ذكرى شكا وأيام اليُتم الوطني

شاب عشريني من حزب نصف-أكثري يصفع عمّه السبعيني المناضل المخضرم في حزب تاريخي نتيجة خلاف على أفضلية المقاعد في قداس ذكرى ٥ تموز في كنيسة شكا.
****
سنة ١٩٧٦، صبيحة الخامس من تموز، سقطت مائة ونيّف ضحية بريئة في بلدة شكا الساحلية الوادعة، كبرى البلدات الصناعية في لبنان.
فإثر سقوط قلعة “منظمة التحرير” ورمز القوى الفلسطينية و”الوطنية” اللبنانية، عنيت مخيم تلّ الزعتر، على يد قوى “اليمين” المسيحي المدعوم من اسرائيل يومها، ورداً على الخسارة المعنوية القاسية والخسائر البشرية الكبيرة، قامت القوى المناهضة للجبهة اللبنانية (المسيحية) وهي تضم المنظمات العسكرية الفلسطينية من فتح وصاعقة وجبهة شعبية واخرى ديمقراطية بالاضافة الى قوى اليسار اللبناني وقوى الاسلام الوطني والعروبة وكل تنظيم وفصيل وبطن وفخذ… بمهاجمة القرية الساحلية الوادعة أخذاً بالثأر… ثأر تلّ الزعتر… بيّارة الثورة وبيرق النصر…
فكان الإنجاز الثوري التقدمي الرائع الذي قرّبنا من فلسطين أميالاً، ومن استرداد بهاء القدس موعداً، ومن تحرير الأقصى وقبّة الصخرة خطوة… وكان ثمن هذا الإنجاز القومي الرائع مائة ونيّف من الضحايا البريئة البسيطة الإيمان ذُبِحت في أزقّة شكا الوادعة وعلى شاطئها وطلعة جبل الشقعة.
مائة ونيف ضحية بريئة ساذجة طيبة وادعة لم تسمع يوما باتفاق القاهرة ولا بالكيلومتر مية وواحد ولا ببطولات الجولان وسيناء ولا بالمسيرة الخضراء ولا بالصحراء المغربية… مئة ضحية ونيّف كانت تعتقد أن ليلى خالد ممثلة افلام مصرية يخرجها لها فنان مبدع يدعى غسان كنفاني…
ومع ذلك سُفِح دمها كفّارة عن تثاقل أعين العرب والعالم وتطنيشهم عن صيحات اطفال البؤس في مخيمات الذل والحرمان، وتواطؤهم في مشاريع فورد وكيسنجر وبراون ومورفي، وخفّتهم في تدبير شؤون منطقة قسّموها عشوائياً ايام سايكس بيكو واغتصبوا وجدانها القومي بخلق كيان طارىء فرض تفوّقه على بداوتها بفوقية وأرجحية وغطرسة…
مئة ضحية ونيّف قتلهم ظلماً عدوٌ مظلوم بدوره بأكثر مما ظلم، مذبوح بأكثر مما ذبح ضحاياه البريئة في شكا… مضلّلُ ومؤمن بمثل ما ضٌلّلوا وآمنوا أيضاً.
بالأمس، وكعادتها كل سنة، احتفلت شكا بقداس سنوي في ذكرى ضحاياها… كنت اشترك في هذا القداس يوم كنت المسؤول الحزبي عن قضاء البترون. وكنت أحرص على ان اشارك ككل فرد من ابناء شكا دون افضلية او اولوية او تكبر او غطرسة على كرسي في الصف الأول او مكان محفوظ.
كنت أثير دهشة “الرفاق” وامتعاض بعضهم أني لا افرض هيبة الحزب فرضاً كافيا بتواضعي هذا وخجلي امام اصحاب المناسبة: الضحايا البريئة وأمهات وآباء وأولاد وذوي قربى من قتلوا ظلماُ من ابناء بلدتي… خجلي من خسارتهم المجانية الذي كان يحجبني عن البروتوكول والمقام… حزينا وخجولا امام الضحايا البريئة كنت اقبع في الصف الثالث او الرابع من مقاعد الكنيسة.
فأنا في بيتي
في بلدتي
بين أهلي واترابي
لا أفتعل ولا أمثل ولا أحصي ولا أعدّ
أما بعد…
بلغ ضيق الصدر والأثرة بدعاة الأحادية (وعند العجز عنها، فالثنائية… ولكن، بكل حال، عدم القبول بمشاركة الآخرين بطيب نفس والغاءهم من المعادلة كلما تيسر الى ذلك سبيل) أن خاصموا آباءهم واعمامهم المؤسسين في ملكية الشهداء والوكالة الحصرية غير القابلة للعزل عنهم.
فمن كان غير أكيد من مُنعَته في شكا والبترون فمن شأنه أن يرسل غلاماً يافعاً مضللاً من عصبة الغيّورين “الزيلوت” ليحجز له كرسياً في الصف الأول من الردح على دم الضحايا البريئة والاتّجار بذكراها.
ومن كان يعلم في قرارته أن صدفة محض مجردة قذفت به الى صف أمامي ومرتبة يعتبرها متقدمة فمن حقّه أن يخشى ويتنغص نهاره وليله فلا ينعم باله ولا تهنأ روحه برزيّة غَنمها في غفلة وصدفة،
ومن هو متيقّن بأن فلتة الشوط تحدث مرة ولا تتكرر بالضرورة يحتاج الى التطمين والامان اللذين يعطيهما له كذباً وظاهراً تقديم كرسيه وحَجزه له من أبناء البلدة المنضوين في فرقته، المغتربين غربته، والمتربّين تربيته، والمتشربين اخلاقه واخلاق الزعيم الاعلى الحالم أبدا بالسلطة التي تمنحه القدرة على تطويع الآخرين… حبّا بهم،
وحرصاُ على مصلحتهم التي يدركها اكثر منهم ليس الا..!
تباً لكم
كفّوا عن تسمية الضحايا البريئة شهداء ليتسنى لكم ان تتاجروا بهم يا تجار المحاصّة والثنائية والاستئثار،
كلّكم تجار هيكل طالما زوجاتكم وابناؤكم واصهاركم يمسكون بأزمّة القيادة في مؤسستكم التجارية التي تسمونها حزبا او تيارا او جمعية دفن الموتى او الحبل بلا دنس…
لا تزيدوا يُتمَ أولاد تلك الضحايا يتماً إذ لا أبا لهم ولا سند فأولي الأمر مشغولون بانتصاراتهم الوهمية وتقاسم السلطة والمراكز ومنهمكون بسدّ الابواب ووصدها جيداً لئلا يتسلل من ليس من آل الزعيم او ينتسب اليه بقرابة عائلية او قبلية.
إنها أيام اليُتم الوطني.


الدكتور المحامي شفيق نعمة

إقرأ المزيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*