اخبار عاجلة

ربع قرن على غياب ميشال أبو جوده: العمود الثامن

سليمان بختي4 تموز 2017
النهار

ان ميشال أبو جودة (1935 – 1992) ركناً من نهضة بيروت وثقافتها وصحافتها في النصف الثاني من القرن العشرين. بيروت التي قال عنها عميد الأدب العربي طه حسين في منتصف الخمسينات انها باتت عاصمة الثقافة العربية. بيروت مدينتنا. أسواقاً كانت وعناوين ورموزاً وأسماء ومحطات لقاء تحكي لجيل إثر جيل حكاية من حكايات الحداثة الكبرى في الشرق.  

في عموده الثامن في جريدة “النهار” كان ميشال أبو جودة جزءاً من كل ذلك. رؤيوي. لمّاح. ثاقب النظر. حاذق الظرف. كل شيء كان متقناً لديه وتامّ المعرفة. ثمة ما هو أبعد من التعليق السياسي اليومي أو الموقف او الرأي. كان التحليل والدقة الموضوعية والتاريخية والرؤية الشمولية واللمح الثقافية والحضارية الذكية. تعليق يضج بالأبعاد والتأويلات كأنه لوحة أو كأنه قصيدة حديثة رائعة. لأن من يقرأ ميشال أبو جودة كان يحس بعد القراءة بأنه يود لو يسأل الكاتب ماذا قصد هنا؟ او أن يقول له ألم تقصد كذا وكذا في هذا المقطع او ذاك؟ كأن القارىء من فرط التواصل والشركة والثقة، يريد ان يؤلف مع الكاتب ويشاركه الوصول الى الحقيقة. اوليست كذلك سمات الصدق والعفوية والجرأة والعمق في الكتابة؟!

ميشال ابو جودة كان أحد الذين ارتقوا في الصحافة وغيّروها. ولكن لا أعرف ماذا كان يسعد ميشال ابو جودة بعد الكتابة. ربما أكثر ما يسعده الاصدقاء والضحك معهم. الضحك علامة الضحك والانتصار على ما يقول أحد الفلاسفة. كنت تسمع الضحك يفقع كموج البحر من مكتبه في الطبقة السادسة من بناية “النهار” في الحمراء. الضحك الآتي من القفشات والتنكيت الساخر والراقي والعميق. ولا يتوقف حتى يمتلئ وجهه احمراراً وتغرق عيناه في وجهه وتدمعان. انها ديوانية ميشال أبو جودة.

كان يبدأ صباحه خلف دروة العمود في مقهى المودكا في الحمراء تأتي القهوة اولاً ثم الاصدقاء (الدمعة مقهى الاصدقاء، يقول الشاعر) وديع ديب، طوني شويري، نبيل فليفل وغيرهم. وما ان تحمى الشمس قليلاً حتى يتابع المجلس انعقاده في مكتبه، وفي صدر المكتب “ديك النهار” ووجهية لغسان تويني وأخرى للرئيس الياس سركيس وجدارية لضياء العزاوي بعنوان “الحكواتي”. ويكر خياط الكلام بين مادح وغاضب ومبتهج وساخر، وهو “العيّار” يضع نقطة او يحذفها أو يضيف كلمة أو لسعة من الفلفل أو يحرر قصة قصيرة بين “هلالين” ليصبح المعنى كما يريده ضاحكاً وساخراً وعميقاً.

كان يحلو له أن يستعيد من الزميل الراحل علي هاشم، مراسل “النهار” في الخليج قصة لقائه واحداً من مشايخ الخليج حين سأله: من أي قبيلة انت؟ فأجاب من قبيلة “النهار”؟ ومين شيخ القبيلة فأردف علي “تويني”. ومن أي فخذ؟ أضاف علي “فخذ أبو جودة”.

كان يحلو له ان يردد ان والدته رحمها الله وكان كثير القلق واللهفة على صحتها ومحبتها، اذ كانت تفرح لقراءة عموده الذي تنشره جريدة “الشرق الاوسط” نقلاً عن “النهار”. وكانت تقول “على الاقل بيحطولك صورة مش مثل “النهار”. صرلك ثلاثين سنة بتشتغل وما بيحطولك صورة”.

أذكر جمله وعباراته التي توجز معاني كثيرة وتعكس واقعاً ومرحلة واستشراقاً: “كتر خيرالله اللي بيقروا ما بيحكموا، واللي بيحكموا ما بيقروا، واللي بيعرف ما بيحكي واللي بيحكي ما بيعرف، واللي معو ما بيعمل واللي بيعمل ما معو”.

ذات مرة قال في عز الجيوش الداخلة إلى لبنان والخارجة منه زمن الحرب: “هذه جمهورية شرشوحة مين ما دخلها بيتشرشح”. وقال غير مرة لسام مزمانيان كبير مصوّري “النهار”: “كبّر الصورة أكثر على الصفحة الاولى، اللبنانيون يقرأون الصورة ويتفرجون على العنوان”. لا أزال أذكر عندما أخذ محرمة بيضاء من علبة المحارم في مقهى المودكا في الحمرا وكتب هذه الحروف عليها: TS – MN – GM ومررها لي فسألته ماذا تقصد: قال: “تقي الدين الصلح، ميخائيل نعيمه، جورج مصروعة، اكتبوا عن اولئك الينابيع في الصفحة الثقافية”. ثم أردف “لانه سيأتي زمن لن تكتبوا فيه سوى عن المطربين والمطربات وابطال الرياضة وكرة القدم والمحسنين”.

مرة في عز الانتخابات الرئاسية في لبنان في العام 1988 وكانت الكلمة عنده اولا ًواخيراً “العميد ريمون إده”. فسأله أحدهم: “لماذا تكتب بحماسة عن العميد؟ وماذا تعتقد اول شيء يفعله العميد اذا وصل للرئاسة؟ أجاب: “أنا سألته هذا السؤال، وقال: “أول شي بدي أعمله اذا وصلت للرئاسة بدي أنفي غسان تويني وميشال ابو جودة وخيي بيار خارج لبنان حتى أقدر أحكم”.

ورغم كل شيء كان قلبه على لبنان وعينه على فلسطين وهمّه الشاغل سوريا وهواه مصر وهاجسه مصير العرب ومستقبلهم، وخوفه على كرامة الانسان في بلادنا. كان لديه دعوة للحب: حب لبنان والعرب والعالم. كان يؤمن بالكلمة التي تحيي وتميت وكان يؤمن بالانسان الواحد، والمصير الواحد، ولم يدخل الخوف الى قلبه البتة.

كان يحرص على الشيء المشترك الذي يجمع البشر ويعزز دورهم في العالم. وهذا الشيء هو الأمل الذي دافع عنه كثيراً. شرنقة الحرير التي تستعيد المراحل والوجوه والأزمان. الأمل مهما كان النهار غائماً وداكناً. الأمل رغم الحلكة والضيق وتلوّن النفوس. الأمل بمثابة الحياة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*