“ذكرياتي”: هند رستم ملكة الإغراء.. والعقل المحافظ!

أسامة فاروق|الأربعاء28/02/2018
Almodon.com

كانت تعارض عمل ابنتها في أحد البنوك: “الست جوهرة مصونة، لا تعمل، ولا تهين نفسها في مواصلات!”

في 8 آب/أغسطس 2011 رحلت هند رستم. وكانت قد اختارت قبل هذا التاريخ بكثير أن ترحل عن الشاشة التي عشقتها. انزوت وتابعت حياتها بعيداً من الفن ومتاعبه.
لكن الانصراف لم يكن كاملا، فعلى فترات كانت تستجيب لدعوات الظهور، لتدلى بدلوها تعليقاً على حدث ما، أو لتتذكر بعضاً من تاريخها الفني العريض. وفي غالبية تلك الطلات لم تفقد هند رستم ألقها القديم، حتى في آخر ظهور لها بعدما تجاوزت الثمانين. لكنها كانت تحمل حنيناً جارفاً لأيام لم تعد موجودة، وغضباً غير محدود من تحولات الفنانين، التي كانت السبب الرئيسي -كما كررت كثيراً- في اختيارها الابتعاد، لأنها لم تعد تتحمل “دلع النجوم”.

بعد 15 عاماً تقريباً على اعتزالها، وفى الفترة من 8 آب/أغسطس وحتى 18 تشرين/الأول أكتوبر 1994، نشرت مجلة “الكواكب” مجموعة لقاءات أجراها الصحافي أيمن الحكيم مع هند رستم سجل فيها ما يشبه الشهادات على زمن نجومية هند وتألقها. اللقاءات جمعها الحكيم مؤخراً، إضافة إلى شهادة من ابنتها وآخرين، وصدرت عن دار “الكرمة” تحت عنوان “ذكرياتي”.

ربما من الصعب الحكم على اللقاءات وقت نشرها، بل لعلها كانت حدثاً مهماً وقتها. لكن الآن بعد قراءتها مجمّعة، لا يمكن الإفلات من ضغط التأسي والوعظ المباشر الظاهر في حكايات هند عن نفسها وعالمها القديم. تبدو هند رستم على امتداد صفحات الكتاب، عجوزاً ناقمة على الدنيا ومن فيها، على التحولات التي فاجأتها في عز نجوميتها، على النجوم الجدد ودلعهم وقلة التزامهم. الكتاب يكاد ينسف الصورة القديمة المحفورة لهند رستم الدلوعة، الشقية، نجمة الإغراء، مارلين مونرو العرب، لتحل محلها صورة تلك العجوز التي لا تكف عن الشكوى وإسداء نصائح تجاوزها الزمن.

تحكي عن لطف فطين عبد الوهاب، وجدية صلاح أبوسيف، ثم وكأن هؤلاء لم يكونوا في الحكاية سوى لتمرير جملة وعظية من نوعية: “تخرجت في مدرسة الالتزام، وتعلمت على أيدي روادها العظام”. تمرر حكاية أخرى، ثم تعود: “ربما كان هذا الالتزام هو أحد أسباب ابتعادي عن الساحة الفنية، لأني لم أشعر بالراحة مع الجيل الجديد، لأنه لم يحافظ على المبادئ نفسها التي تربينا عليها، فمن الأمور الشائعة والتي أصبحت معتادة الآن أن يتأخر ممثل عن موعد التصوير بالساعات، لأنه يعمل في أكثر من فيلم ومسلسل وربما مسرحية في الوقت نفسه، وأنا لم أستطع أن أتحمل هذا أو أتعايش معه”.

فباستثناء الموت أو الإصابة، لا تقبل هند رستم أي أعذار للتأخير على التصوير “أنا نفسي دفنت أمي ثم ذهبت إلى الأستوديو في موعد التصوير”.

وتقول في سياق آخر، إن الوسط الفني كانت تسوده روح المحبة والود، أسرة واحدة مترابطة من دون حقد أو كراهية: “كنا أخوة، نصون بعضنا البعض، مثلاً في فيلم “رد قلبي” عشت موقفاً لا أنساه مع الفنان العظيم شكري سرحان. كنا نصور في البلاتوه، وجلست في انتظار تصوير مشهدي المقبل الذي ارتدى فيه بدلة رقص، ولاحظت أن شكري الجالس هو الآخر في انتظار تصوير المشهد ينادي على مساعدتي “اللبيسة” ويهمس لها ببعض الكلمات، فدخلت “اللبيسة” إلى حجرتي وجاءت بـ”روب” وضعته على جسمي”. تعلق: “إلى هذا الحد كان الود والاحترام بين الفنانين، فقد كنت في النهاية أختهم التي يصونونها ويخافون عليها”.

ومرة أخرى تقول: “عندما استمع الآن إلى ما يحدث من بعض الفنانين، أو بالأدق المحسوبين على الفن، يغلى الدم في عروقي، النجم الفلاني يعطل التصوير بالساعات لأن عنده تصوير في عمل آخر، والهانم النجمة تعتذر عن التصوير لأن ملهاش مزاج. أسمع العجب عن دلع النجوم وعدم التزامهم، ولا أملك سوى أن أترحم على أيام زمان ونجوم زمان”.

وفى سياق ثالث ورابع تطل هند العجوز، على امتداد الكتاب، لكنها تتراجع أحياناً، مفسحة المجال لهند الأصلية لتطل وتحكي، وتتحدث بشقاوتها وصراحتها المعهودة عن نجوم عملت معهم، كاشفة أنه لم يكن زمناً يوتوبياً كما تحاول صورتها الأخرى أن ترسمه. كان أيضاً مليئاً بالمكائد ومحاولات الإيذاء. فإسماعيل ياسين مثلاً، ورغم إنه كان نجم الشباك وقتها، وكان الجميع يتمنى التعامل معه، إلا أنها حين عملت معه لاحظت خوفه منها، وتوترت الأجواء بينهما كثيراً في بداية فيلم “ابن حميدو”، أول أفلامهما معاً، وانسحب إسماعيل ياسين في أول مشهد، قائلاً إنها تتكلم مثل البغبغان ولا تعطي الفرصة لأحد بالتحدث. شعرت هند بالقهر: “أنا هند رستم ويجرؤ أحد مهما كان إنه يكلمني بالأسلوب ده؟! ونزلت دموعي، وأخذتني زينات صدقي على جنب وقالت: بتعيطي ليه يا عبيطة؟! إسماعيل عايز كده.. لأنه خايف تاكلي منه الجو وتسرقي الكاميرا.. هو ده نظامه”.

في المشهد التالي افتعل إسماعيل أزمة أيضاً، وأوقف التصوير. كان المشهد أن تأتي هند من خلفه وتمسكه من كتفه وتقول “هات السمكة يا حرامي”. وما إن مسّته هند حتى صرخ وكان حية لدغته “إيه ده؟! إيه العافية اللي في أيدك دي؟! كتفي يا شيخه”. وتوقف التصوير مجدداً، لكنها لم تعلق ولم تتوتر هذه المرة، فقد أدركت ما يسعى إليه: “هو شايف بنت حلوة، جسم زى الملبن، دم خفيف، كتفين عاريين، شعر أصفر، فقالك لازم أوترها حتى لا تسرق مني الجو”.

تحكى هند عن إسماعيل أيضاً أنه افتعل أزمة مع ممثل مغمور اسمه حسن أتله، وكان يقوم بدور مجنون في فيلم “إسماعيل يس في مستشفى المجانين”، وأراد إسماعيل أن يتخلص منه بسبب اللازمة التي يقولها “أصل أنا عندي شعرة ساعة تروح وساعة تيجي”. فأثناء التصوير، شعر إسماعيل أن تلك اللازمة ستنجح، فافتعل أزمة مع الممثل وصفعه على وجهه، لكن حسن أتله كان ذكياً، أو ربما مغلوباً على أمره، فلم يترك العمل، بل عندما أعاد المشهد، فاجأ الجميع بـ”صاجات”، ولم يكن ذلك موجوداً في السيناريو، ونجحت القفشة وما زالت تضحك الجميع حتى الآن.

لكن هند احترمت في إسماعيل ياسين أموراً أخرى. التزامه مثلاً، وحبه لفنه ولمنزله، ولم يعد يغضب منها إلا حينما تنتابها نوبات الضحك، والتي كانت غالبيتها بسبب زينات صدقي، التي كانت مشهورة بالارتجال: “في أحد مشاهد الفيلم التي تجمعنا لم أستطع أن أكمل الحوار لأني كنت أنفجر بالضحك، وأعدنا المشهد حوالى عشر مرات، فقد كانت زينات صدقي تفاجئني كل مرة بجملة جديدة من ابتكارها تضيفها إلى الحوار الأصلي من دون أن نكون متفقين عليها، وفى إحدى المرات قالت: يعنى هافضل طول عمري من غير جواز يا اخواتى؟! دا حتى مش كويس أبداً على عقلي الباطن! أنا سمعت “عقلي الباطن” من هنا وانفجرت من الضحك، وعندما أعدنا التصوير، فوجئت بحوار جديد!”.

“أزهار وأشواك” كان عنواناً مناسباً جداً لأول أفلام هند رستم، ففيه بدأت رحلتها الفنية وحصلت على أول أجر -مئة وخمسون جنيهاً- وبعده أيضاً قاطعها والدها الذي كان رافضاً عملها في المجال الفني، واستمرت مقاطعته لها حتى تزوجت من الدكتور محمد فياض: “كلمني فقط لأني أصبحت زوجة طبيب نساء وتوليد مشهور”. بعدها شاركت في “غزل البنات” مع ليلى مراد وأنور وجدي، و”العقل زينة” مع كاميليا وزينات صدقي وعبد الفتاح القصري، و”بابا أمين” مع يوسف شاهين، ثم “الملاك الظالم” مع فاتن حمامة وكمال الشناوي، والذي شهد التعاون الأول بين هند رستم، وحسن الإمام، الذي تدين إليه بالفضل، وتقول إنه من صنع اسمها، رغم أنه قاطعها أيضاً بعدما خالفت عقد الاحتكار الذي وقعه معها، وكان يسميها “عند رستم” لعنادها الشديد.

عملت هند رستم مع مجموعة كبيرة من المخرجين، “أجنّهم” يوسف شاهين كما تقول، “أكتر واحد بهدلني في التصوير، كان مجنوناً بجد. في تصوير “باب الحديد” لقيته بيقولي: شوفي يا هند.. وأنت واقفة على سطح القطر وهو بيجري تروحي ناطة من عربية لعربية، ولما لقيته بيتكلم بجد انفجرت فيه: يا يوسف إنت عيان ولا إيه؟! إنت فاكرني هنومة بجد؟! أنط إزاي والقطر بيجري؟!.. كان مجنون سينما، لا يهمه شيء حتى لو الممثل حيموت قدام عنيه!”.
في شهادتها عنها، تكشف ابنة هند وجهاً آخر من وجوه ملكة الإغراء، فتقول إنها رفضت أن تكون لابنتها أي علاقة بالفن بكل أشكاله، حتى الرسم. بل لم تستسغ عمل ابنتها أصلاً، رغم أنها كانت تعمل في أكبر بنوك القاهرة، وهي الوظيفة التي حلم بها أي شخص في ذلك الوقت، وكانت تقول لها: “أنت تنزلي تشتغلي ليه؟ عايزة الناس يقولوا هند رستم مش قادرة تصرف على بنتها ومنزّلاها تشتغل؟!”،

تقول ابنتها أيضاً أنه هند كانت ترى أن الست جوهرة مصونة، لا تعمل ولا تهين نفسها في مواصلات، وكان لها منطق غريب في التعليم والعمل، فلم تكن تعترف إلا بالطبيب والدبلوماسي والمهندس، فإن لم تكن صاح واحدة من المهن الثلاث، فأنت فاشل!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*