اخبار عاجلة

زبائنهنّ كانوا من الأثرياء ومن الجنود الإنكليز… المومسات الأوروبيات في مصر

زبائنهنّ كانوا من الأثرياء ومن الجنود الإنكليز... المومسات الأوروبيات في مصر

بمجيء المومسات الأجنبيات، خاصةً في النصف الأول من القرن العشرين، تغيّرت خارطة الدعارة في مصر، حتى أن المنطقة التي كنّ يقطنّها سُمّيت بـ”حي البغاء الأوروبي”. ونظراً لأنهن لم يكنّ خاضعات للقوانين المصرية، فقد استطعن استقطاب عدد كبير من الزبائن الباحثين عن المتعة.

بدأ توافد المومسات الأوروبيات إلى مصر في عهد الخديو إسماعيل،   بأعداد قليلة، وكان أغلبهن من الإيطاليات واليونانيات والمالطيات، حسبما يروي أستاذ التاريخ الحديث ومؤلف كتاب “البغايا في مصر… دراسة تاريخية اجتماعية 1834 – 1949″، عماد هلال شمس الدين لرصيف22.

وأتت هؤلاء المومسات إلى مصر حيث كان هناك متسع من فرص العمل في مجال البغاء، وكانت أسعار خدماتهنّ الجنسية أعلى من أسعار نظيراتهنّ المحليات وكان زبائنهن من الطبقة العليا والمتوسطة والأجانب، بحسب شمس الدين.

في العقد الثاني من القرن العشرين، لعبت الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) دوراً في توجّه المومسات الأوروبيات إلى مصر. بحسب شمس الدين، شهدت تلك الفترة وما بعدها تنامياً في الإتجار بالفتيات القاصرات، أي في ما يُعرف بـ”تجارة الرقيق الأبيض” التي كانت تقوم على أساس جلب الفتيات من سواحل أوروبا الجنوبية إلى دول الشرق ومنها مصر للمتاجرة بأجسادهنّ.

ويذكر أستاذ التاريخ الحديث في جامعة دمياط أحمد الملا لرصيف22 أنه بمجرد اندلاع الحرب، “وفد إلى مصر جيش من البغايا الأوروبيات لتغطية احتياجات أفراد الجيش البريطاني وجيوش الحلفاء”، خاصة أن مصر كانت مركز عمل هذه الجيوش في الشرق الأوسط.

بيد أن ظروفاً سياسية داخلية سرّعت من وتيرة استيراد المومسات من الخارج بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. يذكر الدكتور عبد الوهاب بكر، في كتابه “مجتمع القاهرة السري… 1900 – 1951″، أن أعدادهن تزايدت بشكل كبير عامي 1924 و1925. فوفقاً لبيانات وزارة الداخلية ومصلحة الصحة تلك الفترة، سُجلت أسماء 390 مومساً، وكان لذلك صلة بتنامي نفوذ الاحتلال البريطاني في البلاد، في أعقاب سقوط وزارة سعد زغلول في نوفمبر 1924 وتولي أحمد زيوار رئاسة ما سُمّي بـ”وزارة إنقاذ ما يمكن إنقاذه”ـ ومحاولته استرضاء البريطانيين بعد مقتل السردار السير لي ستاك.

جرى حينذاك تساهل تجاه دخول الأجانب إلى البلاد، ومنهم المومسات، خاصة أن حركة دخول وخروج المسافرين كانت بيد العناصر البريطانية من جهاز البوليس في عواصم المدن المصرية.

لكن ذلك لم يمنع مجيء عدد كبير من المومسات بصورة غير شرعية، وهذا ما أشار إليه تقرير لجنة الخبراء “الخصوصية” التابعة لعصبة الأمم المتحدة عام 1927 عن الاتجار بالنساء الراشدات والقاصرات.

كشف التقرير المذكور عن أن “أولئك النسوة يسافرن سراً بدون جوازات سفر وبلا أوراق ثبوتية وذلك بمساعدة البحارة، وهن يختبئن في عنابر الفحم، وربابنة البواخر لا يستطيعون تفتيش العنابر خوفاً من عمالها”.

وبحسب التقرير، فإن السواد الأعظم منهن كنّ يعملن في البغاء قبل قدومهن إلى مصر، وكان وصولهن في الغالب عن طريق الإسكندرية، إلا أن بعضهن كان ينزل في بورسعيد والبعض الآخر كان يذهب إلى بيروت ومن هناك يأتي إلى مصر عن طريق البر.

وفي التحقيق الذي أجرته اللجنة، قال أحد محترفي الإتجار بالنساء إنه يجلب من فرنسا كل سنة ثماني فتيات على الأقل ويبيعهن لصاحب بيت الدعارة بسعر 50 جنيه للفتاة، كما أن بعض القوادين كانوا يشترون النسوة لحسابهم.

الامتيازات الأجنبية… دولة داخل الدولة

رغم أن البغاء كان مرخصاً به ويسمح للمومسات بفتح “كرخانات” (كلمة تركية تعني بيت دعارة)، إلا أن معظم المومسات الأجنبيات كنّ غير مرخصات ويرفضن الخضوع للكشف الطبي، ويحتمين بالامتيازات الأجنبية التي تمنع محاكمهنّ أمام القضاء المصري، بحسب شمس الدين.

وبحسب الملا، كان نظام الامتيازات الأجنبية الذي أُقرّ في عهد الخديو إسماعيل يقضي بعدم القبض على أي أجنبي في مصر إلا من خلال قنصليته، وعدم مثوله أمام القضاء المصري في أية جريمة، وإنما أمام قضاء بلده.

هذا الأمر أشار إليه الضابط البريطاني توماس رسل الذي عمل حكمداراً لشرطة القاهرة خلال فترة 1918-1946. ذكر أن هذه الامتيازات أعاقت عمله كقائد لشرطة القاهرة في التعامل مع المواخير غير المرخصة التي كان الأجانب يديرونها، وأن البوليس لم يكن يستطيع أن يدخل بيت أجنبي دون موافقة القنصل وحضوره هو أو مَن يمثله.

وروى رسل في مذكراته المنشورة بعنوان “الخدمة المصرية” قصة طريفة مفادها أن ماخوراً أتعبه هو وزملاءه، لأنهم طوال شهور كانوا كلما أرادوا دخوله يتفاجأون بتغيير جنسية صاحبته.

فعندما أتوا برفقة القنصل الفرنسي واجههم صوت من الداخل يخبرهم أن “مدام إيفون” صاحبة المحل الفرنسية باعته لـ”مدام جنتيلي” الإيطالية فاضطروا إلى العودة لإحضار القنصل الإيطالي. وفي الأسبوع التالي عندما ذهب الحكمدار إلى المحل للاستئذان بالدخول بصحبة القنصل الإيطالي، فوجئ بتغيير جنسية صاحبة المحل إلى اليونانية.

ولم ينقذ رسل إلا اصطحابه سبعة ممثلين لقناصل دول أجنبية دفعة واحدة إلى المحل حتى لا تستطيع أية صاحبة ماخور الاحتجاج بتغيير جنسية المالك. وهكذا نجح في النهاية في إعمال القانون.

ويذكر الدكتور نبيل عبد الحميد في كتابه “الأجانب وأثرهم في المجتمع المصري: 1882 – 1992” أن احتماء المومسات الأوربيات بالامتيازات الأجنبية وجرأتهن وصلت إلى درجة أنهن أسسن منزلاً للدعارة في الإسكندرية، تطل إحدى وجهاته على مسجد مجاور له، واشتكى المصلون منهن كما اشتكى السكان المجاورون للمنزل ولكن بلا فائدة.

ولم تكن منازل الدعارة قائمة في القاهرة والإسكندرية فقط، بل انتشرت في مختلف عواصم الأقاليم. ففي طنطا، كانت هناك شكاوى من سكان مجاورين ضد سيدة فرنسية تدير منزلاً للدعارة تحت مسمى فندق، وبحثت محكمة الإسكندرية المختلطة الشكوى إلا أنها لم تتمكن من اتخاذ أي إجراء، لكون لائحة المومسات الصادرة في أول يوليو سنة 1885 لا تشمل الأجانب.

“وش البِركة”… حي البغاء الأوروبي

يروي شمس الدين لرصيف22 أنه كانت هناك بؤر محددة للبغايا كان لا يُسمح لهن بالتواجد خارجها، كشارع كلوت بك وعشش معروف بالقاهرة، ولكن البغايا الأجنبيات لم يكنّ يلتزمن بها، محتميات بالامتيازات الأجنبية، ولذلك عمل أغلبهن في البنسيونات والفنادق في قلب العاصمة، وإن تركّز نشاطهنّ بصفة أساسية في منطقة “وش البِركة” القريبة من حي كلوت بك والتي سُمّيت بـ”حي البغاء الأوروبي”.

ووفقاً لوصف الدكتور عبد الوهاب بكر، ضمّت “وش البِركة” بيوتاً متواضعة من غرفة واحدة أو “دكاكين” لممارسة البغاء، وكان الدكان يتميز بستارة تغطي بابه ويُكتب على جانبيه سعر الخدمة الجنسية، كما ضمت بيوتاً ذات أدوار متعددة وغرفاً تقع على جانبي ممر الدور الأرضي من البيت.

وكان أبناء القاهرة لا يكنّون وداً للمومسات الأوروبيات، فقد كانوا يطلقون عليهن اسم “شلختات” وهو جمع لكلمة “شلخت” ذات الأصل الألماني  وتعني رديئاً أو سيئاً أو كريهاً، ما يعني أن المصريين كانوا يعتبرونهن شيئاً سيئاً أو رديئاً.

أقوال جاهزة

شاركغرد بمجيء المومسات الأجنبيات، خاصةً في النصف الأول من القرن العشرين، تغيّرت خارطة الدعارة في مصر، حتى أن المنطقة التي كنّ يُقمن فيها سُمّيت بـ”حي البغاء الأوروبي”

شاركغردفي أواخر القرن التاسع عشر، أتت مومسات أوروبيات إلى مصر حيث كان هناك متسع من فرص العمل في مجال البغاء، وكانت أسعار خدماتهنّ الجنسية أعلى من أسعار نظيراتهنّ المحليات وكان زبائنهن من الطبقة العليا والمتوسطة والأجانب

ويفسّر بكر ذلك باحتمال تعالي هؤلاء المومسات على المصريين ورفضهن استقبالهم كزبائن وتفضيل الزبائن الأوروبيين باعتبارهم من بني جلدتهن.

الحرب العالمية الثانية… ازدهار البغاء السري

كان نشاط المومسات الأوروبيات السريات الفعلي أكبر بكثير من نشاطهن الرسمي المقيد في دفاتر وسجلات الجهات المختصة، ويدلل على ذلك عدد الأجنبيات اللواتي ضبطن في الشوارع بتهمة تحريض المارة على الفسق إذ بلغ 6245 في عام 1943، وهذا يفوق أعداد المومسات المصريات اللواتي ضبطن لنفس السبب.

وعزا بكر هذا التزايد في أعداد المومسات السريات في تلك الفترة إلى أن سنوات الحرب دفعت إلى مصر أعداداً ضخمة من جنود الاحتلال وقوات الحلفاء وصلت إلى 127 ألف جندي في الفترة من أكتوبر 1941 حتى مارس 1942، ما أنعش سوق البغاء في القاهرة.

ويضيف الملا سبباً آخر لزيادة هذا النشاط السري، إذ يذكر أن المومسات الاجنبيات كن يخضعن عند ضبطهن للمحاكم القنصلية التي يتبعنها، والتي كانت تصدر أحكاماً ضعيفة، وبالتالي كن يعدن إلى نشاطهن من جديد.

الأمراض السرية… كراسة تعليمات

رغم أن قيادات الجيش البريطاني لم تمنع تردد جنودها على مواخير “وش البِركة”، إلا أن الأمراض التي أصابت عدداً منهم نتيجة هذه الممارسات سببت أزمة كبيرة.

بحسب ارتيميس كوبر في كتابها “القاهرة في الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945″، تم إنشاء سبعة مراكز للأمراض السرية في القاهرة، ارتادها كثيرون من الجنود وامتدت فترة علاج بعضهم إلى عشرين يوماً في السرير.

وبُذلت محاولات لفرض قواعد منظمة على بعض المواخير. ففي الطابق الأرضي وأمام المدخل كان يجلس مندوب السرية الطبية، ليسلم كل زبون واقياً ذكرياً وكراسة تعليمات.

وفي فترة لاحقة، وضعت السلطات البريطانية على محيط المنطقة علامات بيضاء مستديرة في وسطها حرف (x) بالخط الأسود، ما يشير إلى أنه ممنوع دخولها على العناصر من جميع الرتب، وزيارتها كانت تعني المخاطرة بمواجهة الشرطة العسكرية، حسبما روت كوبر.

ولكن كل هذه الإجراءات لم تصمد أمام إغراءات مومسات كنّ يجلسن بمراوحهن على البلكونات الصغيرة التي تطل على الشارع وينادين الرجال السائرين.

وبين الأكشاك الصغيرة المقامة والتي تغطي كل منها ستارة، حمل أحدها لافتة كُتب عليها “نحن نتكلم الاسبرانتو” (لغة عالمية اخترعها لودفيغ اليعزر زامنهوف عام 1887) في إشارة إلى سهولة التواصل مع راغبي المتعة.

وبحسب كوبر، استمر ازدهار “البِركة” كحي للبغاء الأوروبي حتى خريف عام 1942 عندما قُتل جنديان أستراليان، ما دفع السلطات إلى إغلاق المنطقة بأكملها، فتشتت شمل البغايا من المنطقة ورحنَ يمارسن مهنتهن في المقاعد الخلفية في عربات الحنطور.

مقدمات النهاية

سبقت إغلاق “وش البِركة” أحداث عديدة كانت تنبئ بانخفاض عدد المومسات الأجنبيات ونهاية تواجدهن في مصر، منها توقيع معاهدة 1936 والتي ترتب عليها انحسار نفوذ الإنكليز في مصر، ما ترتب عليه ترك عدد من المومسات الأوروبيات للبلاد.

ويذكر الملا سبباً آخر هو توقيع اتفاقية مونترو عام 1937، والتي نصت على إلغاء الامتيازات الأجنبية في مصر وإعطاء مهلة 12 عاماً تنتهي في عام 1949 لتوفيق أوضاع الجاليات الأجنبية، وهو ما كان له أثر في انخفاض أعداد المومسات الأوروبيات اللواتي كن يحتمين بهذه الامتيازات.

وقبل ذلك ظهرت أصوات معارضة للبغاء الرسمي قادها الشيخ محمود أبو العيون الذي كتب مقالات في الصحف أثارت جدلاً في المجتمع، ما أثمر عن خروج توصيات من البرلمان بتجريم البغاء ووصل الأمر إلى إلغائه تماماً عام 1949.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*