دولة الرئيس رجاء مكافحة الهدر المقونن لمنفعة وزراء


مروان اسكندر
النهار
29062018

دولة الرئيس سعد رفيق الحريري نحبك لخصائصك الشخصية التي منها اللطف في المعاملة، والجلد على مواجهة الانتقاد، والعمل الجاد على انقاذ ما تبقى من ارث الرئيس رفيق الحريري الذي اغتيل بوحشية عام 2005 بعد صدور القرار 1559 الذي دعا الى وقف التمديد للرئيس اميل لحود وانسحاب القوات السورية العسكرية والامنية من لبنان.

أذكر ان النائب الحالي الياس الفرزلي كان في مقهى “السيتي كافيه” يوم صدور القرار وقد توجه الي بالقول: يا لسخف هذا القرار الاممي واسرائيل لم تنفذ أي قرار صدر بحقها.

بتاريخ 28 شباط 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، شاركت في عشاء مع أربعة وزراء في الحكومة التي استقالت في ذلك التاريخ بعد خطاب النائب بهية الحريري التي اتهمت الحكومة بالتقصير في حماية الرئيس، وبعد خطابها صباحًا اختار الرئيس عمر كرامي الاستقالة من دون استشارة أي من المسؤولين، وكان العشاء في السفارة الاميركية على شرف نائب وزير خارجية الولايات المتحدة المعني بشؤون الشرق الاوسط السيد ساترفيلد الذي سبق له أن كان سفيرًا لبلاده في لبنان.

الحاضرون كانوا الوزير عدنان القصار، والوزيرة ليلى الصلح، والوزير ياسين جابر، والوزير جان لوي قرداحي، وكاتب المقال.

قال لنا ساترفيلد حرفيًا: قبل نهاية شهر نيسان سينسحب السوريون جنودًا ومخابرات من الاراضي اللبنانية، وخلال شهري أيار وحزيران ستجرى انتخابات نيابية وستتألف محكمة دولية للكشف عن مخططي اغتيال رفيق الحريري: وهكذا كان على كل الصعد وفي المواعيد التي حدّدها.

عام 1994 قبل الاغتيال الذي صنع الحس الوطني اللبناني وتسبب بتظاهرة الـ1.2 مليون لبناني ولبنانية الذين طالبوا بانسحاب القوات السورية وذلك بتاريخ 14 آذار 2005، زار لبنان رئيس وزراء ماليزيا، مهاتير محمد، وكان يتولى منصبه منذ عام 1981 وتوثقت بينه وبين الرئيس رفيق الحريري صداقة متينة.

طلب مني الرئيس الحريري اجراء مقابلة تلفزيونية مع مهاتير محمد بالاشتراك مع الاقتصادي والمصرفي المعروف فريدي باز وقد أجرينا المقابلة مدة ساعتين شرح خلالها مهاتير محمد كيف نهض باقتصاد ماليزيا وكيف حقق انجاز منشآت البنية التحتية على أفضل وجه، وبيّن ان النجاح ارتكز في المقام الاول على اختيار الاكفياء من الناجحين في القطاع الخاص الذين تولوا ادارة شؤون الانماء مقابل معاشات مجزية.

تحدثنا مع مهاتير محمد، الرئيس الجديد للوزراء في ماليزيا منذ مطلع هذه السنة، عن رأيه في منطلقات الرئيس الحريري وفرص نجاحه في مماثلة نجاح ماليزيا. فقال لنا بصراحة إن منطلقات الرئيس الحريري ممتازة، لكن تحقيق نتائجها ليس مؤكدًا. وحينما سألناه عن اسباب هذا التقويم، أجاب: شؤون الانماء ليست بيد الرئيس الحريري فهنالك التأثير الواضح للجانب السوري، وهنالك مئات السياسيين يدينون لسوريا حين اتخاذ قراراتهم، ولبنان سيبقى رهينة هذه الفئة من المستفيدين على حساب الوطن.

لدى سماعنا رأي مهاتير محمد أصابنا مقدار من الخيبة والحزن على لبنان، ومع ذلك كانت انجازات رفيق الحريري في اعادة بناء المدارس، واطلاق مشروع اعادة بناء وتجهيز المطار، وتأسيس شركة لاعادة بناء وسط بيروت، ومساندة 34 الف طالب لتحصيل العلوم الجامعية في لبنان والخارج، انجازات لم يشهد مثلها لبنان منذ الاستقلال على رغم كل اسباب التشكيك في نيات القسم الاكبر من السياسيين اللبنانيين، وكل ذلك كان بعد اغتيال الرئيس رينه معوض يوم عيد الاستقلال عام 1989 بعد بضعة أيام من انتخابه عقب انجاز اتفاق الطائف.

اليوم ماذا نشهد في ماليزيا بعد انتخاب الرئيس مهاتير محمد لرئاسة الوزراء فيها؟

خلال خمسة أيام استعاد مهاتير محمد من المال الذي نهبه الوزراء المرتشون، وكان منهم رئيس الوزراء السابق نجيب رزاق، مبلغ 50 مليار دولار. نعم استعاد رئيس الوزراء الماليزي ما يعادل 60 في المئة من الدين العام في لبنان خلال أقل من أسبوع، فكيف حقق هذه النتيجة وله من العمر 92 عامًا، علمًا أن ازدهار ماليزيا الذي شجع بعض وزرائها على نهب المال العام كان قد تحقق استنادًا الى سياسات مهاتير محمد التي تشابه ما كان يريده الرئيس رفيق الحريري؟

مهاتير محمد منع نجيب رزاق من السفر مع زوجته بطائرة خاصة الى أندونيسيا، وادخله السجن، علمًا بان هذا الرجل واجهته اتهامات بانه حوّل 680 مليون دولار من صندوق استثماري حكومي انشأه عام 1994 الى حسابه الخاص لدى مصارف عاملة في المنطقة، ويضاف الى ذلك ان رزاق استثمر في عقارات في الولايات المتحدة وبريطانيا وسويسرا بما يساوي المليار دولار وكانت صحيفة “النيويورك تايمس” قد كشفت عن مخالفات رزاق منذ صيف 2015، وهو استطاع تأليف فريق من الاختصاصيين لدرس موضوع الاموال المنهوبة، فانجزوا تقريرًا يبرئه من تهمة النهب ويبيّن ان مبلغ الـ680 مليون دولار توافر له من السعودية لمحاربة حركات التطرف الاسلامي، لكن المملكة اشارت عبر تصريحات وزير خارجيتها ووزير المالية ان لا مبالغ محوّلة الى رزاق للغاية المزعومة.

سجن رزاق وتبعه سجن 9 وزراء و144 رجل اعمال متهمين بالرشوة و60 قاضيًا متهمين بانتهاك القانون والرشى والغى مهاتير محمد ضريبة كان قد فرضها رزاق على الخدمات والتجارة.

لا شك في ان الاثبات للثروات المتحصلة للوزراء في السجن ورئيسهم والقضاة توافرت من وزارة المال الاميركية التي جمدت أصول رزاق وبعض الوزراء في الولايات المتحدة، ووفرت ارقام الحسابات التي سمحت لمهاتير محمد باسترجاع 50 مليار دولار واطلاق عملية التنمية من جديد في ماليزيا وضبط التضخم. وكان للتحقيق الحكومي الاميركي اثره في اتخاذ الخطوات التي أعادت الامل في توافر الشفافية لفريق الحكم في ماليزيا.

دولة الرئيس، تتحدثون عن مكافحة الفساد وتحسين فاعلية الادارة، وكل ذلك مرتبط باقناع مجموعة المانحين بتوفير القروض الطويلة الامد للبنان من اجل تنفيذ مشاريع تطوير البنية التحتية والخدمات، وفي أحسن الاحوال ان توصلتم الى عزل خمسة متسيبين من اركان الحكم ربما كان هنالك امل في التحسين وتوافر المساعدات الملحوظة بعد بضعة أشهر.

الوضع في لبنان يحتاج الى توافر مناخ تسوده الشفافية ومسيرة عدلية لا تقضي على الامل في تحصيل الحقوق الا بعد سنوات واستعادة لبنان الجاذبية للمستثمرين. فالاستثمار من القطاع الخاص هو المنهج الانسب والافعل لبدء مسيرة التعافي، لكن هذا الاستثمار لن يتوافر ما لم تقرر الحكومة بعد تشكيلها السير بمشاريع تستقطب الاستثمار الخاص ببضعة مليارات من الدولارات، واللبنانيون يملكون الاموال لكنهم فاقدون للثقة بالادارة الحكومية ومنهجية الحكم، فهل تستطيع بعد صبرك الطويل السير بالاصلاح حقيقة وتنقية جو التشكيك السائد حتى تاريخه؟ عسى ان تستطيع ولك من كل لبناني حينئذٍ ليس الدعاء بل المشاركة الفعالة في استعادة الوطن واستعادة بريق التفاؤل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*