من مقرّ إقامته في مدينة الميناء الإيطالية ليفورنو، الواقعة في إقليم توسكانا، كان التاجر السوري يوسف بقطي قد أنهى تحضير شحنة البضاعة ليرسلها إلى الإسكندرية حسب طلب صديقه وزميله في التجارة المقيم هناك. مع ذلك، كان ثمة ما يشغل باله حين أخرج من جيبه ريشة الكتابة ليخط رسالة لصديقه القديم تصله مع البضاعة.

تمحورت الرسالة حول أحوال نجل شقيق بقطي، الذي كان قد وصل حديثاً من مصر إلى توسكانا ليتعلّم أصول التجارة مع عمه، لكنه لم يكف عن التسبّب بالإزعاج لمن حوله وهو “منغمس في ملذات الحياة الإيطالية”.

“ما نراه، هو أنه شديد الحماس، والغرور يسري في دمه”، كان هذا بعض ما تضمنته الرسالة، وقد اعتبر بقطي أن المشكلة هي في والدة الصبيّ “المصرية التي يحمل دمها”، مشتكياً أنه قد استنفذ طاقته في تعليمه، لكنه (الشاب) “حالة ميؤوس منها، جهودي ذهبت سدى… أحفاد المصريين لا قيمة لهم”.

أُرفقت الرسالة بشحنة البضاعة المتجهة إلى الإسكندرية على متن الباخرة التجارية “سان لويجي دي غونزاغا”، التي انطلقت من ليفورنو إلى المدينة الساحلية المصرية، مطلع عام 1759، في رحلة كان يُفترض أنها قصيرة وغير معقّدة. لكن الرسالة لم تصل.

أيام قليلة بعد انطلاق الباخرة، اعترضتها الفرقاطة البريطانية ، مدججة بـ40 مدفعاً. لم يكن أمام “سان لويجي دي غونزاغا” سوى الاستسلام. جرى الاستيلاء على الباخرة، وصودرت البضاعة كجائزة من أجل بيعها وتوزيع مكاسبها على ضباط وعناصر الفرقاطة البريطانية.

حين سقط بريد الرسائل الذي تحمله الباخرة غنيمة في يد البريطانيين كان فيه رسالة بقطي إلى صديقه مع ثمانين رسالة أخرى. لم تحظَ الرسائل باهتمام “القراصنة” آنذاك، ومع ذلك نجحت في الصمود لما يقارب 250 عاماً، ووصلت إلينا بعدما وجدت طريقها أولاً إلى مخازن الأميرالية البريطانية ثم إلى الأرشيف الوطني البريطاني في لندن وصولاً إلى “معهد وولف” للأبحاث في جامعة كامبريدج الذي فتح الرسائل للمرة الأولى بغية تحليلها وتقديمها للجمهور.

عن تلك الرسائل وفحواها ومصيرها، نشرت صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، الصادرة باللغة الإنكليزية، تقريراً حصرياً، سلّط فيه الصحافي جيمس لانغتون الضوء على عمل كل من ميريام واغنر، مديرة “معهد وولف” الذي تأسس عام 1998 في جامعة كامبريدج، ومعها الباحث المصري محمد أحمد على مشروع دراسة تلك الرسائل العربية وترجمتها بغية نشرها – مع تعليقات عليها- في كتابين.

“أشبه بالعثور على قبر توت عنخ آمون”

تتحدث واغنر عن شعورها عند فتح الرسائل بعد كل هذه السنوات، وبعد وفاة التاجر السوري وصديقه ونجل شقيقه وتحولهم إلى فصل منسي من التاريخ الغابر، وتقول إنه “يشبه، بنسبة ما، العثور على قبر توت عنخ آمون”.

وصلت الرسائل بحالة مثالية لجهة وضوح الخط والكتابة، لكن حتى بالنسبة لخبراء لغة موهوبين كواغنر وأحمد كان هناك كلمات عصية على الفهم إما لأنها خرجت من سياق الاستخدام منذ مدة طويلة وإما لأنها مشفّرة بين التجار لحماية أسرار التجارة.

“ثمة كلمات لم أستطع فهمها حتى كمتحدث باللغة العربية الأم، كلمات لا توجد في القواميس حتى”، كما يشرح أحمد الذي يوضح أن الرسائل لا تزال في حالة ممتازة وهي كانت مقسّمة إلى ثلاث حزم كبيرة موجهة إلى الوكلاء الأساسيين للتجار، وداخل كل حزمة عشرات الرسائل الموجهة للتجار والتي يتم توزيعها عبر شبكات البريد المحلية.

كان مرسلو الرسائل من رجال الأعمال المسيحيين العرب، لكن من كانت تجمعهم بهم علاقات تجارة كانوا من مختلف الأديان، ومنهم مسلمين ويهود، وكانت الرسائل مكتوبة بلغة التجارة الدولية في المنطقة آنذاك، تحت حكم الامبراطورية العثمانية، اللغة العربية.

حرب الأيام السبعة ورسائل التجار

مع حادثة السطو على الباخرة الإيطالية، كانت بضاعة التجار العرب ورسائلهم قد أصبحت جزءاً من صراع دولي عُرف آنذاك بحرب الأيام السبعة.

أقوال جاهزة

شاركغردحين سقط بريد رسائل التجار العرب الذي تحمله الباخرة الإيطالية غنيمة في يد البريطانيين كان فيه رسالة يوسف بقطي إلى صديقه مع ثمانين رسالة أخرى. لم تحظَ الرسائل باهتمام “القراصنة” آنذاك، ومع ذلك نجحت في الصمود لما يقارب 250 عاماً

شاركغردعن شعورها عند فتح الرسائل بعد كل هذه السنوات، بعد وفاة التاجر السوري وصديقه ونجل شقيقه وتحولهم إلى فصل منسي من التاريخ الغابر، تقول الباحثة ميريام واغنر إنه “يشبه بنسبة ما العثور على قبر توت عنخ آمون”

هي حرب انتشرت بين القارات والمحيطات، ووضعت القوى الأوروبية في وجه بعضها البعض ضمن حلفين أساسيين بين عامي 1756 و 1763. شاركت فيها بريطانيا وپروسيا ضد كل من فرنسا والامبراطورية الرومانية آنذاك، وانتهت بتثبيت مركز پروسيا الجديد كدولة عظمى وجعل بريطانيا الدولة الاستعمارية الكبرى في العالم على حساب فرنسا.

كان التجار العرب سيئي الحظ بشكل مضاعف. أولاً لأن الباخرة “سان لويجي دي غونزاغا” كانت مُستأجرة من قبل شركة هولندية (في حلف الامبراطورية الرومانية) ويُشتبه أنها تحمل بضاعة فرنسية، وثانياً لأنه في عام 1759 كانت البحرية الملكية البريطانية قد أنزلت سلسلة هزائم بأعدائها وأثبتت نفسها باعتبارها أقوى قوة في العالم.

وهكذا بالنسبة للفرقاطة ، التي شاركت في النصر على الأسطول الفرنسي في لاغوس، كانت السيطرة على الباخرة التجارة التوسكانية مهمة سهلة.

التجارة العالمية في منتصف القرن الثامن عشر

تظهر الوثائق، بحسب ما نقل تقرير “ذا ناشيونال”، أن شحنة “سان لويجي دي غونزاغا” كانت صورة عن شكل التجارة العالمية في منتصف القرن الثامن عشر.

كان هناك صوف من إنكلترا، عُصفر، زيت زيتون ونبيذ. ومن جزر التوابل الهولندية في الشرق، كان هناك القهوة والفلفل، أما الأكثر غرابة فكانت شحنة من الصباغ القرمزي الذي تنتجه الدودة القرمزية بعد سحقها وتجفيفها، والموجودة في المكسيك التي تحولت إلى مستعمرة إسبانية.

وفي رحلة العودة، كان يُفترض بالباخرة التجارية أن تحمل جلود الجمال والثيران والجواميس، وهي واحدة من أهم الصادرات المصرية آنذاك. كما كان هناك طلب على فخاخ الفئران المصنوعة في مصر، والتي يبدو أنها كانت فعالة في التعامل مع الفئران التي تعيش على ظهر السفن.

وكان من بين ما تضمنته رسائل التجار تعليمات دقيقة بشأن موعد بيع البضاعة لتحقيق أعلى نسبة من الأرباح، وكان هناك معلومات استخبارية تمررها للزملاء التجار ومفادها أن قافلة من الحجاز ستصل قريباً، وستدفع الأسعار إلى الارتفاع بداية لكن يُحتمل أن تُغرق السوق بالبضاعة. وتلمّح الرسائل إلى أن القافلة ستحمل بشكل أساسي البخور، الذي يشتد الطلب عليه في أوروبا، ولكن تحذّر من أنه قد يكون ذات نوعية رديئة، إذ يتم خلطه بالحجارة والأوساخ.

هل أصلح الشاب سلوكه لاحقاً؟

بعيداً عن التجارة تظهر القصص الإنسانية في تلك الرسائل، إذ تظهر مجاملة التجار المسيحيين شركاءهم المسلمين ومخاطبتهم بلغة تراعي معتقداتهم، كما جاء في الرسالة التي بعثها التاجر أنطوان قير لشريكه المسلم في الإسكندرية الحجي سعد صرارة يقول فيها “ليجلب الله تمجد وتعالى كل العافية باسم جميع الأنبياء والرسل، آمين”.

بعض الرسائل كانت من رجال دين كاثوليك في روما إلى إخوانهم في أديرة الشرق الأوسط.

وفي إحدى الرسائل، يعرب بن جبرائيل الكلدانين عن أسفه لوفاة والدته وأفراد أسرته الآخرين خلال العام. ويقول “ماذا علي أن أفعل، يجب أن أبكي، ماذا يجب أن أقول أو أكتب؟ يا للحزن… ألا أستحق البقاء بجانب أمي وأشقائي، حتى أتمكن من شم رائحتهم، وإرضاء نفسي بالنظر إليهم. كيف يمكنني العيش من دونهم، كان يجب أن أذهب إلى القبر قبلهم”.

ولكن تبقى للتاجر السوري يوسف بقطي، حسب “ذا ناشيونال”، الحصة الأكبر في الرسائل التي تجعله الشخصية المحورية ضمن الاكتشاف الجديد، حتى أنه كان الملهم لرواية “ليفورنو” التي كتبها الباحث المصري (محمد أحمد) ونشرها حديثاً بدعم مبادرة “ألف عنوان وعنوان” في الشارقة.

في رسالته، يخبر التاجر ذويه عن عملية جراحية ناجحة أجراها قريب شاب له لإزالة حصاة من كليته، مرفقاً الرسالة بالحصاة ذاتها لـ”أخينا بطرس كي يتمكن من رؤيتها”. ويطمئن بقطي ذويه قائلاً “نحن نمنعه من تناول الأطعمة المضرة بحالته مثل الجبن والسمك واللحوم المملحة بسبب الخوف من أن يتكثف الدم وتعود الحصاة مرة ثانية”.

عرفنا من الرسالة أخبار القريب الذي يتماثل للشفاء، كما عرفنا عن سلوك نجل الشقيق الضال الذي يؤرق بقطي ويشتكي منه في رسالة أخرى “بحسب القواعد الإلزامية، لم أكن أسمح له بأخذ إجازة ما لم أعرف إلى أين يذهب ومع من سيقضيها. لكن حتى ذلك لم ينفع معه بسبب غروره وافتقاره إلى التواضع”.

هل أصلح الشاب سلوكه لاحقاً؟ للأسف لا تكشف الرسائل ذلك، لكنها تكشف في المقابل صورة ذاك الشرق القديم والمذهل بتعدد ثقافاته. تكشف أن الفكرة المطلقة عن أمة واحدة، دين واحد ولغة واحدة موجودة في الشرق هي فكرة نابعة من مفهوم أوروبي بحت نجح في اختراق الشرق الأوسط لاحقاً، وقد أتت هذه الرسائل لتوثق صورة المرحلة التي كانت موجودة قبل أن يبدأ هذا النوع
من التفكير في تسميم كافة جوانب الحياة.

إقرأ المزيد على رصيف22