ديموقراطية” هل هي صرخة؟ سؤال؟ أم ثورة من أفواه مكمومة؟ مشهدية جماعية على “مسرح المدينة” بإدارة ناجي صوراتي

 

31 آذار 2017
النهار

كيف تراءى لنا المشهد في “مسرح المدينة” ولم نكن جلسنا بعد في مقاعدنا؟ في شبه عتمة بدأنا نتكيّف مع الخشبة. جماعة من شبان وشابات في الوسط، بدوا لنا كتماثيل منحوتة في الظل، أبديّة في جمودها، انتظروا وصولنا وجلوسنا، ليصبح التمثال كائناً بشرياً لديه ما يقوله.

على طرفي الخشبة، بيار غانم يناجي الكمان، أندرو كرم يرتجل هارمونيات رهيفة على إيقاع غريب، ليتيسيا سعادة تواكب على الشيللو، غضب الجماعة الآتي. وفي تفرّسنا جيداً في تفاصيل المشهد نعثر على إنسان ممدد على صفحات من جرائد. ميت هو؟ حي؟ إلى حين ينهض وفي يده كمان أحمر، لا أوتار تنضح منه نغماً ولا قوس. أيكون هذا الكمان الساكت، كما تصوّره ناجي صوراتي، الماهر في دعوة الجمهور إلى المشاركة في لعبة التخمين والتمعّن، رديف الشعوب التي مهما صرخت وثارت يبقى صراخها مدفوناً تحت شعارات أصبحت بالية، نقولها من دون أن تعني لنا شيئاً، ديموقراطية، حريّة، حقوق؟
عشرون طالباً وطالبة من محترف الفنون المشهدية وجامعة الروح القدس – الكسليك، تدوزنوا وانسجموا في كوريغرافيا صوتية، إيمائية، ابتكرها ناجي صوراتي مادة حيّة لحركة متوازية، لتحالف جماعي، متضامن، في تعبيره عن الديموقراطية بالصمت أو بالصراخ. ففي هذه الأوركسترا الجسدية، نلمس التزاماً، تطوّعاً، تفور منه الكلمات الغاضبة، معجوقة ببعضها، متنازعة، صادحة بلغات ثلاث، عربية وفرنسية وإنكليزية، لا تصل إلى السمع، إلى كل السمع بوضوح، لكن كان من البديهي أن نقشع فيها معاناة شعب، قد يكون من أرضنا أو من هذا العالم المتردّي، يصرخ أوجاعه ويعود إليه صراخه كالصدأ، كلبيد الإيقاع المعبّر عن الفراغ.
لا شك أن ناجي صوراتي شيّد مشهدية، تحاكي كل الحواس معاً، غريبة هي عن المعنى الكلاسيكي أو المعاصر للمسرح. هكذا عرفته، يجرّد فكرته من الفوائض، لينقل جوهرها كالعدوى إلى الجمهور، تاركاً له خيار التنقيب في معانيها. ففي المشاهد المتتالية بسرعة البرق، ورشاقة الأجساد المنسوخة على كسرة ثانية، مرفقة بنغم كمان حزين، وإيقاع مكهرب، وشيللو خفيض، صرت أرى شعباً بكامله يسأل ولا ينتظر جواباً. فهل من جواب؟ بين مسرح ناجي صوراتي وعبارة لا تزال تلازمني، لجان لوي بارو، تخيّلت جسر تلاق: “المسرح هو المصل الذي اخترعه الانسان ليحمي نفسه من هذا الداء الملازم له، القلق”.
بدعم من السفارة الأميركية، ولد هذا العرض من مؤسّستين، تربوية لجامعة الروح القدس – الكسليك وفنيّة لمحترف الفنون المشهدية. شبان وشابات، تجمّعوا في هذه الساحة الافتراضية، ساحة الشعب حين يغضب، حين يثور، ورشقوا الفراغ، لا بالحجارة، بل بالكلام، رشقوه بأوراق الصحف، بعدما صنعوا منها كرات. ماذا قرأوا في الصحف، والحركة بالرؤوس واحدة وحفيف الورق واحد. ناجي صوراتي لم يصنع دراما، بالمعنى الكلاسيكي للمسرح، بل حرّك وعي طلاّبه، ودعاهم ليلعبوا مع الكلمات الرنّانة، مسرحية العالم ويتعلّموا لفظها باللغات الثلاث. راقت لهم اللعبة، تلهّوا بها، صرخوا، هذا الصراخ المدوزن على الإيقاع، كالشهقة هو، كالمفاجأة، لا يكاد يدوي في القاعة حتى ينطفئ، كالأنوار الصغيرة المشعّة في أياديهم، يدورون بها في كل صوب، كمن يبحث عن ضائع، لعلّه ديوجين الباحث في العتمة عن الانسان.
طلاب كأنّهم في الصف، يتعلّمون اللغات، يعبّرون بها عن حال الدنيا. السياسة ينطقون بها بأسلوب ناقد، ساخر، ويبقى جوهر الرسالة، الجسد الفصيح بلغته، يدير الصوت الملعلع، يقوده إلى مفهوم الديموقراطية كمبدأ وواقع. جميل أن يحك فن المسرح جلده بالسياسة. مقتطفات من خطب السياسيين توزّعوها بينهم. وقوفاً صار كل منهم يقدم نفسه كواحد من السياسيين العالميين: “أنا إسمي روزفلت” و”أنا إسمي أبراهام لنكولن” و”أنا إسمي أنطون سعاده” و”أنا إسمي جورج بوش”. وتكر المسبحة إلى أن ينفجر الكل بالضحك، وللضحك كوريغرافيته، إلى أن يبدأ الانزلاق في هوة الحقيقة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*