رئيف خوري: الـذكرى للموتى ولا تـشمل الأحياء

 

النهار
13092017
نستعيد في #نهار_من_الأرشيف تحقيقاً كتبته ربيعة أبي فاضل في”النهار” بتاريخ 26 تشرين الأول 2007 حمل عنوان: “أمس الآن أربعـون عـاماً على رحيل رئيف خوري الـذكرى للموتى ولا تـشمل الأحياء”.

في الذكرى الأربعين لرحيل رئيف خوري (توفي عام 1967) تلفّتُ الى الوراء عندما كنت في السابعة عشرة، بينما انا احتفل بعيد مولدي وحدي، وفي دير غزير، جاء معلمي الاب منصور لبكي الموسيقي البارع، ومعطف اليتامى وخبز الفقراء، قال: أوَلست يا ربيعة، من نابيه؟ قلت: هي منّي. قال: اكتب كلمة عن رئيف خوري، رحمه الله، واذا شئت حضور لحظات الوداع فأنت حر. غداً تقدم لي النص فأنشره في الجريدة. اجتاحتني عاطفة غريبة يصعب تفسيرها، فعدت الى ذاتي طفلا في المعهد الانطوني، بعبدا، اصغي مع الجمهور الى رئيف خوري خطيباً، ولا اذكر المناسبة، فحدّث عن افلاطون وارسطو والمنطق والعقل، وقضايا لم تكن سلّتي تتسع لاستيعابها. لكني كنت اعلم انه ابن بلدتي، وانها منه وفيه ايضاً، وانه احب ترابها، وأنعشه هواؤها، ورافق أهلها في وجعهم والفرح.

عندما سألت الكلمة: عمّ ستتحدثين؟، انفتحت نافذتي على نور التعبير، وانتشرت رائحة الريحان من حولي، وغمرتني عطور تشبه تلك التي عايشتها يوم رحيل عمي فريد ابو فاضل، صاحب مجلة “الرياض” وصديق رئيف. اشرفت شهيتي على الكتابة، وعدت الى الذاكرة، من جهة، والرؤية من جهة ثانية، فاستحضرت صورة ذلك الرجل يصعد، عبر التلال، حاملاً كيسا او ثمارا او الكثير من الحنان الابوي وهو فخور بنكهة الارض واريجها. التقليد هذا ورثه عن المعلم ابو رئيف الذي كان خارقاً في الحساب، وفي محبة الارض، وفي عمق احترامه للأجيال التي يحتضنها. اراد ان يكون لكلٍّ اجنحة، وكان يشعر بالعذاب حين لا يصغي الى نصيحته ولد جحود، او حين يعطّل الكسل وجهاً طيّباً لكنه يابس. حاولت ان ألملم العبارات المتطايرة في فضاء نابيه، ماذا كان يقول الاديب الكبير الذي طارح طه حسين وكتب كل الانواع، ومارس الشعر بمهارة، وحنت له الرواية والقصة عنقهما، ونظر اليه النقاد وآخرهم الصديق الدكتور سالم المعوش في كتابه “الادب العربي الحديث”، على انه طليعة رواد المقالة عندنا. يومذاك، حين ارتفع صوت رئيف، كان اهل نابيه متجمعين حول بوسطة المعلم يوسف لأنه لم يكن من راديو في القرية، وبينهم صديقه خازن.

يبدو مما تناهى اليَّ ان رئيفاً كان في نابيه، يصغي الى اهلها، ولا يقول. فالحانوتي جرجس، والقصّاب بديع رحمه الله، والحلاّق جورج، رحمه الله، والمزارع سعدالله، رحمه الله، وغيرهم، كانوا له الزمان الآخر الحلو الذي يُنسيه ضجيج المدينة، وجولات الثقافة، وصولات السياسة، وهموم التعليم. وماذا كان المزارعون والناس العاديون يقولون للكاتب والشاعر والمناضل الجريء؟ كانت الحلاوة والأصالة والوداعة والروح الجبلية النبيلة تحدوه على النزول بلغته وبفصاحته وبفكره وبمشاعره الى ارض اهل بيئته. وما اكثر ما رأيته يبتسم لنكاتهم السمينة، ولحكمهم الثمينة، ولأخبارهم الساحرة. ولم يكن في ذلك، يختلف عن ابن عمه الجاحظ، الذي استعان بالشارع وساكنيه لينسج خيوط جمال ادبه، وجلال نصه. وبين الرجلين ودّ دائم، من عمق السخرية الى نبض الجد الى سعة الضحك والمزاح. ولو قدّر لرئيف ان يحيا طويلا، وان يعطي كل خيراته، لكان استقر على القمة مع صاحبه. وهكذا كان يعود من فلسطين وطرطوس وروسيا واميركا الى ظل تلك السنديانة الدهرية حيث كنيسة مار ميخائيل، وحلقات المسنّين، وحكايات كالعسل البري.

نشرت في “الانوار” و”النهار” و”المشرق” و”البيرق” وغيرها، مقالات عن الرجل فاستهواني ناقداً، ثم شاعراً ثم قاصاً، وفوق كل هذا انساناً، يكره النميمة، ويعشق الحقيقة. فقد جاء يوماً، رجل الى بيته وغايته منع آخر من العمل، على اساس أنه غير مجرّب. فقال له رئيف: “كم ولداً لديك؟” فصمت الثرثار لأنه لم يكن أنجب. وتابع خوري: “المسكين معيول، رزقه الله سبعة أطفال، وهو إن عمل أكلوا وإن لم يعمل جاعوا… وتأتي لتقطع رزقه!”. وقد أخبرني ذلك الدهّان رحمه الله، القصة نقلاً عن لسان رئيف نفسه. هذا الانسان المعوز، المقهور، المضطهد، المكافح، كان قيمة نادرة في ذاته، بالنسبة الى رئيف خوري، وقد حاول أن يكون حارساً له في حياته، وفي أدبه. ولئن لم يكن رئيف يتجاوب مع الطقوس الدينية المكرّرة، فهو كان بموقفه الانسان يُرضي قلب الله، لأن الله رحمة ومحبة.

دارت الايام فقادتني الظروف الى منزل في الجميزة ذهبت به “سوليدير”، وأصبح اليوم، رصيفاً، فقيل لي هناك بضعة كتب، حيث كان يقيم يوسف الحلو، صديق الأخطل الصغير في المدرسة. فاخترت، من ضمنها، واحداً هو “التعريف في الأدب العربي” لرئيف خوري، وعمر الكتاب، في هذه اللحظة، من عمري. قرأته فأذهلني كيف أن رجلاً فرداً يُنجز ما عجزت لجان عن إنجازه هذه الايام. وعندما شاركت في التأليف المدرسي مع طوني غوش ونبيل أيوب ومتري بولس، قلت: ما الذي يمكن أن يُضاف على كلاسيكية الرجل، وغنى نصه، وخصب أفكاره، وروعة تطلّعه. وأتت المساحة الجديدة للمنهج والمنهجية والتعريب، وبعض التحديث، لكن ما كتبه رئيف، وما علّمه، وما تجلّى في مواقفه، إنما يبقى نموذجاً حياً لكل من يرغب في النجاح. وقد أخبرني أحد طلابه أنه كان يفرض على مسؤولي المعهد أن يدخّن ساعة يشاء، لأن صديقته السيجارة لم تهجر شفتيه، فهي والمرأة والارض والكلمة في القلب، سواسية. وقال آخر إنه كتب له “الحياة” مع تاء طويلة (ت) فنصحه بعدم نسيان الشدّة فوق الياء لأن الحياة لا تخلو من الحيّات والأفاعي. كان يعلم أن المعاهد تحتاج الى اسمه، حاجته هو الى دخان سيجارته!

لا أذكر أني سُئلت مرة عن بلدتي الاّ قيل لي بعد لفظ اسمها: “قرية رئيف خوري”، فأصبح خوري أبعد من بلدته، وحلّق في الفضاء الواسع، لكنه أدى لها خدمات كما أدى للبنان وللأدب وللعرب وللقضية الفلسطينية، لكني جعلت له في كتبي حصة الاسد، في “من تراثنا الفكري”، “جولة في بلاغة العرب وأدبهم”، “في أدب النهضة والمهجر”، “قصص من القرية”، “نابيه تاريخها وتراثها الثقافي” وغيرها. فهو حاضر بالنسبة اليّ، لا يغيب، وصوت لا يخفت، وقامة لا تذوي، وموقف لا يلين، وحرية لا تُنتقص، وإبداع لا يبلى. وحرصت على إثبات رسم، من ضمن الرسوم، في كتابي عن نائبيه، له ولأم نجم ولبعض العائلة، لأن المرأة التي حنت على العائلة، بعد رحيله، لبست الاخلاص ثوباً، والاصالة طريقاً، والرقي تربية. ويبقى السؤال بعد هذا القليل الذي عبّرت عنه، تجاه رجل خدم الفكر والثقافة والقضايا الوطنية… ولبنان، لماذا كل هذا التعتيم على رئيف خوري، سواء في نابيه نفسها أو في بيروت التقدمية، أو في لبنان والعالم العربي.

وقُدّر لي، بعدما خط الشيب رأسي، وحملتني رسالة الأدب والصحافة الى آفاقها الخضراء، والزرقاء، والبيضاء، أن أتقرّب من أخيه المترجم والمؤرخ والكاتب الصحافي ميخائيل خوري رحمه الله، كما جمعتني صداقة بابنه الاستاذ رياض، وبسليم شقيق رئيف، والذي أرجو له العافية بعد رحلة آلام ومعاناة، وهو المعلم والرياضي والعالم. ومع فرحي بالمهندس نجم رئيف خوري، وبالعائلة، فإن الثروة اللامعة الذهبية التي مثّلها رئيف خوري لهي مجال فخر لنا جميعاً، ولا بد من اضافة أشياء عليها أو الاقتداء بها، ومعرفة حق قدرها. فالنسيان جريمة، والتقصير خطيئة، ورئيف خوري الأديب لا يزال يتمرّد على المقابر والاحياء الموتى، بنصوصه المتألقة الناهضة الفاعلة فعل الغيث في التربة العطشى! والاربعون سنة تمرّ على الموتى وليس على الاحياء!

ويكون مفيداً لبلدية نابيه ان تزور بعبدات لترى مساهمة بلديتها في تشجيع الثقافة والفنون، وفي تحريك بيادر الجمال.

هكذا كلما حملت القلم لأكتب عن رئيف خوري مرّ على يدي، وحول قلبي، ظل معلمي منصور لبكي الذي فتح في داخلي الشبّاك على الحبر وعلى الضوء، وعلى رئيف. فبين بعبدات ونابيه علاقة كلمة وروح وصداقة، بدأت بأجيال الأطباء الذين عالجوا الأمراض، وانتقلت الى أجيال الكهنة الذين حاوروا الارواح، وتحولت إلى حقول الثقافة في “المدرسة الوطنية”… وبين رئيف خوري وصلاح لبكي. والآن بيننا وبين اللبكيين، رواد الكلمة في المنطقة، فمنهم الشاعر والمؤرخ والفنان والعالم ورجل الروح والخير. وقد أخبرني الدكتور جوزف لبكي أنه عندما مرض رئيف خوري، كان صلاح لبكي يعاني ضعفاً في القلب، وصدف ان حصل بين الرجلين جفاء. فتناسى صلاح حاله، وحال ما بينهما، وحمل جسده وقصد نابيه للزيارة. وما إن رآه رئيف، وهو عليل، حتى هتف بصمت: “هذا رجل نبيل!”. ونحن اليوم نهتف: إن لبنان الذي أعطى امثال رئيف خوري وصلاح لبكي ليستحق الحياة الآمنة المتحضّرة، فإلى اين يذهب به السياسيون؟

رئيف خوري الذي يعرفه أهل بلدته، كبير ومتواضع، كان يستقبل جيرانه، ويعايشهم، ويتبادل الضحك والآراء معهم وفي اليوم التالي يُدهَشون كيف يرونه بالإعلام يَخطب، ويناقش في الماوية والتيتوية، والناصرية والعروبة، واين يدعم عبد الناصر وأين يختلف عنه. ويراه مزارعو بلدته يحمل كيس الحطب من راميا، وما إن تطلع الشمس حتى ينقله سائقه كريكور الى مناسبة سياسية او ادبية او تعليمية. وعندما زاره أحد ابناء نابيه يحمل أولى قصائده بالمحكية، في مكتبه ببيروت، استقبله، وقرأ القصيدة على بضعة أدباء كبار حوله، ووعده بنشرها في “صوت الشعب”، وبعد ايام مرّ بجانب بيته وأعلمه ان نصه ابصر النور… فانطلق ذلك الشاعر بعدما زهّرت موهبته مع وصول الإنسان الى القمر: “الكون انقلبْ وتغيّر العدّان/ والحلم في دنيا الحقيقة بان”. وكانت الاذاعة اللبنانية تفرح بصوت رئيف خوري، صاحب الموقف الذي لا تزعزعه مصلحة خاصة او إغراءات تأتي من الجهات الأربع، وذات يوم، اوصله اثنان من أهل بلدته الى بيروت، وإذ برجلين يتحاوران معه، بعدما انهى مهمته، وكان الموضوع ان كميل شمعون يريد منه تسلم وزارة التربية، فكان جوابه ان الرئيس تأخر كثيراً، وطموحه يكمن في فضاء آخر. لقد كان رجلاً وطنياً مميزاً، منفتحاً، صديقاً لعمر فاخوري، ولسهيل ادريس، ولعبدالله العلايلي وغيرهم. وهو في هذا الإطار، النموذج اللبناني العقلاني العلماني الذي تخطّى العصبيات، من دون ان يتنكر للذات وجذورها.

وأحب رئيف خوري الحرية، والويسكي، وأم كلثوم وصوتها، وطالما حاول الغناء بصمت مستمتعاً بهذا التراث العربي النقي، فهو من جيل تغنّى بالعرب وتقاليدهم وتاريخهم، ومعظم قصصه تستوحي هذا المنحى الخصب، محاولاً عبر محطات الماضي الانتقال نحو الحاضر والمستقبل، سواء في “وهل يخفى القمر” او “الحب أقوى”، و”حبة الرمان”، و”مجوسي في الجنة”، و”صحون ملونة”، وغيرها. وتساءلت، بعد قراءاته، لماذا كان لبنان حاضراً في مقالاته، غائباً في رواياته وقصصه. ولذلك، حاولت في ما كتبت ان اتجه اتجاهاً آخر، فأبحث عن زوايا او واحات جديدة في التراث اللبناني والذاكرة اللبنانية. ولا شك في أن العرب غير عادلين في نسيانهم لرئيف وجهده، وتغييبه عن ذاكرتهم وإعلامهم لا ينم عن وفاء تجاه رجل أمضى حياته في خدمة القضايا العربية والانسانية، وآلمه ان يكون سياسيو لبنان وصلوا الى هذا الدرك، بعد أزمنة السرقة والفساد.

أربعون سنة مضت لكنها تمضي على الموتى، ورئيف خوري من الأحياء. قلبه اكبر من جيبه. رحمه الله ورحم فريد ابو فاضل وقبلان مكرزل. أتخيلهم الآن معاً وقد اشتروا علبة دخان “بافرا”، ولم يبق لديهم فرنك واحد، فعاد مكرزل الى انطلياس سيراً من الدورة، وعاد الآخران سيراً الى نابيه، وفي اليوم التالي التقوا عند مغارة البلانة، رحمها الله، لمغامرات جديدة!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*