دور الإعلام في التربية اللاطائفية

أرشيف النهار
01022018

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه محمد السماك في “النهار” بتاريخ 15 نيسان 1995، حمل عنوان “دور الأعلام في التربية اللاطائفية”.

امامنا ثلاثة مصطلحات: اعلام وتربية ولا طائفية اولا: الاعلام في اساسه وفي جوهره هو عملية تهدف من خلال الاخبار والمعلومات تكوين اقتناعات الرأي العام وتوجيه خياراته، وبلورة معتقداته، وارساء قواعد عامة مشتركة لقياس الخطأ والصواب، والجيد والسيئ، والمفيد والمضر. فهو تاليا عملية تربوية في الدرجة الاولى. ثانيا: التربية هي عملية صناعة الانسان روحيا ومعنويا واخلاقيا وثقافيا. انها العمود الفقري للشخصية الجماعية للمجتمع. فهي بالنسبة لاي أمة او شعب كالدم الذي يجري في شرايين الجسم، تحمل اليه غذاء المعرفة الجماعية وتحمل في ذاتها قوى الدفاع ضد اي مفهوم غريب يحاول ان يتسلل الى الجسم الوطني. لان كلاً من التربية والاعلام يلعب دورا اساسيا في تكوين شخصية الأمة وتنميتها وفي بلورة عقيدتها والمحافظة عليها، وفي ارساء كيانها وترسيخه، وفي الدفاع عن قيمها ومبادئها، ونشر ثقافتها وبناء حضارتها، فان اي تناقض بين رسالتيهما يؤدي الى كارثة وطنية. وتاليا فان تكامل دوريهما يمكن ان يشكّل سياجا يصعب، بل يستحيل اختراقه.

في عام 1982 نظم مكتب التربية العربية ندوة تحت عنوان: “ماذا يريد التربيون من الاعلاميين”. يومها خرجت الندوة بالتوصيات الآتية: – تطوير خطط الاعلام وتوحيد اهدافها. – تكامل اهداف الاعلام والتعليم. – التنسيق بين الاعلاميين والتربويين. – زيادة كفاية الاعلاميين التربويين. – زيادة كفاية الاعلام والاعلاميين. – الاستخدام الرشيد لوسائل الاعلام (في المدارس) ثالثا: اللاطائفية اذا كانت الطائفية هي حالة انتماء الى الطائفة، مع كل ما يعنيه ذلك من استقواء بها، واحتماء بشعاراتها واستحقاق باسمها، فان اللاطائفية هي على عكس ذلك، حالة انتماء الى الوطن واستقواء به، واحتماء بسلطته واستحقاق له ومن اجله.

واذا كانت الطائفية استقطاعا لجزء من 17 من الوطن، فان اللاطائفية هي وحدة وطنية جامعة لكل طوائف الوطن. واذا كانت الطائفية استحضارا لصراع مبيّت وحكما قدريا بانفجار مع وقف التنفيذ، فان اللاطائفية هي خروج من الصراع الى الايلاف، ومن خطر الانفجار الى أمان الانصهار. واخيرا اذا كانت الطائفية صيغة توافقية لتعايش جماعات على الحد الادنى، فان اللاطائفية هي صيغة وطنية يحترم فيها الانسان لذاته، ويتحمل مسؤولياته لذاته، وينال حقوقه لذاته. في الاساس تشكو دول العالم العربي من وجود هوة بين مضمون المنهج التربوي وما يبث من خلال وسائل الاعلام. علما بأن وسائل الاعلام هذه، السمعية والبصرية والى حد ما المكتوبة، تابعة للدولة بصورة او باخرى.

اما عندنا في لبنان فان شكوانا اشد تعقيدا. فنحن نشكو من تعدد البرامج التعليمية. ونشكو من تعدد المناهج الاعلامية. وتاليا فاذا كانت دولة عربية ما تحتاج الى جسر يربط بين المنهجين التربوي والاعلامي، فان لبنان يحتاج الى شبكة من الجسور المتقاطعة لتربط بين كل هذه التعدديات في المناهج التربوية والاعلامية. وفي يقيننا ان استمرار الحالة الطائفية منذ الاستقلال بل منذ قيام لبنان الكبير عام 1920 حتى اليوم، هو في حد ذاته ثمرة من ثمار مناهج التربية ومناهج الاعلام، ومناهج الاعلام التربوي على حد سواء. واذا كنا نتطلع تاليا الى مواطن لا طائفي، والى اسرة لا طائفية والى مجتمع لا طائفي، فانه يتحتم ان نتوافق على صوغ برامج للتربية وللاعلام وللتربية الاعلامية غير الطائفية. هناك اجماع في لبنان على نبذ الطائفية. ولكن لا يوجد حد ادنى من التوافق بعد على متى وكيف نتخلص منها. بعد اقرار مبدأ الالغاء في وثيقة الطائف 1989 لا بد ان يبدأ التنفيذ من مكان ما، ولا بد ان يحدد موعد الانطلاق من تاريخ ما.

نعرف ان الطائفية ليست ورما يمكن ان يعالج بالاستئصال، ولا حتى بالبتر. ان الطائفية تكاد تكون جزءا من العامل الوراثي “د.ن.أ” الذي يكمن في خلايانا الحية. وبالتالي فان الطائفية هي احدى موروثاتنا المرضية، تنمو في بيئة تربوية طائفية، ويعتني بها اعلام تربوي طائفي. فالخطأ هنا صواب هناك، والبطل هنا خائن هناك، والجميل هنا قبيح هناك. هذا الموروث العجيب يحتاج الى اكثر من قرار للتخلص منه. انه يحتاج الى اعادة نظر شاملة في برامج التربية والتعليم، والى اعادة نظر شاملة في دور وزارة التربية ووزارة الثقافة، والى اعادة نظر شاملة في دور الاعلام بحيث تتهاوى قبضات هذه القوى واحدة بعد الاخرى فوق رأس الطائفية اليابس، على امل ان تكسره و تفتته من دون ان يحزن احد على فراقه او يأسف لغيابه.

ان للاعلام التربوي دورا اساسيا في تغيير سلوك المواطن اللبناني من الطائفية الى اللاطائفية، وفي مساعدته على تكييف نفسه للعيش بامان في مجتمع لاطائفي، وللتفاعل مع المواطن الآخر والتعاطف معه على قاعدة اللاطائفية. فالوظائف التي يقوم بها الاعلام كمؤثر تربوي طويل المدى، وكوسيلة لعرض برامج تعليمية وتربوية آنية، وكمنبر لبث افكار تطويرية وتغييرية، وكأداة ترفيهية تخاطب الوجدان والحس والذوق حاملة اليه مضامين تربوية غير منظورة سرعان ما تتوالد وتنمو في العمق الانساني، هذه الوظائف لاعلام وطني ذكي هادف وحر في الوقت نفسه، تستطيع ان تحقق في مدى زمني منظور القفزة الانتقالية المرتجاة.

ولكن لا يستطيع ان يقوم بمهمة التربية الاعلامية – اللاطائفية اعلام مبني اساسا على الطائفية. ذلك انه الى جانب عدد كبير من المدارس والمعاهد حيث جلّ اساتذتها وطلابها من طائفة واحدة ومن مذهب واحد، والى جانب احزاب سياسية مماثلة، هناك مؤسسات اعلامية صحافية واذاعية وتلفزيونية يكاد العاملون فيها يختصرون في طائفة واحدة وفي مذهب واحد. يتكامل دور هذه المؤسسات الاعلامية مع المؤسسات التعليمية والحزبية والخيرية والصحية الاخرى في تقديم خدمات مادية ومعنوية تنطلق من معادلة الانتماء الطائفي. بمعنى انها تعطي الاولوية في اهتماماتها الى ابناء الطائفة، وفي هذا الاطار يوظف عجز الدولة او تعجيزها احيانا عن اداء مثل هذه الخدمات انطلاقا من معادلة الانتماء الوطني، لاذكاء الروح الطائفية وتجذيرها في المجتمع.

ويتولى اعلام طائفي حماية مصالحها والدفاع عن شخصياتها ومؤسساتها. ان من افرازات الحرب التي عصفت بلبنان (1975 – 1989) قيام مؤسسات اعلامية ذات انتماء طائفي جامد. ولقد وعى اتفاق الطائف خطورة استمرار هذه الظاهرة المرضية فلم يقصر دعوته على مجرد تشكيل هيئة لالغاء الطائفية فقط، بل دعا الى اعادة تنظيم الاعلام على قاعدة وطنية ايضا. ولتحقيق ذلك من المفيد وباسرع وقت ممكن تنظيم لقاء (خلوة) يضم مسؤولين واختصاصيين في الاعلام وفي التربية وفي الاعلام التربوي، لوضع خطة عمل تنفذ على مراحل في المدارس الرسمية والخاصة، وفي المؤسسات الاعلامية الرسمية والخاصة كذلك، هدفها الانتقال تدريجا من الثقافة الطائفية الجزئية الى الثقافة الوطنية الجامعة.

ومن عادات الطائفية وسلوكياتها، الى عادات اللاطائفية وسلوكياتها. اذا كان تكوين جيل جديد لاطائفي يمكن ان يتم في المدرسة، فان خطر انتقال سم الطائفية اليه في البيت، يبقى احتمالا قويا، الامر الذي يلقي على الاعلام، الموجَّه اساسا الى الكبار، مسؤولية كبيرة وصعبة لاختراق الثوابت الفكرية الطائفية لدى هؤلاء الكبار والتي اصبحت او كادت جزءا من مقومات شخصياتهم. ولذلك لا بد من مساهمة علماء اجتماع وعلماء نفس في صوغ خطة العمل المشتركة، وبحيث تترجم الى برامج اذاعية وتلفزيونية، والى كتب للتربية الوطنية تحاصر العقلية الطائفية وتعريها من كل قيمة معنوية، وتفتح آفاق المستقبل امام عقلية لاطائفية متحررة من العقد، مطمئنة الى ثقة المجتمع والى ولائها المطلق للدولة. وبعد ذلك يمكن ان تسقط الطائفية مثل ورقة الخريف من دون ان يؤثر سقوطها على اغصان الوطن، من السبع عشرة طائفة، حتى الآن!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*