روايات الأيدز والطائفية من الصين إلى العراق

 


هيفاء زنكنة
May 15, 2018
القدس العربي

الشيء الذي قادتني اليه الانتخابات العراقية ونتائجها هو الآتي: اثناء إطلاق تأسيس «بيت الرواية»، في مدينة الثقافة، بتونس، أخيرا، قدمت الكاتبة آمنة الرميلي ورقة عن كتابة الرواية اثناء الحروب والحروب الاهلية، وكيف أثرت، إيجابيا، وهنا المفارقة المؤلمة، على زيادة اصدارات وتحسن نوعية الرواية العربية، إلى مستوى جديد أهلها للترشح والفوز بجوائز عربية ودولية. قرأت، في ذات أسبوع إطلاق بيت الرواية، تقريرا عن ازدهار صناعة وتجارة التوابيت في كابول، عاصمة أفغانستان. وأفغانستان، كما هو معروف، البلد الذي نكبته حرب فرض الديمقراطية الأمريكية. سبب ازدهار صناعة التوابيت، في كابول، كما في البلاد العربية، العراق خاصة، هو ذاته الذي سبب ازدهار كتابة ونشر الرواية. انها الحرب. وإذا كان عدد الروايات المطبوعة بالعراق، منذ احتلاله عام 2003 وحتى اليوم، قد تضاعف عشر مرات، بالمقارنة مع ما كتب فيه منذ أوائل القرن العشرين، فان سبب الازدهار ليس راحة البال والرفاه والفرح بالحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، بل للعيش مع المأساة، في كل لحظة، والحياة بظل الخوف والقلق والموت القريب إلى حد استنشاق رائحته كما يشم المرء رائحة جلده.

بسبب الحرب، كما الرواية العراقية، تضاعف عدد صناع التوابيت بكابول، عشر مرات، خلال العقود الأربعة الأخيرة. الا انهم لا يشعرون بالسعادة لازدهار تجارتهم المربحة.
صانع التوابيت في كابول، يعيش، هو الآخر، حياة بائسة. يعبر عنها بصناعة توابيت من نوع خاص. انها صناعة مفروضة عليه كالديمقراطية. فالمسلم لا يدفن، عادة بالتابوت بل يتم الاكتفاء بلف الميت بالكفن. الا ان حرب أفغانستان جلبت للناس، بشكل متزايد، التفجيرات والقصف والالغام، فلم يعد بالإمكان وضع الاشلاء الممزقة في كفن بل بات وضعها في تابوت خشبي ضروريا، لتجميعها، كمحاولة، دنيا، للمحافظة على كرامة الفقيد. انها محاولة اهل الفقيد للإحساس بأنهم يدفنون احباءهم بشكل عادي يليق بهم.
في رواية « حلم قرية دنغ «، تتبدى العلاقة بوضوح كبير بين الرواية وصناعة التوابيت. حيث يكرس الروائي الصيني يان لي آنك، صفحات وصفحات، من روايته للكتابة، بالتفصيل، عن تجارة التوابيت، في أزمنة انتشار الموت، ولكن لسبب آخر، غير الحرب. نشرت الرواية في الصين عام 2006. وترجمت ورشحت لجائزة أفضل رواية مترجمة عام 2012. كتب آنك الرواية بصوت طفل في الثانية عشرة من عمره، تم تسميمه، انتقاما من والده، تاجر الدم المتنفذ، بقرية دنغ الواقعة، بمقاطعة هينان. وهي تجارة انتشرت في الصين في 1991 ـ 1995، لتزويد شركات الادوية بالبلازما واجراء التجارب. تم ذلك بعلم الحكومة وتشجيع المسؤولين، حيث شنت حملة لاقناع الفلاحين والفقراء، المتخوفين من بيع دمائهم، بانها عملية غير ضارة، لأن ما سيستخلص هو البلازما، فقط، بينما تتم إعادة بقية مكونات الدم إليهم. أدت سرعة إقامة نقاط سحب الدم في القرى، للتسويق التجاري، وافتقار الشروط الصحية، حيث كانت الإبر وأكياس الدم وغيرها من المعدات الملامسة للدم يعاد تدويرها واستخدامها، إلى انتشار فيروس الأيدز. وتشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2003، أصيب أكثر من 1.2 مليون شخص بالإيدز في مقاطعة هينان وحدها.
تكمن أهمية الرواية في اختيار آنك الكتابة عن أعراض المرض الجسدية المخيفة بالتفصيل بالإضافة إلى تأثيره على الحياة اليومية لأهل القرية، علاقاتهم فيما بينهم، محاولتهم العيش يوما بيوم، تفتت النسيج العائلي والاجتماعي، وطغيان حالة الرعب عند إصابة أحد الافراد بالفيروس وخشية بقية افراد العائلة من انتقال العدوى إليهم، وانحدار القيم الأخلاقية والتقليدية. اذ كيف يمكن محاسبة الشخص المارق إذا لم يتبق له من العمر غير أشهر او بضعة أيام؟
اللافت للنظر تفاقم الصراعات بين المصابين أنفسهم، حتى وهم يعيشون عزلة ايامهم الأخيرة، ومعرفتهم بحتمية وفاتهم. وتتصاعد المنافسة ويزداد الصراع، بين أهل القرية، كلهم، المصاب منهم وغير المصاب، حين تحاول الحكومة، دفن فضيحة المرض بتوزيع توابيت مجانية. وتوكيل تاجر الدم، الذي بنى ثروته وسلطته على نشر الموت، بإدارة شؤون التوزيع. سرعان ما يجد التاجر الفاسد طريقة للتحايل والبدء بمنع توزيع التوابيت على المستحقين وبيعها إلى قرى أخرى بأسعار أعلى. تقود الحاجة والفقر اهل القرية إلى إيجاد حل سريع لدفن موتاهم. فشرعوا بقطع الأشجار، شجرة بعد أخرى، مهما كان عمرها، لصناعة توابيتهم بأنفسهم، حتى باتت القرية، أرضا جرداء بعد ان كانت مشهورة بأشجارها النادرة وازهارها الربيعية الزاهية. توقف الأطفال عن الذهاب إلى المدرسة بعد ان نهب أثاث المدرسة كله. صار التنافس هو اللغة السائدة سواء كان على وظيفة حارس المدرسة الخربة، او القوميسار الحزبي للقرية، أو مسؤول توزيع التوابيت الحكومية. ولم تتدخل الحكومة لوضع حد للفساد او الصراع، وبقي الحل الوحيد بيد جد الطفل الراوي ووالد تاجر الدم. فاختار الجد، حامل التقاليد والموروث الثقافي الأخلاقي، قتل ابنه المتاجر الفاسد بيده، ليضع حدا لما بدا موتا بلا نهاية.
تستند رواية « حلم قرية دنغ» على احداث حقيقية وقعت في سنوات أطلق عليها اسم «صناعة البلازما». وتستدعي، في الكثير من تفاصيلها، احداثا مشابهة، نلاحظها في عراق ما بعد الغزو. اذ انتشرت صناعة التوابيت، كما في كابول، لتجميع أشلاء ضحايا التفجيرات والقصف وتقطيع الاوصال، وكما في قرية دنغ، ازدهرت صناعة التوابيت، لكثرة الموتى. ضحايا الفساد. فالفساد المستشري، بالعراق، لا يقل ضررا عن فايروس مرض نقص المناعة وهو يغزو المؤسسات ويلتهم الخدمات ويسبب الموت. ولا تقل الطائفية ضررا عن المرض الوبائي، في تجفيفها ينابيع الحياة، فقد اثبت مرور 15 عاما على الاحتلال والحكم الطائفي، سريان المرض في البنية الاجتماعية، وتفكيكه الاواصر العائلية، وقدرته على تفتيت الوطن. «لو إنك اصغيت لي منذ البداية، جثوت على ركبتيك من اهل القرية لما الحقته بهم من دمار، لما كنا نعيش هذه الكارثة الآن»، خاطب الجد ابنه تاجر الموت الفاسد المتعجرف، أملا في ان يجنب القرية ما هو أسوأ. الا ان الابن أدار ظهره لوالده، وقد بدت على وجهه علامات الاحتقار، متوعدا أهل القرية بأنه لا يحتاجهم اطلاقا، وانه سيجلب من سيعاونه من خارج القرية. يأخذنا، هذا الحوار، بين الابن الفاسد ووالده المتمسك بالقيم الأخلاقية، إلى تماثل آخر مع الوضع العراقي. حيث يحتقر الابن اهل قريته مستنجدا بالآخرين، ويتمسك الجد بموروثه وأهله، ليكون الحل قطيعة دموية بين الاثنين. وهو حل، نأمل، ان يتجاوزه أهل العراق، بإيجاد طرق بديلة، لا يبدو أحدها حكم «المنتصرين» بالانتخابات الحالية.

٭ كاتبة من العراق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*