دور الرحبانيين وفيروز والسينما والسياحة في نهضة الفنون الفولكلورية

 

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف تحقيقاً كتبه محمد ابي سمرا في “النهار” بتاريخ 27 تموز 2003 حاملاً عنوان: “دور الرحبانيين وفيروز والسينما والسياحة في نهضة الفنون الفولكلورية”.

حلقة  من السلسلة التي تتتبع العوامل الكثيرة والمتشابكة في ازدهار الفنون الفولكورية اللبنانية في الستينات والنصف الاول من السبعينات. ومناسبة هذا التتبع وغايته الضمنية، الاشارة الى صلة ذلك الازدهار بصناعة صورة لبنان وثقافته المرتبطة بتحولات اجتماعية كبرى في تلك الحقبة، وخلو المهرجانات الفنية المزدهرة اليوم من مصادر ثقافية وفنية لبنانية.المصدر: “النهار”

     30 حزيران 2017 | 22:43

– 2 –

لبيان ما تمثله “المؤسسة الرحبانية – الفيروزية” في المشهد الثقافي والفني اللبناني آنذاك، نختار أن نتوقف في محطتين اثنتين من مسار تلك المؤسسة، متتبعين شذرات من الاحتفال الصحافي الذي حف بعرض “ناس من ورق” في معرض دمشق الدولي صيف ،1971 وبحادثة إصابة عاصي الرحباني بجلطة دماغية في أيلول .1972

فغداة سفر الفريق الفني العامل في “ناس من ورق” (نحو 70 شخص) الى الولايات المتحدة الاميركية، للقيام بجولة فنية طويلة هناك، بعد العروض الدمشقية، نقلت بعض الصحف اللبنانية عن الرئيس الاميركي، ريتشارد نيكسون، قوله إن “أميركا تسافر الى فيروز” ترحيباً بـ”سفيرة لبنان الى النجوم”. وصوت فيروز، بحسب المتابعات الصحافية نفسها، يشكل “ارتباطنا بالرقي”، و”شراعنا المعاصر الذي يشق لنا البحار لنفتتح الدنيا”، بعدما “غزاها”، من قبل، جبران خليل جبران الذي قدم الرحبانيان وفيروز “تابلو النبي” من شعره في عروضهم الاميركية، بعدما كان هذا “التابلو” قُدم في مهرجانات الارز صيف .1969

وتعود ضخامة عدد الفريق الفني العامل في “ناس من ورق” الذي قُدم في البيكاديللي شتاء ،1972 بعد الجولة الاميركية، الى مشاركة “فرقة كركلا” للمرة الاولى في الاعمال الرحبانية الفيروزية. والحق أن “ناس من ورق” جرى بناؤها “المسرحي” على الغناء الفيروزي الرحباني، وعلى الاحتفال بالاطلالة الاستعراضية الجديدة للفرقة الراقصة التي أنشأها عبد الحليم كركلا، واستقل بها وجعلها أكثر احترافاً في فن الاستعراض الراقص الذي ظل على حاله تقريباً منذ إطلالاته الاستعراضية المشهدية الاولى في النصف الثاني من الخمسينات، وحتى أواخر الستينات، مع “الفرقة الشعبية اللبنانية” المرافقة للعروض الرحبانية الفيروزية، وغيرها من الفرق الفولكلورية الاخرى.

ومن مظاهر الاحتفال المتواصل بفيروز و”الفن الرحباني” وتصدرهما مشهد الحياة الثقافية اللبنانية مطلع السبعينات، ان كاتبة صحافية لبنانية، خصصت معظم مقالة لها لمديح فيروز وصوتها في سياق تعليقها على معرض رسم في مطعم “السان بيكو” على شاطىء الاوزاعي – حينما كان ما يزال شاطئاً بعد – وذلك لأن صوت فيروز كان يصدح في أغنية “يا طير” من شريط كاسيت في صالة المطعم الذي استضاف المعرض. ثم إن كاتبة صحافية أخرى، جعلت من تعليقها على كتاب جديد، لكاتبة اميركية، في عنوان “كيف تصبحين المرأة المثيرة”، مشجباً لمديح المغنية اللبنانية الاولى، فذكرت ان “فيروز في غنجة واحدة من غنجاتها، تستطيع ان تعلم الكاتبة الاميركية كيف تصبح المرأة المثيرة”. وفي مناسبة عيد الشجرة من ذلك العام نفسه، جرى احتفال بزرع أرزتين في ملعب مدرسة في بحمدون، تقديراً لكل من فيروز وسعيد عقل الذي منح جائزته السنوية آنذاك للفنان صبري الشريف، لأنه “أعد” لرحلة الرحبانيين وفيروز الى اميركا، “ومهد (لها) ورعاها”. وحين راحت بعض التكهنات الصحافية اللبنانية تروّج لنيل شاعر لبناني جائزة نوبل للأداب في ذلك العام، ذكرت أن مساهمة الشاعر سعيد عقل في نهضة “الفن الرحباني – الفيروزي” من العوامل في استحقاقه الجائزة الادبية الاولى في العالم.

أما حين خيّم شبح الموت على عاصي الرحباني، بعد أصابته بجلطة دماغية صاعقة في يوم من أيام ايلول 1972 الاخيرة، فقد استبدلت الصحافة اللبنانية “الهذيان الصوفي الجماهيري” الذي أصاب القاهرة أثناء تشييع كل من أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الاطرش الى مثواهم الاخيرو بـ”هذيان ابتهالي” لخلاص الذي “منذ عشرين سنة يعطي بلادنا الخير والعافية”. ومن هذه الابتهالات الصحافية نقتطف دعوة “آخر قديس في آخر مزار، ليشفع” لعاصي الرحباني، وينجيه من الموت. لأنه وأخيه منصور الرحباني “الوسام (الذي) يحمله العربي الخارج من صحرائه الى العالم”. ولأن الأخوين رحباني هما اللذين منحا “العافية للحضارة العربية السقيمة الآسنة”، ولأنهما يجسدان رموز الطوبى اللبنانية: “القلم والمعول والأرض والسنابل، وفنهما العظيم ترجيح لحزن الاطفال وقهر المضطهدين وأحلام المشردين، ولحكايات العشاق في الشرق القديم، ولعزاء الفلاحين الذين يروون الارض بدمائهم والرعيان الذين يطعمون البشر”.

– 3 –

لكن الاقلام الصحافية اللبنانية تأخرت قليلا في تجاوزها الاكتفاء بمديح “عظمة” صوت فيروز و”عبقرية” الاخوين رحباني في تحويل المسرح الغنائي الاستعراضي “قيمة ثقافية” أساسية في لبنان. فمع عروض “ناطورة المفاتيح” في بعلبك ومعرض دمشق الدولي صيف ،1972 راحت المتابعات الصحافية لهذا العمل، تركز على دور تصميم الازياء (جان بيار دوليفر)، والديكور (رفيق شرف)، و”الرقص التعبيري”، في تجديد المسرح الغنائي. فالرقص التعبيري “خفف” العرض من جمود “الدبكة” بفضل “فرقة كركلا” التي “ملأت النقص الذي كانت تشكو منه” الاعمال الرحبانية ما قبل “ناس من ورق”.

وقد يبرز ما لهذه العناصر الجديدة من قيمة وتطلب لدى جمهور المشاهدين اللبنانيين، في مرآة جمهور المشاهدين السوريين. فـ”الجمهور السوري” في عروض “ناطورة المفاتيح” في معرض دمشق الدولي، لم “يهتم بالموسيقى ولا بالقصة ولا بالرقص ولا بالحوار ولا بالازياء” قياسا باهتمامه بفيروز وحدها، بحسب احد التعليقات الصحافية. ويؤكد ذلك التطلب لدى الجمهور اللبناني على حاجته الى عناصر استعراضية، مشهدية وبصرية، اي صناعية ومحدثة، ترفع من قيمة صوت فيروز واغانيها لدى هذا الجمهور الذي – على خلاف الجمهور السوري – لم يعد تذوقه المسرح الغنائي وتطلبه عروضه يقتصران على حاسة السمع، بل تعددياها الى إعمال حاسة البصر التي تشكل العنصر الحاسم في تلقي الفنون المشهدية الاستعراضية، رغم ما لصوت فيروز من اهمية قصوى وحاسمة ايضا في ذلك التلقي.

وتشير التعليقات الصحافية في تلك الحقبة الى تكاثر العروض الفولكلورية الاستعراضية في المناطق اللبنانية، وانتشارها بوصفها ثقافة ترفيهية رائجة. ففي اثناء عروض “ناطورة المفاتيح” كانت فرق مدرسية واخرى تابعة لنوادي ثقافية ورياضية في كثير من المناطق اللبنانية، تقدم عروضا لأعمال الاخوين رحباني وفيروز القديمة. فمن مرجعيون الى حمانا، ومن بيت شباب الى حبوش الى بتغرين، ومن دوما الى بعبدا، ومن المتين الى ملتقى النهرين الى فرن الشباك… كانت فرق محلية شبابية صغيرة تؤدي الاعمال الرحبانية – الفيروزية وغيرها من الاعمال الفولكلورية، في مواسـم الصـيـف ابـتـداء مـن الـنـصـف الـثـانـي مـن الستينات.

وبينما رأت تعليقات صحافية ان تفشي هذه الظاهرة “ينشر المهرجانات الفولكلورية في المحافظات على اختلافها، وصولا الى الجنوب الذي كان بعيدا عن اجوائها”، رأت تعليقات اخرى ان هذا الانتشار الكثيف (اكثر من 50 عرض محلي في اواسط صيف 1972 وحده) “يـبـتـذل المهرجانات الفولكورية، ويحولها دكاكين”.

-4-

وتتصل نهضة الفنون الفولكلورية اللبنانية، وتحولها موضة دارجة ووجهاً من وجوه ثقافة الترفيه في الستينات والسبعينات، اتصالا وثيقا ومتزامنا بشيوع صورة لبنان كبلد للسياحة والاصطياف، على نطاق واسع في الداخل والخارج. ولترويج هذه الصورة، دأبت وكالات السفر والرحلات السياحية على استخدام صور مؤدي الدبكة ومؤدياتها في الازياء الفولكلورية، وخلفهم الجبل والبحر والارز وقلعة بعلبك وغيرها من الصروح الاثرية في لبنان، كمشاهد في الدعايات والاعلانات التي توزعها تلك الوكالات. والمدارس الثانوية اللبنانية ودور المعلمين والمعلمات، جعلت من تدريب طلابها وطالباتها على الدبكة نشاطا رائجا ادرجته في حفلاتها السنوية، واستقدمت له مدربين من الفرق الفولكلورية الناشطة والمعروفة. وفي مواسم الاضرابات والاعتصامات الطالبية والاحتجاجات المزدهرة في تلك الحقبة، تحولت حلقات الدبكة نشاطا ترفيهيا واحتفاليا ودعاويا للتعارف والتأطير بين فئات من الطلاب والطالبات، من ذوي المنابت الريفية والميول والاهواء اليسارية في المرحلتين الثانوية والجامعية.

اما العناصر او الملامح التي جرى ابرازها في صورة لبنان السياحة والاصطياف، فتبدأ بصور الطبيعة اللبنانية الخلابة في الجبل والساحل وبهناءة العيش ورخائه في رحاب هذه الطبيعة، وتنتهي بصور سفور النساء وجمالهن الاخاذ وتحررهن من سطوة التقاليد المحافظة، مرورا بصور ازدهار الحياة الليلية الصاخبة في بيروت، وباضفاء ملامح من الرفاه والمتعة على الحياة اللبنانية. وقد شاعت هذه الصور في البلدان العربية عن بلد الارز الذي ليس من قبيل المصادفة ان يؤنث اسمه في المحكية المصرية، وان يكتب احد نقاد السينما المصريين ان لبنان هو “المكان المفضل لدى العرسان المصريين لتمضية شهر العسل”. هذا فيما شرعت بعض الافلام المصرية بتزيين مقتطفات منها بمشاهد في لبنان مع انطلاق التصوير السينمائي “بالالوان الطبيعية” ومع توسع ظاهرة الانتاج السينمائي المصري اللبناني المشترك، والذي ادى الى ازدهار نسبي في قطاع السينما اللبنانية التجارية في الستينات والسبعينات، فراحت هذه السينما تنسج على منوال نماذج من الافلام المصرية المصورة في لبنان، وجعلت دأبها ترويج الصورة السياحية والترفيهية عن لبنان.

وما ان كان يقول مؤدو الادوار الرئيسية المصريون في تلك الافلام، انهم ذاهبون في اجازة الى لبنان، حتى كانت تنتقل الكاميرا، فجأة، الى تصوير مشاهد من الرقص الفولكلوري اللبناني في رحاب الطبيعة الجبلية، او في الملاهي الليلية، مباشرة بعد هبوط الطائرة في مطار بيروت، وخروج بطل الفيلم وصحبه من بوابة المطار. وغالبا ما كان الباعث على تصوير مشاهد من تلك الافلام في الربوع اللبنانية، هو تزينها بمشاهد ترفيهية ممتعة، وحاجة ابطالها الى الاختلاء السري والغفل، العلني والسافر، في وقت واحد، بخليلات وعشيقات يصعب وصالهن على هذا النحو في غير بلد الارز والبحر والجبل والحرية والسفور والعلانية، الذي كان يفتح ذراعيه لاستقبال طالبي المتعة والرخاء والحياة الليلية والسياحة الجنسية والغرامية، بحسب الصورة التي شاعت في تلك الافلام.

لذا كنت ترى فريد الاطرش يغني في اللهجة اللبنانية، ويطارد معشوقاته في الربوع اللبنانية في بعض افلامه التي يظهر في خلفية مشاهد منها شابات وشبان يؤدون رقصات فولكلورية لبنانية. ولذا ايضا صوّرت اجزاء طويلة من فيلم عبد الحليم الحافظ المشهور “ابي فوق الشجرة” في مواقع سياحية من لبنان، حيث راح العندليب الاسمر يختلي بعشيقته “الماجنة” في الفيلم، الممثلة ناديا لطفي، بعدما كان غنى اغنية “ضي القناديل” من تلحين الاخوين رحباني.

-5-

اما صانع “امجاد” السينما اللبنانية التجارية، محمد سلمان، فقد جمع في احد افلامه التي اخرجها في مطالع السبعينات، كل من ملكة جمال الكون، اللبنانية جورجينا رزق، والمغنية صباح وابنتها هويدا، اضافة الى طروب وعازف الغيتار والممثل المصري الوسيم والصاعد عمر خورشيد، والراقص اللبناني من اصل ارمني، كيغام. وجاءجمع هذه الاسماء كلها وغيرها، لتقديم صور رائجة، ولا تخلو من ابتذال، عما تفترض الرؤية السلمانية ان الحياة اللبنانية، والبيروتية خصوصا، تضج به آنذاك، من تفلت اخلاقي يرذله الفيلم ضمنا، ويحتفل به علنا، على قاعدة تقديم مشاهد فاحشة من العري الانثوي والاثارة الجنسية التي تستجيب تعطش مشاهدين الى التلصص على اجساد نجمات فاتنات في مرايا شهوات ذكورية مبتورة، ممتنعة ومستحيلة. وهكذا ظهرت في ذلك الفيلم طروب وهويدا شبه عاريتين، فيما ظهرت جورجينا رزق في فتنتها الساحقة، تتمايل في ازياء ورقصات فولكلورية لبنانية الى جانب الراقص كيغام وفرقته، وعلى انغام اغنية لصباح، في احد الملاهي الليلية البيروتية، حيث يعزف الممثل عمر خورشيد على اوتار غيتاره، كما على نياط قلبه المشبوب هياما بملكة جمال الكون اللبنانية التي ساهمت في الترويج لصورة بلدها السياحية.

وكان الاخوان رحباني قد استقدما مخرجين مصريين من اصل لبناني قديم (يوسف شاهين وهنري بركات) لاخراج افلامهما الفيروزية الثلاثة: “بياع الخواتم”، “سفر برلك” و”نجمة بنت الحارس”. وهي الافلام التي اراد الرحبانيان فيها وعبرها نقل نجومية فيروز من المسرح الغنائي الاستعراضي الفولكلوري الى السينما، تحت الحاح اتساع حضورها الجماهيري، ولايصال نجومية المغنية اللبنانية الاولى الى دوائر من المشاهدين غير القادرين على متابعة المهرجانات والعروض الغنائية الفولكلورية الموسمية، ناهيك عن استثمار هذه النجومية في السينما. وقد ادت هذه الدوافع مجتمعة الى صناعة الافلام الثلاثة، لتكون امتدادا سينمائيا يحاكي بالصور مثال “الفن الرحباني – الفيروزي” في المسرح الغنائي الاستعراضي الفولكلوري.

يصعب الفصل بين ما وصلت اليه صناعة العروض الفولكلورية، الغنائية والاستعراضية الراقصة، من ازدهار ورواج في لبنان الستينات والنصف الاول من السبعينات، والدور الذي لعبه المسرح الغنائي الرحباني – الفيروزي في تلك الحقبة. فصوت فيروز وأغانيها وأدوارها التي صنعها لها الاخوان رحباني، وانطلقت في الاذاعات منذ مطلع الخمسينات، وفي المهرجانات الفولكلورية منذ ،1957 وفي عروض البيكاديللي الشتوية منذ ،1967 كانت النوابض او الرافعة التي حملت صناعة العروض الفولكلورية الى أوج ازدهارها، وجعلتها فناً جديداً رائجاً ومطلوباً ومحتفى به لدى فئات لبنانية وغير لبنانية، متباينة المنابت الاجتماعية والثقافية، وتطغى عليها الاجيال الشابة. وبدون الاطلالة الفيروزية الرحبانية، ودورها المحوري في إنهاض الاغنية اللبنانية في حلتها الشعرية الجديدة في العامية اللبنانية، وبعثها واستجابتها ميولا وأهواء وذوقاً ومخاطبة جديدة، لما كُتب لتلك الاغنية ولعروض الفن الفولكلوري ان تنهض نهضتها غير المسبوقة، وتشق لنفسها مكاناً في صدارة المشهد الثقافي والفني اللبناني، والعربي تالياً، في تلك الحقبة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*