنه عزز قيمة الأراضي في منطقة الكسارات التي تركها له والده. فأبو جودة الذي ورث رئاسة المجلس البلدي (بعد وفاة والده فرحات أبو جودة أتمّ سامي الخازن الولاية ثم اتفقت فاعليات أنطلياس على مبايعته على الإرث) و«مشروع الكسارات»، اهتم بالإرث الثاني على حساب الأول. ويسجل على أبو جودة شكاوى كثيرة، هنا بعضها:

ـــــ رغم عدم وجود كثافة سكانية في منطقة الكسارات، وسّع رئيس المجلس البلدي الطريق وعبّد الطرقات الثلاثة التي توصل إلى منطقة الكسارات، وبعدما حسّن المنطقة فرز الأراضي التي يملكها والتي تتجاوز مساحتها مليون متر، فارتفع سعر المتر من 20 دولاراً إلى نحو 200 دولار. وفي اجتماع للمجلس البلدي طلب الريّس تقديم رخصة لزهير كفوري لإنشاء محطة وقود، مؤكداً أن «هذه المحطة لي أنا».


ابن شقيقة «الشريف» يتقاضى راتباً من البلدية لقاء عمله سائقاً عند زوجته

ثمانماية مليون  ليرة طارت من بلدية سن الفيل ولم يحاسب أحد

ـــــ تظهر السجلات البلدية أن شركة الريّس حفرت أكثر من 86% من ورش البناء في أنطلياس خلال الأعوام الثلاثة الماضية.
ـــــ مطعم «السنيور» شيّد على أرض يملكها رئيس المجلس البلدي، فسمح لصاحب السنيور بأن يضع مولدات كهرباء في أملاك البلدية، علماً بأنّ شرطة البلدية تغضّ النظر عن مخالفات إيقاف السيارات على الأملاك العامة في محيط «السنيور» مقابل تشددها في إعداد محاضر مخالفات بالسيارات المتوقفة قرب المطاعم المنافسة.
ـــــ صاحب معرض فرنسيس للسيارات، وليد فرنسيس، يعرض 50 سيارة على الأملاك العامة من دون دفع رسم للبلدية. لماذا؟ لأنه على علاقة تجارية وطيدة برئيس البلدية!
ـــــ بناية ميشال موسى أخذت إفادة إنجاز غير صحيحة، أي قبل إنهاء العمل، فتهرب صاحبها بذلك من ضرائب تتجاوز مئة مليون ليرة.
ـــــ يعطي رئيس المجلس البلدي أعوانه رخصاً لخيم تتجاوز مساحة بعضها مئتي متر، وآخر رخصة خيمة أعطيت لشاب من آل أبو جودة في منطقة النقّاش أقفلت وتحولت منزلاً، علماً بأن الخيمة في بناية رئيس المجلس البلدي قرب السفارة المكسيكية أقفلت وتحولت منزلاً.
ـــــ أعطى رئيس المجلس البلدي ترخيصاً لإقامة خزانات تستخدم للمازوت داخل أحياء سكنية بعد حصول رئيس المجلس من صاحب الخزانات على حق المرور عبر أراضي الأخير إلى أراضي رئيس المجلس.
تحديث القوانين أو تطويرها خطوة أساسية ربما، لكن السؤال الأساسي لوزارة الداخلية عشية بدء التحضير للانتخابات البلدية يتعلق بالعوائق التي تمنعها من تطبيق القوانين المرعية الإجراء، وما نفع القوانين المستحدثة ما دام رئيس المجلس البلدي يستطيع صرف مساعدات وهمية على حساب الدولة ليشتري الناخبين مهما كان شكل القانون الانتخابي؟



أكبر نفوذ لأصغر عائلة

■ في بلدة المنصورية ـــــ المكلس ـــــ الديشونية، كان القانون يمنع غير الجمعيات من البناء إلا على بعد مسافة 500 متر من مجرى النهر. وهكذا، كان ثمة مجمع سكني للكنيسة المارونية ومستشفى ومدرسة لجمعية تُعنى بأصحاب الحاجات الخاصة. وقد مُنعت هذه المدرسة من أن تضع غطاءً حديدياً للملعب يحمي الأطفال، بحجة أن ارتفاعه سيتجاوز السقف القانوني.
هذا الأمر خفض سعر متر الأرض في تلك المنطقة، ما سمح للمقربين من رئيس المجلس البلدي في المنصورية، وليم الخوري، بشراء الكثير من أراضي تلك المنطقة، وفجأة، ومن دون اعتراض من وزارات الداخلية والبلدية والسياحة والبيئة والأشغال العامة، تغير القانون وسمح بالبناء، فارتفعت أسعار الأراضي وبدأت المباني تظهر. واللافت في الديشونية أيضاً، إعطاء وليم الخوري رخصة لإنشاء نادي رماية على بعد أمتار من مستودعات الذخائر الحربية ومخازن الديناميت التابعة للجيش والقوى الأمنية.
■ في بلدة جل الديب ـــــ بقنايا، رشّح رئيس المجلس البلدي، أنطوان زرد أبو جودة، إيلي بجاني لعضوية لجنة التلزيم… وهو في الجزائر، ثم اجتمع المجلس البلدي وانتخب بجاني وثبته رغم وجوده في الجزائر. والآن يفترض أن يترك بجاني أعماله ليزور لبنان ساعتين، يطّلع على العروض ويوقّع. ويشتكي المواطنون في جل الديب من اقتطاع مساحات من أراضيهم من دون مقابل. والأمثلة كثيرة، أبرزها مشروع على طريق القيامة ـــــ المدافن استعملت فيه أملاك المواطنين من دون أن يعوض عليهم، رغم مراجعات بعضهم (موريس أبو جودة هو أحد المراجعين) لدى البلدية. أما الفضيحة، فكانت موافقة زرد أبو جودة على التزام لشق طرقات في البلدة ثم فسخه الاتفاق بعد 15 يوماً. لماذا؟ لأن المجلس توافق على تلزيم متعهد غير صموئيل صليبا الذي يريده الريِّس.

■ لم يجرؤ أحد في بلدة الزلقا ـــــ عمارة شلهوب على الترشح في وجه «الشريف» ميشال عساف المر، رغم أن عائلة المر هي الأصغر في الزلقا من حيث عدد الناخبين (أبو جودة 500 ناخب، أبو غزالة 270 ناخباً، هارون 100 ناخب، نصر 50 ناخباً، نعيمة 40 ناخباً، زيدان 22 ناخباً، السفيلا 18 ناخباً، مسعود 40 ناخباً، زكريا 35 ناخباً، المير 35 ناخباً، المر 17 ناخباً). وبعد الانتخابات سارع النائب ميشال المر إلى زيادة أعضاء مجلس بلدية الزلقا ـــــ عمارة شلهوب من 10 إلى 15، مخصصاً 8 أعضاء لمنطقة الزلقا و7 لمنطقة العمارة، رغم أن عدد الناخبين في الزلقا يبلغ نحو 2375 وفي العمارة نحو 1375، وبالتالي يفترض أن يتوزع الأعضاء على النحو الآتي: 10 للزلقا و5 للعمارة أو 9 للزلقا و6 للعمارة. ونتيجةً للأداء المميز لـ«الشريف» في خدمة المر، غدت بلدة الزلقا ـــــ عمارة شلهوب المعقل الأساسي الثاني بعد بتغرين للنائب المر. ولأنها المعقل، بادر المر عام 2004 إلى تحريك دعوى قضائية «ميّتة» ضد سام مشعلاني لسجنه ومنعه من الترشح ضد «الشريف». ونجح بدعم من حزب الطاشناق في أن يضمن فوز ميشال المر الثاني.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*