روائح نتنة كثيرة؟


راجح الخوري
النهار
25092018

منذ وصوله الى البيت الأبيض أثار دونالد ترامب سلسلة من الأزمات والمشاكل قلبت الوضع السياسي في الولايات المتحدة رأساً على عقب، ولا داعي لذكر أسماء الذين أقالهم أو استقالوا ولا اشتباكه مع معظم دول العالم.

يوم السبت تحدث ترامب بلغة تساهم أكثر فأكثر في تشويه الصورة الأميركية التي تتعرض لسلسلة من الفضائح والمقالب والمؤتمرات، عندما تعهّد أن يتخلّص من “رائحة نتنة” في وزارة العدل، بعدما أفادت معلومات أن نائب الوزير رود روزنشتاين، اقترح سراً العام الماضي التنصت عليه، تمهيداً لإقناع أعضاء في الإدارة بإستخدام التعديل الخامس والعشرين من الدستور الأميركي لإقالته.

“رأيتم ماذا حدث في مكتب التحقيقات الفيديرالي، لقد خرجوا جميعاً ولكن ما زالت هناك رائحة نتنة وسنتخلّص منها”!

كل هذه المقدمة عن “الروائح النتنة”، مجرّد تمهيد لنا نحن الشعب اللبناني المُخَدَر كي نتذَكُر الروائح العطرة التي نغرق فيها، وهنا لا أتحدث عن الوزارات والوزراء أو النواب أو المديرين العامين، معاذ الله، ولا حتى عن أصغر موظّف في هذه الدولة السعيدة، التي فيها الكثيرون من الأوادم، ولكن هذا لا يعني ان ليس فيها الكثير من الروائح النتنة التي تقتلنا!

لا داعي للحديث عن عطر المسؤولين، دعوني أتحدث عن الحالات التي تسبب الإختناق، بالأحرى عن طوفان تلك الروائح القاتلة التي تُغرِق اللبنانيين من الناقورة الى النهر الكبير، والتي رغم كل الصراخ وصريف الأسنان لم تَجد في هذه الدولة البائسة منذ زمن بعيد، من يهتم بمعالجتها أو حتى بالحدّ منها، رغم الإعلان الفرنسي الذي جلب لنا العار أخيراً عندما قيل إن لبنان هو “مزبلة المتوسط”!

مزبلة المتوسط، ولم يعترض مسؤول أو يوضّح سياسي، بالأحرى لم ينتحر أحد، وفي صحافة العالم تنشر تحقيقات معيبة عن تدمير هذا البلد الذي ذُكر في الكتب المقدسة، وعن جباله التي تغزلت بها [هلمي من جبال الأرز يا عروسة] والتي جعلنا منها دماراً والبعض يريد تحويلها مكبات لنفاياتنا، التي وصلت الى أوروبا!

عن أي روائح نتنة يتحدث ترامب، ونحن الذين إحتكرنا ونحتكر هذه الأفضال، والأمر ليس خافياً على أحد؟

أتساءل: كيف يصعد نواب البقاع الى بيوتهم ومناطقهم ولا يفطسون من روائح الليطاني وبحيرة الأوبئة والسرطان في القرعون، وكيف يسافر المسؤولون من المطار الذي تجتاحه رائحة الزبالة في المطامر القريبة، وكيف ينام اللبنانيون في برج حمود والأشرفية والجوار والهواء النتّن يتسلل الى صدورهم، وكيف يعبر نواب الجنوب في جوار مزبلة كوستا برافا ولا يختنقون [برافو]، وكيف يتنفّس أهل طرابلس وجبل النفايات يكاد ان يهجم على بيوتهم… وكيف وكيف؟!

والسؤال: هل يحقّ لترامب الحديث عن الرائحة النتنة، وهو لا يعرف ان لهذا العطر أسياده من المسؤولين النائمين والمواطنين المخدّرين… وسامحونا!

rajeh.khoury@annahar.com.lb

Twitter:

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*