دير الزور في تحولاتها

 

محمود الزيباوي|السبت01/07/2017

Almodon.com

  • دير الزور

    تتواصل الحرب الإقليمية في سوريا، وتنتقل اليوم إلى محافظة دير الزور التي تضم خزان الاحتياط النفطي الأكبر في البلاد. تقع هذه المحافظة على شاطئ نهر الفرات حيث تجاور الدولة العراقية، وتشغل أكثر من ربع مساحة البلاد، وعاصمتها دير الزور، أكبر مدنها، و”أحدثها” عهدا، إذ يعود ارتقاؤها إلى مستوى مدينة إلى مطلع القرن التاسع عشر.


وضع الشيخ كامل الغزي كتابه الموسوعي الضخم ” نهر الذهب في تاريخ حلب” في نهاية العهد العثماني، وجمع فيه ما وصله من أخبار “ولاية حلب” التي ضمّت مدنا وبلدات تقع اليوم في جنوب تركيا الحالية، منها عينتاب وأضنة واسكندرونة وأنطاكية. كما هو معروف، زحف العثمانيون باتجاه حلب في مطلع القرن السادس عشر، وسيطروا عليها، وانطلقوا منها لفتح بقية بلاد الشام. اعتمد الحكام الجدد التقسيمات الإدارية السائدة في زمن المماليك، وجعلوا من بلاد الشام ولاية واحدة تنقسم إلى عدة وحدات إدارية، وكانت حلب مركز هذه الولاية. بعدها، قسمت هذه الولاية إلى ولايتين، هما ولاية حلب وولاية دمشق، وضمت الولاية الأولى أضنة ومرعش وعنتاب وأورفة ومعرة النعمان وحماة وحمص.

في مرحلة ثالثة، وُلدت ولاية طرابلس الشام وضمّت اللاذقية وحماة وحمص. ثم أنشئت ولاية الرقة، وشملت مناطق الجزيرة الفراتية وبادية الشام، وتبعتها ولاية صفد التي ضمت عكا وصيدا وجبل عامل وجبل لبنان. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، اعتمد العثمانيون تقسيما جديدا تمثّل بإنشاء نوع جديد من الإدارة أُطلق عليه اسم المتصرفية. أُنشئت متصرفية جبل لبنان إثر الأحداث الدامية التي شهدتها المنطقة عام 1860، وتبعتها متصرفية القدس الشريف عام 1874. في الحقبة الأخيرة من العصر العثماني الطويل، فُصلت ولاية أضنة عن ولاية حلب، وضمت ولاية سوريا دمشق والأردن وجزءا من فلسطين، إضافة إلى بعلبك والبقاع. وامتدت ولاية بيروت من حيفا إلى اللاذقية. واستبدلت ولاية الرقة بمتصرفية الزور.

تحت عنوان، “الكلام على دولة حلب”، يستهلّ الشيخ كامل الغزّي حديثه بالتعريف بـ”دولة حلب” المؤلّفة من ثلاثة ألوية، “وهي لواء حلب، ولواء اسكندرونة المستقل، ولواء الزور”. ضمّ لواء حلب عشرة أقضية، “هي قضاء جبل سمعان وعزاز والباب ومنبج وجرابلس والمعرة وادلب وحارم وجسر الشغر وكردداغ (أي بل الأكراد)”. وضمّ لواء اسكندرونة قضاء أنطاكية وبيلان. وضم لواء الزور قضاء بوكمال وميادين والحسجة (أي الحسكة) والحميدي والرقة. وضع الكاتب نبذة تناول فيها عن تاريخ لواء الزور “من الوجهة التاريخية وغيرها، حسبما وصلت إليه يد الإمكان، طالبا المعذرة عما يراه القارئ من التقصير الناشئ عن عدم وجود مواد” يستند إليها في الكتابة، “لأن مدينة دير الزور حادثة ليس لها ذكر في التاريخ قديما ولا حديثا”. تقع هذه المدينة “على شاطىء الفرات من الجهة الشامية”، “وهي مستطيلة الشكل ممتدة من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي”، وكانت من قبل قرية تُعرف باسم “دير الشّعار” غير ملحقة بلواء ولا بولاية، بسبب موقعها الصحراوي. “وكانت العشائر العربية تجتمع إليها في مواسم معلومة من السنة لعرض بضائعهم على التجار الذين يأتونها في تلك المواسم لشراء السمن والصوف والغنم والمواشي. وكانت حوادث النهب والسلب وغارات العرب لا تكاد تنقطع في جهاتها”.

في العام 1864، أخضع والي حلب هذه العشائر، وجعل من المنطقة مركز قائمقام ملحق بولاية حلب. وفي عام 1870، تحوّل هذا المركز إلى لواء ملحق بحلب، وألحق به قضاء الرقة والسبخة والعشارة والبصيرة وبوكمال والشدادي وسنجار ونصيبين ورأس العين وويران شهر ومسكنة. بعد بضع سنوات، فكّ ارتباط هذا اللواء عن حلب، وربطه باستانبول مباشرة. “أُلحقت سنجار بولاية الموصل، وقضاء نصيبين بلواء ماردين، وقضاء مسكنة بولاية حلب، وأعيد إلحاق لواء الدير بحلب كما كان حين تأسيسه”. في عام 1881، أُلحق لواء الزور من جديد باستانبول، وبعد عامين، فُكّ عنه قضاء الرقة وأًلحق بولاية حلب. عام 1914، “أُلحق قضاء العانة بلواء الدير، وانفكّ عن ولاية بغداد، وكان له فيه ناحيتان، هيت والحديثة”. بعدها، أُلحق قضاء الدلم بهذا اللواء إثر دخول الإنكليز إلى بغداد، وأُعيد إليه قضاء الرقة في نهاية الحكم العثماني.

بعد كل هذه التحولات، بات حد لواء الزور شرقا أراضي ولاية بغداد والموصل، وجنوبا أراضي ولاية دمشق والأردن، وغربا أراضي حماة وحمص، وشمالا أراضي ديار بكر وماردين وأورفه وحلب. وكان الفرات يشقه إلى شطرين، “فما كان منه عن يمينه يُسمّى شامية، وما كان عن يساره يُسمّى جزيرة”. اشتهرت مدينة الدير بصناعة البسط والعباءات والجلود، وكان “فيها حمامان، وثمانية جوامع، ومسجدان، وثلاث كنائس، ومعصرتان للسمسم، وثماني مطاحن نارية”.

تحوّلت حدود لواء دير الزور وتبدّلت في زمن العثمانيين بسبب موقعها الجغرافي الفريد، ودخلت في طور جديد في مرحلة نشوء الدول العربية. أصدر محمد كرد علي سلسلة “خطط الشام” في عام 1925، ورصد فيها تحوّلات دير الزور في هذه الحقبة. رأى العلامة الدمشقي أن “كل ما كان من جهة الشام على ضفة الفرات فهو شام، وما كان على الضفة الأخرى من الشرق فهو عراق”. وأضاف موضحا: “فصفين مثلا في الشام، وقلعة جعبر في الجزيرة الفراتية، وبينهما مقدار فرسخ أو أقل. وتدخل بالس، أي مسكنة، بالشام لأنها من غرب الفرات، وتدخل البيرة، أي بيره جك، في الجزيرة لأنها على الشق الآخر من الفرات. وما كان من دير الزور على الفرات إلى جهة الشام فهو من الشام، وما كان على الشاطئ الآخر إلى الشرق فهو من العراق. وكذلك يقال في الرَّقة”.

رصد محمد كرد علي “تقسيم الشام وخرابها واستقلال لبنان والعلويين ومجلس فلسطين ودولة شرقي الأردن ودولة جبل الدروز”، ورأى أن الشام أصبحت بذلك “سبع دول، وكانت على آخر عهد الأتراك ثلاث ولايات: دمشق وبيروت وحلب، وثلاثة ألوية مستقلة: القدس، لبنان، دير الزور”. ضمت الدولة السورية في مطلع عمرها سبعة ألوية، هي دمشق، حوران، حمص، حماة، حلب، دير الزور، والإسكندرونة. وضمّ لواء دير الزور ستة أقضية مراكزها دير الزور، الرقة، الميادين، البوكمال، حسجة، وكرو. وكان سكانه من العشائر، والشاوية من الأسماء التي تُطلق عليها، “لأنهم جماعة شياه. ومعاش البدو من مواشيهم وما تدر عليهم من السمون والألبان والأجبان والزبد وما يبيعون من نتاج قطعانهم، أو من غزو بعضهم بعضاً إن كانوا أشراراً على الفطرة لم تدمث أخلاقهم قليلاً بالاحتكاك بالمتحضرين”.

تطوّرت أحوال لواء دير الزور، وبات محافظة كبيرة قُسّمت إلى ثلاث مناطق: دير الزور، الميادين، والبوكمال. تضم هذه المناطق خمس مدن، وإحدى عشرة ناحية وعشرات القرى، يديرها محافظ يعيّنه رئيس الجمهورية، يعاونه مجلس منتخب محليا. من دير الزور، خرج عبد القادر عيّاش، مؤلف “الموسوعة الفراتية”، “دير الزور حاضرة وادي الفرات”، “ديارات الفرات”، “رحالة عرب وإفرنج زاروا الفرات”،  و”الفنون الشعبية في دير الزور”، وهو صاحب مجلة “صوت الفرات” ومؤسس المتحف الشعبي في المدينة. من دير الزور كذلك،  لمع محمد العرفي، وكان من أعضاء المجمع العلمي العربيّ ومن رجال الحركة الوطنية، ومحمد عطاء الله الفراتي، المعلّم الذي شغل وظيفة أمين المكتبة العامة في مدينته، وعمل مترجماً للأدب الفارسي في وزارة الثقافة، وأحمد حسن الموح الشاعر الذي جمع بين الكتابة بالعربية الفصيحة والكتابة بالبدوية العامية.

تلك هي محافظة دير الزور في الماضي القريب، وهي اليوم ساحة مفتوحة للمعارك الدائرة بين “سوريات مفيدة” تتوالد وتتكاثر وفقًا لخريطة الدول المتقاتلة في هذه البلاد المفتّتة. فهل تتبدّل حدودها من جديد؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*