«رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ» لنجيب سرور: النقد استكشاف أيضاً

يعبّر الناقد والمناضل اللبناني الراحل محمد دكروب، في واحد من فصول أحد كتبه الأخيرة، «وجوه لا تموت في الثقافة العربية الحديثة»، عن دهشته لكون الشاعر والكاتب المسرحي المصري نجيب سرور كرّس ذات حقبة من حياته، وقتاً طويلاً لوضع كتاب يخرج عن مألوفه في الكتابة الإبداعية. كتاب يتناول تحديداً، بالنقد والتحليل «ثلاثية نجيب محفوظ». ومن الواضح أن مصدر دهشة دكروب كان شخصية سرور نفسه. فهذا الأخير كان معروفاً بشطحاته الإبداعية وأشعاره الصاخبة ومسرحياته التي تكاد تكون عابثة وعبثية، وبالتالي لم يشتهر بأي كتابة «عقلانية» و «موضوعية» يمكنها أن تساهم في تقديم جديد حول أدب العقلانيّ الأكبر في الحياة الإبداعية العربية. ومع هذا فعلها سرور، حتى وإن كانت ستحيط بالكتاب النقدي حول محفوظ حكايات وظروف تنتمي إلى سرور أكثر كثيراً مما تنتمي إلى محفوظ. لقد كان دكروب نفسه شاهداً على الحكاية الغريبة للكتاب، بل كان هو من نشر فصوله الأولى ثم انتظر ثلاثين عاماً قبل أن يعثر على الفصول الباقية فيكتمل لديه الكتاب وينشره… بعد سنوات من موت مؤلفه.

> والحقيقة أن الحكاية كما يرويها دكروب شيّقة جداً وطريفة تبدأ في العام 1958 حين بدأ سرور يعد دراسته حول الثلاثية وهو في موسكو ليرسلها تباعاً إلى دكروب الذي كان يصدر مجلة «الثقافة الوطنية» التقدمية في بيروت فينشرها تباعاً على حلقات. ثم حدث أن توقفت المجلة عن الصدور وضاعت بقية الفصول ونسي دكروب الأمر كما سهى عنه سرور نفسه. ثم بعد ثلاثين عاماً فيما كان دكروب في مصر مجتمعاً إلى بعض أصدقاء سرور جاء ذكر نصّ سرور المحفوظي. وسُئل الناقد اللبناني قبل أن يَسأل هو، عما إذا كان يعرف شيئاً عن فصول لكتاب لسرور عن محفوظ نُشرت قبل ثلاثين سنة. وهكذا التقى نصفا الكتاب ليصدر بتقديم من دكروب ويشكّل مفاجأة أدهشت الأوساط الأدبية. وأدهشت عارفي سرور، ولكن أيضاً غلاة المحفوظيين الذين رأوا بين أيديهم عملاً نقدياً استثنائياً.

> وذلك تحديداً، وكما يقول دكروب في تقديمه «لأن الدراسة جاءت تحمل نغمة جديدة ومساراً مختلفاً في حركة النقد الأدبي العربي التقدمي، تتعامل مع أدب نجيب محفوظ من موقع المتذوق الفنان أولاً، ومن موقع التقييم والتقدير والإعجاب ثانياً، من دون أن تتخلى لحظة عن الموقف النقدي ولا عن المسافة ولا عن الاختلاف بين الناقد والعمل الفني موضوع الدراسة والنقد»(…).

> وينقل دكروب عن نجيب سرور عبارات وجدها أساسية في تقديمه لدراسته حيث يقول سرور: «مهمتنا صعبة، بل في غاية الصعوبة. فالرواية هي «بين القصرين» والروائي هو نجيب محفوظ الرجل، القدوة… القدوة في كل شيء. في فنه، وشخصه، وأخلاقه، وسلوكه، وتواضعه وصبره وحيائه وكراهيته للإعلان عن الذات وفي إيمانه العميق بأن الزبد يذهب جفاء وإن ما ينفع الناس يمكث في الأرض». ولعل من ضمن الاستنتاجات اللافتة التي يتوصل إليها سرور في دراسته ما يؤكد على أن القضية الأساس التي تلح على وجدان نجيب محفوظ هي أزمة المرأة في المجتمع الإقطاعي. «حيث أن أمينة التي تتجسد فيها الأزمة هذه بأكثر وأعنف مما تتجسد في غيرها، هي في الوقت نفسه رمز لمصر الخاضعة لظلام النظام الإقطاعي، وتالياً للسيطرة الاستعمارية… وإن خلاص مصر من الإقطاع وتحررها من الاستعمار شرط لتحرر المرأة وخلاصها من أزمتها».

> ينتمي نجيب سرور، الذي رحل عن عالمنا العام 1978، إلى جيل الستينات في الكتابة المسرحية والشعرية، في مصر، لكنه حتى ضمن إطار ذلك الجيل الذي انطلق من هامش الحياة الأدبية والفنية المصرية ليحتل المواقع الرئيسية فيها بفضل الظروف السياسية والفكرية المهيئة لذلك، كان نجيب سرور هامشياً، وظل هامشياً حتى في أيامه الأخيرة. ولئن كانت هذه الهامشية قد أعطت كتاباته، المسرحية والشعرية نكهة خاصة تحمل كماً إضافياً من الصدق والشفافية، وكمية كبيرة من المشاكسة، فإنها في أحيان كثيرة كانت تشعره بمرارة وكآبة ربما كانتا ما قضى عليه في نهاية الأمر.

> فالذين يعرفون نجيب سرور يعرفون أنه كان، بصرف النظر عن إبداعاته، شخصية درامية، خاضت معترك الحياة والسياسة والمجتمع من موقع الضد الدائم. في المرات القليلة التي كان فيها قلق نجيب سرور يخفت لتحل محله مظاهر دعة ورزانة، كانت الأمور سرعان ما تتبدل. من هنا لم يكن من قبل الصدفة أن يتعامل معه المجتمع الصارم تعامله مع مصاب بانفصام، ووصل به الأمر في هذا السياق إلى أن يوضع في المصح العقلي، ليصاب بعد ذلك بداء السل، الذي تواكب عنده مع إدمان على الشراب لم يكن في حقيقة أمره سوى محاولة منه للهروب من الخيبة الكبيرة التي عصفت به. فما الذي كانه مصدر هذه الخيبة؟

> بكل بساطة – وهو جواب يمكننا أن نستقرئه في ثنايا ومواضيع معظم أعمال نجيب سرور المسرحية – كان المصدر الثورة نفسها التي آمن بها نجيب سرور منذ اندلاعها في العام 1952، وكان في العشرين من عمره، حيث ما إن مرت سنوات الثورة الأولى حتى «لاحظ سرور، كما يقول دارسو أعماله ما طرأ على مجتمع الثورة من تحولات مذهلة، و «اكتشف ميلاد باشاوات العهد الثوري الجديد أو الإقطاعيين الجدد». في البداية حاول نجيب سرور أن يكذب على نفسه وألا يصدق ما يراه، لكن مقاومته هذه لم تطل، إذ أتت هزيمة حزيران (يونيو) 1967 لتكشف «عن تلك المفارقة الهائلة بين الزيف الإعلامي (؟) والحقيقة الأليمة التي آلت إليها مصر». ومنذ تلك اللحظة ازدادت مشاكسة نجيب سرور الذي راح يعبر عن ذلك في مسرحياته وأشعاره وكتاباته. وظل ذلك حاله حتى أيامه الأخيرة.

> ولد نجيب سرور العام 1932 في قرية اظعاب ابناً لعائلة فقيرة، كما يقول هو نفسه في واحدة من قصائده: «أنا ابن الشقا. ربيب الزريبة والمصطبة». وهو انتقل إلى القاهرة باكراً ثم حدث بعد الثورة أن أُرسل في بعثة للدراسة في الاتحاد السوفياتي (كان من أفرادها كرم مطاوع وسعد أردش وجلال الشرقاوي). وهناك تزوج من سيدة روسية، وقرر أن يتابع إقامته في ذلك البلد، ثم انتقل إلى بودابست في المجر، حيث كتب واحداً من أفضل أعماله «ياسين وبهية». وهو حين رجع إلى مصر بعد ذلك، لم يتوان رفاقه عن تقديم مسرحياته تباعاً، على الخشبة، على رغم تحفظ السلطات والرقابة، ومن قسوة تلك المسرحيات. وهكذا، خلال أعوام قليلة قُدّمت «ياسين وبهية» و «آه يا ليل يا قمر» و «يا بهية خبريني» ثم «الكلمات المتقاطعة». وفي بعض أحيان تلك المرحلة ترجم نجيب سرور أعمالاً لتشيكوف وناظم حكمت، كما مثل دور «آغا ممنون» في مسرحية أسخيلوس.

> في ذلك الحين كان في إمكان نجيب سرور، وقد أضحى جزءاً من المشهد الفني والثقافي في مصر، أن يستفيد من ذلك الوضع، وأن يكتب النقد الهادئ البسيط، لكنه آثر أن يتفلت العنان لمواقفه النقدية العنيفة، وهكذا كانت أعمال مثل «الحكم قبل المداولة» (1967 – 1969) التي راح فيها يخوض في البحث عن أسباب هزيمة حزيران، و «الذباب الأزرق» وهي مسرحية عن فلسطين، منعتها الرقابة في حينه (1971)، و «ملك الشحاتين» (1971) التي أعدها عن «أوبرا القروش الثلاثة» لبريخت، وكان من المفروض أن يمثلها ثلاثي أضواء المسرح، لكن جلال الشرقاوي خصّ بها مسرح البالون. وخلال سنواته الأخيرة كتب نجيب سرور «منين أجيب ناس» التي يعتبرها النقاد من أفضل أعماله وأقساها، وهو كتبها في العام 1975 «خلال أسبوعين فقط وهو راقد في مستشفى للأمراض النفسية والعقلية» في الإسكندرية.

> كان نجيب سرور، ويظل على رغم رحيله، ظاهرة استثنائية في الحياة الثقافية العربية، والمؤسف أن هذه الحياة تميل إلى نسيانه وإلى تجاهل أعماله في أيامنا هذه، على رغم كونها أعمالاً كشفت الجرح باكراً، وتعاملت معه بما يستحق من عنف. تماماً كما فعلت أشعار نجيب سرور الذي لم تجمع معظم قصائدها حتى اليوم، مع التنويه إلى أن دراسته المميزة عن «ثلاثية نجيب محفوظ»، ظلت شبه مجهولة وضائعة حتى نُشرت قبل سنوات في بيروت كما أشرنا أعلاه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*